إبراهيم العنقري.. الدبلوماسية والحِنكة الإدارية
حينما يُذكر إبراهيم العنقري -رحمه الله-، فلا بد أن تتذكر الدبلوماسية وقوة الشخصية والحنكة الإدارية المتميزة والحكمة والعمل بصمت وهدوء، كان يعمل بدون أن يتكلم أو يتحدث، بل إن كلماته وجمله ومفرداته معدودة، وإذا استفاض في حديثه فإنما هو حديث مركز ومدروس، ومرتب الأفكار ومنسق ومنظم، وكان كل شيء مخطط له ومتقن، وكان هو بحق مدرسة إدارية وتخطيطية تتعلم منها الأجيال وهو مفخرة لهذا الوطن المعطاء، وفي هذه السطور نُلقي بعض الضوء على شخصيته. كان إبراهيم العنقري أنموذجاً للموظف النزيه المخلص الصادق الأمين، الذي جعل من الخدمة العامة رسالة وطنية لا مجرد تكليف بمهمة أو وظيفة، بل تتطلب هذه المهمة الدقة والنزاهة والتوازن، فساهم في صياغة أنظمة الدولة وتحديثها، وترك وراءه عملاً يُذكر ويُشكر به في مختلف الميادين والمجالات التي عمل فيها، وكل الذين عملوا معه، تعلموا منه، واستفادوا من خبراته وتوجيهاته، فكان لا يبخل بالرأي والنصيحة مادام فيه مصلحة للقيادة العليا. وُلد إبراهيم العنقري حوالي 1347هـ الموافق 1928م، وقد واجه في طفولته المبكرة تحدياً كبيراً بوفاة والده وهو في سن الثانية تقريباً، اضطر في سن مبكرة إلى العمل كاتباً لمساعدة أسرته، الأمر الذي صقل فيه المثابرة والعصامية والاعتماد على الذات والقدرات الشخصية، رحل إلى الطائف وهو في السابعة من عمره، حيث أكمل المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ثم اختير ضمن الطلاب المتميزين للدراسة في مدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة، وكانت هذه المرحلة بداية انفتاحه على آفاق أوسع، إذ أتاحت له الفرصة للالتحاق ببعثة دراسية إلى مصر، كانت هذه المدرسة الرائدة تحضير للبعثات وكانت أول مؤسسة تعليمية نظامية كان الهدف منها تعليم الشباب الذين أُختيروا للدراسة خارج المملكة لإكمال دراستهم الجامعية. مرحلة مهمة تخرج إبراهيم العنقري -رحمه الله- من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1371-1372هـ / 1952-1953م، حاملاً شهادة في الآداب مع تخصص في اللغة العربية، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة اللغة الإنجليزية والعلاقات الإنسانية في جامعتي كولومبيا بنيويورك وفلوريدا، فكانت دراسته هذه بمصر ثم بأمريكا مصدراً كبيراً لثقافته التعليمية العربية وثقافته الأخرى التي أفاد منها في الدراسة، فهو جمع بين هذين الثقافتين ولهذا كان الرافد التعليمي معيناً له في رحلته الوظيفية الطويلة العميقة التي سوف تمتد خمسين عاماً، واخُتير شخصيتنا ليكون أحد المسؤولين بوزارة المعارف التي لتوها قد أنشأت، وكان أول وزير لها الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، حيث عُين العنقري أولاً مساعداً ثم مديراً عاماً لمكتب وزير المعارف، وهذه المرحلة التي تعين فيها كانت مرحلة مهمة عبر تأسيس أنظمة التعليم والمناهج وآلية اختيار المعلمين وجلب الكفاءات التعليمية من الدول العربية ونشر التعليم في أرجاء المملكة، ولقد كانت الأمية هي السائدة، فمكث شخصيتنا سبعة أعوام في وزارة المعارف، وكان قد أثبت نجاحه في هذا العمل التعليمي. حزم وإتقان بعد تجربة وزارة المعارف كانت هناك رحلة مهمة لإبراهيم العنقري -رحمه الله- في وزارة الخارجية، من خلال رئاسة المراسم، وكان هذا المنصب القيادي مناسباً له، حيث عُرف عنه الدبلوماسية الفذة والمهارة في التعامل، وتضمنت مهام هذا المنصب استقبال الوفود، وأتقن بروتوكول الدولة ومراسم التعامل الدولي، وشارك شخصيتنا في وفود المملكة إلى الأمم المتحدة، وختم عمله الدبلوماسي بالعمل مستشاراً بالسفارة السعودية بواشنطن، وهذا العمل يعد رافداً له في دعم خبرته الدبلوماسية