تواصل المملكة العربية السعودية خطواتها نحو رفع مشاركة الكفاءات الوطنية في المهن النوعية والتخصصية داخل القطاع الخاص، في مسار يتجاوز زيادة أعداد العاملين السعوديين إلى بناء رأس مال بشري قادر على المشاركة في إدارة المشروعات وصناعة القرار وقيادة التحولات الاقتصادية والتنموية التي تشهدها المملكة. وتدخل سوق العمل بالمملكة مرحلة جديدة في توطين الوظائف النوعية، بعد رفع نسبة التوطين في مهن إدارة المشاريع بالقطاع الخاص إلى 70%، على أن يبدأ تطبيق القرار في 14 فبراير 2027، بما يمنح المنشآت المشمولة فترة للاستعداد ومواءمة احتياجاتها الوظيفية مع النسبة الجديدة. وسبق أن أعلنت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بالشراكة مع وزارة البلديات والإسكان، أن القرار يطبق على منشآت القطاع الخاص التي يعمل بها ثلاثة عاملين فأكثر في المهن المستهدفة، وتشمل: مدير إدارة مشاريع، مهندس إدارة مشاريع، أخصائي إدارة مشاريع. وبحسب المادة التوضيحية الرسمية المصاحبة للقرار، فإن رفع نسبة التوطين يستهدف زيادة الفرص الوظيفية النوعية والمستدامة للمواطنين والمواطنات، ورفع مشاركة الكوادر الوطنية في سوق العمل وتعزيز حضورها في القطاع الخاص، إلى جانب تعزيز إسهامهم في تنمية الاقتصاد الوطني. ويأتي القرار في وقت تشهد فيه المملكة توسعًا كبيرًا في المشروعات التنموية والاستثمارية، ما يرفع أهمية بناء خبرة وطنية تراكمية في إدارة المشاريع ، ويعزز حضور الكفاءات السعودية في الوظائف المرتبطة بالتخطيط والتنفيذ والمتابعة وصناعة القرار. «مسار متدرج» ويمثل القرار الجديد مرحلة متقدمة في مسار توطين إدارة المشاريع؛ فالقرار السابق الصادر عام 2023 وضع التوطين على مرحلتين، تبدأ الأولى بنسبة 35% وترتفع في المرحلة الثانية إلى 40% من إجمالي العاملين في مهن إدارة المشاريع لدى المنشآت المشمولة. وبدأ تطبيق المرحلة الأولى في نهاية عام 2023، فيما اشترط الدليل الإجرائي السابق ألا يقل الأجر الشهري المسجل في التأمينات الاجتماعية للعامل السعودي المحتسب ضمن نسبة التوطين عن 6000 ريال. ويمثل الانتقال من 40% إلى 70% زيادة مقدارها 30 نقطة مئوية، ويعكس توسع سياسة التوطين في هذه المهن ورفع مستوى مشاركة الكفاءات الوطنية في القطاع الخاص. وتكتسب المهلة الممتدة حتى 14 فبراير المقبل أهمية عملية؛ إذ تتيح للمنشآت مراجعة هياكلها الوظيفية، وحصر احتياجاتها من القوى العاملة، واستقطاب الكفاءات السعودية وتأهيلها قبل دخول النسبة الجديدة حيز التنفيذ. ولا يمكن قراءة القرار بمعزل عن حجم المشروعات التي تشهدها المملكة في قطاعات متعددة، من السياحة والطيران والإسكان والترفيه إلى الخدمات اللوجستية والصناعة والبنية التحتية، فضلًا عن المشروعات الكبرى المرتبطة بمستهدفات رؤية السعودية 2030. ويمنح هذا التوسع قرار التوطين بعدًا يتجاوز رفع نسبة السعوديين في مهنة بعينها؛ إذ يفتح المجال أمام زيادة مشاركة الكفاءات الوطنية في إدارة المشاريع وتنفيذها واكتساب الخبرات المرتبطة بها. ومع اتساع محفظة المشروعات في المملكة، تزداد أهمية تحويل هذه الفرص إلى خبرات وطنية تراكمية، من خلال التأهيل ونقل المعرفة