إثيوبيا بين نار الداخل وميناء عصب .. رمضان قرني يكشف لـ صدى البلد حسابات آبي أحمد وسيناريوهات المواجهة مع إريتريا | حوار

يمثل استهداف أديس أبابا بطائرات مسيّرة تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع العسكري، إذ اعتادت الحكومة الإثيوبية امتلاك اليد العليا عسكريًا واستخدام الطائرات المسيّرة، خصوصًا خلال حرب تيجراي عامي 2021 و2022، والتي أسهمت خلالها هذه الطائرات بدرجة كبيرة في استعادة الجيش الإثيوبي زمام المبادرة وحسم المعارك لصالحه.

ومن هذا المنطلق، فإن وصول الصراع إلى العاصمة يمثل تحولًا نوعيًا، كما أن استخدام الطائرات المسيّرة داخل أديس أبابا يضيف بُعدًا جديدًا إلى المشهد العسكري ويزيد من تعقيداته.

كما اتسع نطاق الصراع ليشمل أربعة أقاليم، هي تيجراي وأمهرة وأورومو والعفر، بعدما كانت المواجهات تتركز بصورة أساسية في تيجراي وأورومو، إلى جانب المناوشات في أمهرة، بما يعكس اتساع رقعة الاضطرابات الأمنية والعسكرية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة تحرك الحكومة لمنع استخدام الطائرات المسيّرة في العاصمة باعتباره مؤشرًا على تنامي المخاوف من انتقال المواجهات إلى قلب أديس أبابا، وقد يعكس إقرارًا بجدية ما تطرحه قوى المعارضة، وفي مقدمتها الجبهة التيجراوية، بشأن استنزاف القوات الإثيوبية داخل العاصمة.

وبالتالي، فإن اتساع رقعة الصراع ووصول الهجمات إلى العاصمة يضعان إثيوبيا أمام تحديات عسكرية وأمنية متزايدة، ويثيران تساؤلات بشأن انعكاسات ذلك على علاقاتها الإقليمية، وفي مقدمتها إريتريا.

يمكن فهم الاتهامات الإثيوبية لإريتريا في ضوء مجموعة من التطورات السياسية والأمنية، وفي مقدمتها الخلاف بشأن حصول إثيوبيا على منفذ بحري، وتحديدًا ميناء عصب.

ومنذ بداية عام 2026، تصاعدت الحرب الإعلامية بين الحكومتين، على خلفية اتهامات أديس أبابا لأسمرة بإدخال قوات إريترية إلى المناطق الحدودية مع تيجراي، بينما اتهمت إريتريا إثيوبيا بشن حملة إعلامية ضدها.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن التحالف الثلاثي بين مصر والصومال وإريتريا، الذي تجسد في اتفاق أسمرة عام 2024، ونظرت إليه إثيوبيا باعتباره تطورًا قد يتعارض مع مصالحها الإقليمية.

وفي المقابل، تمثل قضية المنفذ البحري أحد أبرز محددات السياسة الإثيوبية، ويكتسب ميناء عصب أهمية خاصة بسبب موقعه الاستراتيجي على الساحل الإريتري وقربه من الحدود الإثيوبية وأهميته في حركة التجارة والنقل البحري.

كما أن التحركات الإثيوبية تجاه أرض الصومال قوبلت بمعارضة إقليمية ودولية، وأثرت في العلاقات مع مقديشو، وهو ما يعزز أهمية البحث عن بدائل للوصول إلى البحر الأحمر.

وقد تصاعد التوتر مع إريتريا إلى اعتبار إثيوبيا عشرة دبلوماسيين إريتريين أشخاصًا غير مرغوب فيهم وإغلاق سفارتها في أسمرة، قبل إعلان إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية.

ولا يمكن استبعاد سيناريو المواجهة العسكرية، خصوصًا إذا تمكنت الحكومة الإثيوبية من استعادة السيطرة على تيجراي، فقد تتجه إلى توسيع تحركاتها باتجاه الأراضي الإريترية للضغط على أسمرة بشأن عصب. لكن هذا الاحتمال يظل مرتبطًا بتطورات الصراع داخل إثيوبيا وقدرة الحكومة على حسم جبهة تيجراي.

أتصور أن حكومة آبي أحمد تعتمد على أكثر من آلية للتعامل مع التحديات، من بينها الحشد السياسي والشعبي، وتوظيف الأزمات في الخطاب الرسمي، والاستناد إلى مواقف القوى الإقليمية والدولية الداعمة.

لكن تحليل المشهد الإثيوبي يواجه إشكالية التعتيم الإعلامي المفروض داخل البلاد، ما يجعل الحصول على معلومات دقيقة بشأن التطورات الداخلية أمرًا بالغ الصعوبة.