والعلاقات الدولية. وبعد العمل الدبلوماسي انتقل العنقري 1382هـ إلى العمل بوزارة الداخلية، عندما كان وزير الداخلية الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، ولقد عُين وكيلاً فيها، وقد تجلت مقدرته وكفاءته ومهارته الإدارية في هذا المنصب، وتولى رئاسة لجان متعددة منهما مهمة لجنة الضباط ولجنة الترشيح للجنسية، وقد أدار كُل ما كُلف به بحزم وإتقان، وبفضل كفاءته الاستثنائية، حظي العنقري بثقة مطلقة من القيادة العليا، ما أهّله لتبوُّء مناصب قيادية رفيعة في مراكز سيادية وحساسة، واستمر في عطائه من خلالها حتى أواخر سنوات عمره، وقد تجلت هذه الثقة في أدوار محورية، إضافةً إلى نهجه المتزن وحكمته في التعامل مع الملفات الشائكة خلال فترات سياسية دقيقة. وكالة واس وفي رمضان 1390هـ / 1970م، صدر الأمر الملكي بتعيين إبراهيم العنقري -رحمه الله- وزيراً للإعلام، ليكون الثاني في تاريخ الوزارة، ودخل المنصب برؤية واضحة الإعلام أداة للتواصل مع الشعب والعالم، ووسيلة لدعم التنمية والوحدة الوطنية، لا مجرد نقل أخبار، وقد أسّس وكالة الأنباء السعودية «واس» بأمر من الملك فيصل -رحمه الله-، كجهاز مهني ينقل رواية المملكة بموضوعية وصدق، وساهم في إطلاق إذاعة القرآن الكريم في الرياض وجدة، وطور خدمات التلفزيون تقنياً وبرمجياً، بما في ذلك البث الملون، ووسّع نطاق التغطية، جعل موسم الحج فرصة إعلامية عالمية تعكس رسالة المملكة، كما شارك في تنظيم الإعلام على المستوى الإسلامي، ورأس بعض الاجتماعات المتخصصة، وكان عضواً في اللجنة العليا لسياسة التعليم ولجنة رعاية الشباب، مما ربط الإعلام بالتنمية الثقافية والاجتماعية، وحوّل الوزارة إلى مؤسسة حديثة تدعم أهداف الدولة في عصر التحولات. منظومة اجتماعية وفي 1395هـ / 1975م، انتقل إبراهيم العنقري -رحمه الله- إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وركز على بناء منظومة اجتماعية تعتمد على التمكين والتأهيل لا على الإعانة فقط، فقد وسّع نطاق الضمان الاجتماعي، ورفع مستويات المعاشات، وأطلق برامج لرعاية الطفولة والأمومة وكفالة أسر المحتاجين، وساهم في تطبيق أنظمة التأمينات الاجتماعية على القطاع الخاص، ودعم إنشاء المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني لتأهيل الكوادر الوطنية، وحول الوزارة إلى أداة للإدماج الاجتماعي وخلق فرص العمل، مع التركيز على الفئات الأكثر احتياجاً. وتولى العنقري وزارة الشؤون البلدية والقروية حوالي 1404هـ / 1983م، في مرحلة شهدت توسعاً حضرياً سريعاً، وأدخل أنظمة التخطيط العمراني للسيطرة على النمو العشوائي، وركز على تحسين الخدمات الأساسية مثل النظافة، البيئة، الطرق، والجسور، وربط بين الريف والمدن، وأكد على النزاهة في التعامل مع المشاريع، وكان معروفاً بباب مفتوح للمواطنين، وبمتابعة شخصية للمشكلات، شارك في مجالس عليا مثل مجلس جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والدفاع المدني، ورئاسة بعض المنظمات العربية المتخصصة في إنماء المدن. ملفات حساسة وفي 1409هـ / 1989م، عُيّن إبراهيم العنقري -رحمه الله- مستشاراً خاصاً بالديوان الملكي بمرتبة وزير، وعضواً في مجلس الأمن الوطني، وظل في هذا المنصب حتى حوالي 1426هـ، وطوال فترة حكم الملك فهد، وكان هذا المنصب ذروة مسيرته، حيث أُسندت إليه ملفات حساسة مثل ترسيم الحدود مع دول الجوار، والمشاركة في صياغة أنظمة أساسية مثل النظام الأساسي للحكم، ونظام مجلس الشورى، ونظام المناطق. ومن صفات شخصيتنا التي اشتهر بها أنه كان حافظاً للأسرار، مخلصاً في النصح، متجرداً من المصالح الشخصية، وقد عكست الثقة الملكية العميقة به كفاءته ونزاهته، طلب الإحالة إلى التقاعد لأسباب صحية، فاستجيب