وإشراك الكفاءات السعودية في مختلف مراحل المشروع، بما يساعد على بناء قيادات وطنية قادرة على إدارة المشروعات الكبرى مستقبلًا. ولا يقتصر الأثر هنا على الوظيفة نفسها، بل يمتد إلى الاحتفاظ بالمعرفة والخبرة داخل الاقتصاد الوطني، بحيث تتحول المشاريع الكبرى إلى بيئات عملية لتطوير المهارات وصناعة جيل جديد من المتخصصين والمديرين السعوديين. «جودة التنفيذ» ولا تقاس أهمية إدارة المشاريع بحجم الإنفاق وحده، وإنما بقدرة المديرين والمتخصصين على تحويل الموارد إلى نتائج ضمن الوقت والتكلفة والجودة المستهدفة. وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع رفع نسبة التوطين إلى 70%؛ فالقرار يرفع الطلب على الكفاءات الوطنية، لكنه في الوقت نفسه يجعل التأهيل المهني والخبرة التطبيقية عاملين حاسمين في نجاح التنفيذ وتحقيق المستهدفات. فمدير المشروع الناجح لا يعتمد على المؤهل وحده، بل يحتاج إلى مهارات التخطيط والقيادة وإدارة المخاطر والتكاليف والجودة والعقود وأصحاب المصلحة، إلى جانب القدرة على استخدام الأدوات الرقمية وتحليل البيانات واتخاذ القرار، والتعامل مع فرق العمل والمقاولين والاستشاريين في بيئات عمل تتزايد فيها درجة التعقيد. ومن هنا، فإن الأثر الحقيقي للقرار على جودة المشروعات سيعتمد على قدرة السوق على الجمع بين التوطين والتأهيل؛ بحيث لا تتحول النسبة إلى هدف عددي منفصل عن الكفاءة، وإنما إلى مسار لبناء قاعدة وطنية محترفة قادرة على اكتساب الخبرة وتراكمها وقيادة المشاريع مستقبلًا. «طلب عالمي» وتأتي الخطوة السعودية في وقت يتزايد فيه الطلب عالميًا وإقليميًا على المتخصصين في إدارة المشاريع. ويقدر معهد إدارة المشاريع PMI عدد العاملين في المهن المرتبطة بالمشاريع عالميًا بنحو 39.6 مليون متخصص في عام 2025، فيما قد يصل الطلب إلى 65.4 مليونًا بحلول عام 2035 في سيناريو النمو الأعلى، مع فجوة محتملة تصل إلى 29.8 مليون متخصص، ونمو في الطلب يبلغ 64%. وتبدو المؤشرات أكثر ارتباطًا بالسوق السعودية عند النظر إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ إذ يقدر المعهد حجم العاملين في المهن المرتبطة بالمشاريع في المنطقة بنحو 1.3 مليون متخصص في 2025، ويتوقع ارتفاع الطلب إلى ما بين 1.7 و1.8 مليون بحلول 2035، بنمو يتراوح بين 32% و42%، مع فجوة محتملة تتراوح بين 500 و600 ألف متخصص. وتمنح هذه المؤشرات القرار السعودي بعدًا إضافيًا؛ فرفع نسبة التوطين يأتي في مهنة يتزايد الطلب على مهاراتها إقليميًا وعالميًا، ما يجعل الاستثمار في تدريب الكفاءات الوطنية وتأهيلها واكتسابها الخبرة العملية جزءًا من الاستعداد لاحتياجات سوق العمل المستقبلية. «اختبار الجاهزية» وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع سوق العمل الوصول إلى نسبة 70% بكفاءات وطنية جاهزة خلال المهلة المحددة؟ الإجابة لا ترتبط بعدد الباحثين عن العمل فقط، ولا بمجرد توافر خريجين يمكن شغل الوظائف بهم، بل بمدى توافر الخبرة العملية والتخصص الدقيق والشهادات المهنية المطلوبة، وبقدرة المنشآت والجامعات ومؤسسات التدريب على سد أي فجوة محتملة بين العرض والطلب. وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل عدم اقتصار احتياجات السوق على الوظائف المبتدئة؛ فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى مستويات متفاوتة من الخبرة، تبدأ بالمتخصصين والمهندسين وتمتد إلى مديري المشاريع وأصحاب الخبرات القادرين على إدارة فرق العمل والعقود والتكاليف والمخاطر والجداول الزمنية واتخاذ القرارات في المراحل الحرجة من المشروع. وتشير الأدلة الإجرائية السابقة لقرارات التوطين إلى مراعاة ظروف سوق العمل وأعداد الباحثين عن عمل وخريجي التخصصات ذات العلاقة، إلى جانب قدرة القطاع الخاص على استيعاب الكفاءات الوطنية. وهذا يعني أن الانتقال إلى نسبة أعلى من التوطين يأتي ضمن مسار متدرج، يفترض أن السنوات الماضية أسهمت في توسيع قاعدة السعوديين العاملين في هذه المهن، ومنحت جزءًا منهم خبرات عملية يمكن البناء عليها في المرحلة الجديدة. ولكن رفع النسبة من 40% إلى 70% يجعل المرحلة المقبلة أكثر ارتباطًا بجودة التنفيذ، وليس بمجرد تحقيق النسبة حسابيًا؛ فالمنشأة التي تحتاج إلى مدير مشروع أو مهندس إدارة مشاريع لا تبحث عن رقم وظيفي فقط، وإنما عن كفاءة قادرة على إدارة الوقت والتكلفة والمخاطر والعقود وفرق العمل، وقراءة مؤشرات الأداء ومعالجة التعثرات قبل تحولها إلى مشكلات تؤثر في تكلفة المشروع أو موعد إنجازه. ومن هنا، فإن نجاح القرار سيقاس أيضًا بقدرة سوق العمل على تحويل التوطين إلى عملية مستدامة لبناء الخبرة؛ بحيث ينتقل الموظف السعودي مع التدريب والممارسة ونقل المعرفة من المراحل المهنية الأولى إلى إدارة المشروعات وقيادتها وصناعة القرار فيها. «دعم وتأهيل» وتمثل الفترة التي تسبق 14 فبراير 2027 نافذة مهمة لرفع جاهزية السوق، من خلال التدريب والتأهيل والشهادات المهنية والتدريب على رأس العمل، ونقل المعرفة من أصحاب الخبرات إلى الكفاءات السعودية، إلى جانب بناء مسارات وظيفية واضحة للخريجين والموظفين الجدد وربط التدريب باحتياجات المشاريع الفعلية. ولا ينبغي النظر إلى هذه الفترة باعتبارها مجرد مهلة نظامية تسبق بدء التطبيق، بل فرصة للمنشآت لإعادة تقييم احتياجاتها من القوى العاملة، وحصر الكفاءات الوطنية الموجودة لديها، وتحديد ما تحتاج إليه من تدريب وتطوير للوصول إلى النسبة المطلوبة دون التأثير في كفاءة الأعمال أو سير المشاريع. ويكشف الإنفوجرافيك الرسمي المصاحب للقرار عن حزمة من برامج الدعم المقدمة للمنشآت، تشمل دعم عملية التوظيف والاستقرار الوظيفي لضمان استدامة الكوادر الوطنية، والاستفادة من البرامج المقدمة عبر صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف)، إلى جانب دعم عمليات التدريب والتأهيل لتطوير المهارات المطلوبة في المهن المستهدفة، والمساندة الفاعلة في عمليات الاستقطاب والبحث عن الكفاءات الوطنية المناسبة. وتمنح هذه البرامج المنشآت مساحة أكبر للاستعداد المبكر، بدل انتظار موعد التطبيق ثم الدخول في منافسة على الكفاءات المؤهلة، كما تساعد الشركات على استقطاب السعوديين وتطوير مهاراتهم تدريجيًا قبل بدء تطبيق النسبة الجديدة.