وتشير التجربة الإثيوبية إلى امتلاك الحكومة أدوات لتوظيف الأزمات سياسيًا، سواء في الانتخابات البرلمانية أو في ملفات مثل سد النهضة والمنفذ البحري، عبر تقديمها باعتبارها قضايا تتعلق بالمصالح الوطنية.

وقد تلجأ الحكومة إلى ثلاثة مسارات رئيسية: أولها الحشد الداخلي عبر تصوير الأزمة باعتبارها تهديدًا خارجيًا، كما يتضح في الاتهامات الموجهة إلى مصر والسودان وإريتريا. وثانيها تقديم المواجهات باعتبارها حربًا تخوضها الدولة دفاعًا عن وحدتها ونموذجها التنموي. وثالثها توظيف مواقف بعض القوى الدولية والإقليمية، ومنها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والإمارات وإسرائيل، لتعزيز موقفها السياسي.

لكن امتلاك هذه الأدوات لا يعني بالضرورة القدرة على احتواء الأزمة، خاصة مع اتساع المواجهات إلى أربعة أقاليم، وما يترتب على ذلك من استنزاف سياسي وعسكري.

كما أن الخسائر في صفوف القوات الحكومية والتقارير عن أسر أعداد من الجنود والسيطرة على مواقع استراتيجية تمثل تحديًا للحكومة. وعلى المستوى السياسي، تضع الأزمة صورة آبي أحمد كنموذج للتنمية والتحول الديمقراطي أمام اختبار، خصوصًا في ظل التقارير الدولية المتعلقة بأوضاع حقوق الإنسان في تيجراي.

وبالتالي، قد ينجح آبي أحمد في توظيف التهديدات الخارجية لحشد قطاعات من الداخل، لكن التحدي الأساسي يظل في قدرته على استعادة السيطرة على الأقاليم المضطربة واحتواء المعارضة المسلحة.

أعتقد أن الحكومة الإثيوبية تمر بظروف داخلية لا تسمح لها بخوض حرب خارجية جديدة، ولذلك يمكن فهم اتهاماتها لإريتريا والسودان ومصر في إطار محاولة تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج ونقل الاهتمام من التحديات الداخلية إلى التهديدات الخارجية.

ومن ثم، فإن الدخول في مواجهة مباشرة مع إريتريا يظل احتمالًا يصعب الجزم به، في ظل تعدد جبهات الصراع الداخلي. لكن أديس أبابا قد تستخدم أدوات أخرى، مثل تكثيف الحملات الإعلامية والسياسية، وممارسة الضغوط الدبلوماسية، ومحاولة حشد مواقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتستهدف هذه التحركات، في تقديري، هدفين؛ الأول الضغط على إريتريا بسبب اتهامها بدعم جبهة تيجراي، وهي اتهامات لم تثبت صحتها بصورة قاطعة وفق المعطيات المطروحة، والثاني، وهو الأهم، مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر الأراضي الإريترية، وتحديدًا ميناء عصب.

وبالتالي، فإن التصعيد تجاه إريتريا لا يرتبط فقط بالصراع الداخلي، وإنما يتصل أيضًا بحسابات استراتيجية أوسع، في مقدمتها الوصول إلى البحر الأحمر، ولذلك قد تواصل أديس أبابا الضغوط السياسية والدبلوماسية على أسمرة بدلًا من اللجوء إلى الخيار العسكري المباشر.

مع التسليم بصعوبة انخراط إثيوبيا في حرب مباشرة مع إريتريا حاليًا، فإن جميع السيناريوهات تظل قابلة للتحقق، خاصة إذا طرأت تطورات جوهرية على الصراع الداخلي. فنجاح الحكومة في استعادة السيطرة على تيجراي قد يجعل التصعيد مع إريتريا أكثر حضورًا، لكنه سيكون مغامرة عسكرية وسياسية كبيرة.

فإريتريا ترتبط بأطر تعاون سياسي وأمني مع دول في المنطقة، وفي مقدمتها مصر والصومال، كما أن موقعها على البحر الأحمر وقربها من باب المندب يجعل أي مواجهة ذات تداعيات تتجاوز حدود البلدين، بالنظر إلى أهمية المنطقة للتجارة الدولية وأمن البحر الأحمر ومصالح مصر والسودان.

ومن ثم، فإن أي حرب إثيوبية إريترية قد تفتح الباب أمام تمدد إقليمي للصراع. وفي هذا السياق، يمكن تفسير تحركات إثيوبيا تجاه دول الجوار، ومنها جيبوتي وكينيا والصومال، والانفتاح على إسرائيل، باعتبارها محاولات سياسية وأمنية لتحييد هذه الدول أو استقطاب مواقفها.

كما أن استمرار عدة جبهات داخل إثيوبيا يجعل دخول الجيش في مواجهة خارجية واسعة أمرًا صعبًا، خصوصًا إذا تطلب انتشارًا وقدرات لوجستية إضافية.