له. وعُرف العنقري بقلة الكلام وكثرة العمل، ودقة المواعيد، والنزاهة المطلقة، وكان يتحاشى الأمور الشخصية في العمل، ويُفضل الحلول المؤسسية، كان محباً للخير، وساهم في بناء المساجد، ودعم المحتاجين، وكفالة الأيتام، وأعمال خيرية أخرى، وكان أديباً فصيحاً، محباً للشعر والكلمة الجميلة، ومتديناً يستشعر المسؤولية أمام الله. يقدّر الوقت أنس اليوسف تحدث في مقال بجريدة عكاظ بعنوان: «إبراهيم العنقري.. مستشار الفهد ورجل الملفات الثقيلة»: هذا رجلٌ لا يحتمل الفوضى ولا يحبُّ الاستعراض، يقدّر الوقت ويحتكم إلى الوثيقة، القرار عنده لا يولد من مزاج، بل من ورقةِ ميزانيةٍ وخطةٍ ومسؤولية، يدرّب ويفوّض ويحاسب، ويؤمن أن الكفاءة تُصنع بالتعليم المستمرّ؛ لذلك دفع بإنشاء المعاهد، وشجّع الابتعاث القصير للموظفين، وأمر بعقد ورشٍ دائمة، وكتب ملاحظاته بيده على مشاريع اللوائح، يصحّح اللغة قبل المضمون؛ لأن اللسان عنده مرآةُ العقل، كان شديد الرحمة في التنفيذ الصارم، لا يتراخى في حقّ الدولة، لكنه يفتح نافذة للضعيف ليشرح وإذا استبانت له الحقيقة، حكم؛ وإن التبس الأمر، أعاده إلى لجنةٍ أو خبير وحين كان يزور مشروعاً أو بلدية أو إدارة، لا يخرج منها بالتقاط الصور، بل بإقرارٍ تنفيذيٍّ يوقّعه في المكان ذاته.. انتهى كلامه. متابع حريص وقالت عنه ميسون أبو بكر في مقالها بجريدة الرياض بعنوان: «رحلة دولة»: لقد تعامل العنقري مع وسائل الإعلام والإعلاميين بطريقة مهنية عالية وسهل الصعب في طريق الصحافة التي آمن بدورها وأهميتها، واستقبل الإعلاميين من المملكة وخارجها، وهو نهج بديع في تواصل مسؤول في هذا النطاق، وكان المتابع الحريص الذي يقدر دور الإعلام والإعلاميين وتأثيرهما، وهو الذي بادر بإنشاء وكالة الأنباء السعودية -واس-، وهو إنجاز يحسب له، ولقد ركز العنقري في توجهه العام على بناء وتنمية الإنسان والمكان وإيجاد توازن بين المدينة والقرية والريف لتحقيق التنمية المتكاملة، ثم كانت له رؤية إعلامية واعدة في الإعلام، ثم بصمة في كل منصب شغله ونشاط وطني انتمى إليه، رحم الله من بقي في صميم الذاكرة الإعلامية، ومن هو من نسيج الوطن، في رحلة دولة بدأت وهي ماضية فيما أسسه قائدها المؤسس ومن أتى على نهجه من بعده.. انتهى كلامها. رجل دولة وكتب أ.د. صالح الشحري في مقالة بجريدة اليمامة بعنوان: «إبراهيم العنقري: رجل الدولة والوزارات المهمة»: العنقري كان عزوفاً عن الكلام، لكنه إن تكلم كان فصيحاً بليغاً.. انتهى كلامه. وقال عبدالعزيز السالم: كان ودوداً شفيفاً كريماً مرهف الإحساس، مسلماً حقاً في خلقه وعقيدته وسلوكه، وكان يحذر في معاملته مع الآخرين جرح مشاعرهم أو كرامتهم أو النيل منهم، وكان يتألم عندما يشاهد في التلفاز صور الشهداء والجرحى.. انتهى كلامه. ووصفه معاصروه بأنه رجل دولة من طراز رفيع، فصيح صموت، كاره للأضواء، صاحب قلب كبير، وأشار آخرون إلى أنه مع الكرام كريم، ومع العصاة عصي، ومع القوي قوي وللضعيف ولي. وفي كتابات الرثاء والتذكر، أُبرز العنقري كأحد الأفذاذ الذين خدموا الوطن في مواقع متعددة بإخلاص وتفانٍ، ودُعي إلى تخليد اسمه بمشاريع تعكس إرثه، وقد وصفه بعضهم بـ»حافظ الأسرار»، ورجل الدولة الصنديد الذي رضع الصمت والإخلاص منذ بداياته. توفي إبراهيم العنقري في يوم الاثنين الموافق 5 محرم 1429هـ الموافق 14 يناير 2008م في جنيف بسويسرا، عن عمر يناهز الثمانين عاماً، بعد أكثر من 50 عاما في خدمة الوطن، وقد دُفن في الرياض، وقد أسست ذريته مؤسسة خيرية تحمل اسمه، تكريماً لعمله الإنساني. الملك فهد -رحمه الله- مع العنقري في إحدى المناسبات الأمير خالد الفيصل وبجواره إبراهيم العنقري أحد الأفذاذ الذين خدموا الوطن بإخلاص وتفانٍ إعداد- صلاح الزامل