ويمكن للشركات الكبرى، على وجه الخصوص، أن تؤدي دورًا مهمًا عبر برامج الإرشاد المهني والتدريب الداخلي وإشراك الكفاءات الشابة في المشروعات الفعلية، بما يختصر المسافة بين المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية. وفي المقابل، تستطيع الجامعات ومؤسسات التدريب والجهات المهنية توجيه برامجها بصورة أكبر نحو المهارات التي يحتاج إليها القطاع، وتعزيز الشراكات مع المنشآت العاملة في المشاريع، بما يحقق مواءمة أدق بين مخرجات التعليم والفرص المتاحة، ويمنح الخريجين فهمًا عمليًا لمتطلبات المهنة قبل دخول سوق العمل. وبذلك يصبح الوصول إلى نسبة 70% اختبارًا لقدرة منظومة العمل على الجمع بين التوطين والكفاءة؛ فالغاية لا تقتصر على تحقيق النسبة المستهدفة، بل تمتد إلى بناء قاعدة وطنية تمتلك المعرفة والخبرة اللازمة لإدارة مشاريع المملكة وقيادتها بكفاءة، والمحافظة على الخبرات المتراكمة داخل الاقتصاد الوطني. «قياس الأثر» ومع بدء تطبيق النسبة الجديدة في فبراير 2027، ستكون هناك فرصة للانتقال من قياس نجاح التوطين بعدد الوظائف التي يشغلها السعوديون إلى قياس أعمق يرتبط بما تضيفه الكفاءات الوطنية فعليًا إلى منظومة إدارة المشاريع. فالوصول إلى نسبة 70% يمثل مؤشرًا مهمًا، لكن القيمة الأكبر ستظهر عندما تتحول هذه النسبة إلى مسارات مهنية تمتد من أخصائي إدارة المشاريع إلى مدير المشروع، ثم إلى قيادة المحافظ والبرامج ومكاتب إدارة المشاريع وصناعة القرار في المنشآت الكبرى. ومن هنا تبرز أهمية بناء مؤشرات تتابع ما يحدث بعد التوظيف، مثل معدل بقاء الكفاءات السعودية في المهنة، ونسب انتقالها إلى مستويات قيادية، وحصولها على الشهادات المهنية المتخصصة، وحجم مشاركتها في إدارة المشاريع الكبرى، إضافة إلى قياس قدرتها على قيادة فرق متعددة التخصصات وإدارة الميزانيات والعقود والمخاطر والجداول الزمنية. فهذه المؤشرات تقدم صورة أكثر دقة عن أثر القرار من مجرد معرفة ما إذا كانت المنشأة حققت النسبة المطلوبة أم لا. ويمكن للمرحلة الجديدة أن تفتح كذلك مجالًا أوسع أمام المنشآت لإنشاء قواعد بيانات داخلية للخبرات والدروس المستفادة من كل مشروع، بحيث لا تنتهي المعرفة بانتهاء المشروع أو انتقال أحد الخبراء، وإنما تنتقل بصورة مؤسسية إلى فرق العمل السعودية والمشاريع التالية. وهذه الممارسة يمكن أن تجعل التوطين أحد أدوات بناء المعرفة داخل الشركات، وليس مجرد استجابة لمتطلب تنظيمي. كما أن نضج التجربة سيظهر من خلال قدرة الكفاءات الوطنية على العمل في قطاعات مختلفة؛ فالمهارات الأساسية في إدارة المشاريع قابلة للانتقال بين الصناعة والسياحة والإسكان والخدمات اللوجستية والطيران والتقنية وغيرها، وهو ما يمنح المتخصص السعودي مسارًا مهنيًا واسعًا، ويزيد قدرة سوق العمل على تحريك الخبرات نحو القطاعات التي تشهد طلبًا أكبر. وفي مرحلة لاحقة، يمكن أن يصبح قياس أثر التوطين أكثر ارتباطًا بنتائج المشاريع نفسها: هل أسهمت الكفاءات الوطنية في تحسين الالتزام بالجداول الزمنية؟ وهل ارتفعت كفاءة إدارة التكلفة والمخاطر؟ وهل ازدادت قدرة المنشآت على إدارة المشاريع بفرق وطنية تمتلك المعرفة الفنية والإدارية معًا؟ مثل هذه المؤشرات هي التي يمكن أن تكشف الأثر الاقتصادي الحقيقي للقرار.