1-كُلَّ واحِدٍ كانَ يَسمَعُهُم يَنطِقونَ بِلُغَتِهِ"ها هي العنصرة تُطلّ برأسها: "كانَ ٱلرُّسُلُ كُلُّهُم مَعاً في مَكانٍ واحِد... فَحَدثَ بَغتَةً صَوتٌ مِنَ ٱلسَّماءِ" على ما كان يوم عماد يسوع... ها صوت الروح يُسمع يتكلّم فيهم بحسب وعْد يسوع لهم، إذ "نَسمَعُهُم يَنطِقونَ بِأَلسِنَتِنا بِعَظائِمِ ٱلله"!.كانوا مُختبئين وراء "الأبواب المُغلَقة"، "خوفاً من اليهود"، غير أنّ الروح سيُطلقهم من عقالاتهم إلى رحاب الدنيا. "في كُلِّ ٱلأَرضِ ذاعَ مَنطِقُهُم، وَإِلى أَقاصي ٱلمَسكونَةِ كَلامُهُم". فَدَهِش المُلتئمين يوم العنصرة "جَميعُهُم وَتَعَجَّبوا قائِلين بَعضُهُم لِبَعض: *أَلَيسَ هَؤُلاءِ ٱلمُتَكَلِّمونَ كُلُّهُم جَليلِيّين؟*"إنطلق يسوع في رسالته من "جليل الأُمم"حيث عاش وبشّر كارزاً "ببشارة ملكوت الله". ووُسِم الرسل بـ"الجليليّين" يوم العنصرة.لِمَ بدأت كرازة يسوع ومن ثَمّ التلاميذ من الجليل؟يسكن في منطقة الجليل اليوم مناصفةً خليط متنوِّع من العرب واليهود إلى جانب أقليّات أخرى كالبدو والشَركَس. أي أنّ الجليل اليوم تُشبه جليل الأمس من ناحية الاختلاط، لذا كان اليهود ينبذون سكّانها ولا سيّما منهم أقرانهم لأنّهم تدنّسوا لِقُربهم من الوثنيّين فيها وتعاطيهم معهم.إذاً، كانت بداية كرازة يسوع من منطقة تُشبه العالم من حيث التنوّع والتعدّد للتأكيد على أنّ حبّ الله يشمل الجميع ويغمر الكلّ برحمته الوافرة. ومن هنا كلّ إنسان مدعوّ الى حبّ الآخَر المختلِف ومعاملته بالرحمة أيّاً تكن حالته. الأمر الذي يجب أن يسِم علاقاتنا في كلّ لحظة لا أن يحكم تلك العلائق النبذ والرفض وقتل المختلِف بأشكال مختلفة.2-"وَقَعَ بَينَ ٱلجَمعِ شِقاقٌ مِن أَجلِهِ""إِن عَطِشَ أَحَدٌ، فَليَأتِ إِلَيَّ وَيَشرَب"، أسَرَّ يسوع على مسمع من الجميع ليَشرب الكلّ ويرتَوي فـ"تَجري مِن جَوفِهِ أَنهارُ ماءٍ حَيّ"، ويكون ينبوعاً لكلّ عطشان. غير أنّ الناصريّ ذهب بعيداً جدّاً بقَولته هذه. أراد أن يمنحنا ما يدوم، لا ما يلبّي احتياجاتنا الآنيّة فقط: "إنّما قالَ هَذا عَنِ ٱلرّوحِ ٱلَّذي كانَ ٱلمُؤمِنونَ بِهِ مُزمِعينَ أَن يَقبَلوه". أمّا الذين سمعوه فوَقَعَ بَينَهم "شِقاقٌ مِن أَجلِهِ". هذا، و"كانَ أُناسٌ مِنهُم يُريدونَ أَن يُمسِكوهُ، وَلَكِن لَم يُلقِ أَحَدٌ عَلَيهِ يَدا". ما أثار حفيظة الفرِّيسيّين، خصوصاً عندما سمعوا المولجين بجلبه يشهدون "إِنَّهُ ما نَطَقَ إِنسانٌ قَطُّ مِثلَ هَذا ٱلإِنسان". فَأَجابَوهم: "أَلَعَلَّكُم أَنتُم أَيضاً قَد ضَلَلتُم؟ أَمّا هَؤُلاءِ ٱلجَمعُ ٱلَّذينَ لا يَعرِفونَ ٱلنّاموسَ، فَهُم مَلعونون". يجزم اليهود أن"لَم يَقُم نَبِيٌّ مِنَ ٱلجَليل" مبتعدين عن أن يكونوا تعبيراً عن الحق، فأضحوا مَقودين لهوى يُتّبع". رفْض الحقيقة والتضليل من الصفات التي تلتصق بالفرّيسيَين ووَرَثتهم من اليهود المُعاصِرين، وتحديدًا بيبي وحكومته التي تضمّ وحوشًا بشريّة لا ترتوي من الدماء.3-"لَم يَقُم نَبِيٌّ مِنَ ٱلجَليل"وحين تساءل نيقوديمس بصوت عالٍ أمام الفرّيسيّين: "أَلَعَلَّ شَريعَتَنا تَحكُمُ عَلى إِنسانٍ ما لَم تَسمَع مِنهُ أَوَّلاً وَتَعلَم ما فَعَل؟"، أردَفوا: "أَلَعَلَّكَ أَنتَ أَيضًا مِنَ ٱلجَليل؟"، مُصرّين أن "إِبحَث فَتَرى أَنَّهُ لَم يَقُم نَبِيٌّ مِنَ ٱلجَليل". في وقتٍ هم يعرفون أن هناك أنبياء خرجوا من الجليل: دَبُورة وإيليا النبي وإليشَع وناحوم وحنّة النبيّة - من سبط أشير - التي ذكرها لوقا ويونان النبي.في قراءةٍ لتاريخهم العُنصريّ والدَمَويّ والتسلُّطيّ، نجد أنّ اليهود حرّفوا الحقائق تبعاً لأهوائهم ومصالحهم. فحَسبما ذُكر في كتاب "هَتانيا"، فإن"غير اليهود كلّهم مخلوقات شيطانيّة ليس بداخلها أي شيء جيّد على الإطلاق". كما أن الكتاب يَنصّ أن "على اليهود الخروج من بلاد الأغيار المدنّسة، والاستيطان في أرض فلسطين المقدّسة". ويُعزى سبب إصرار نتنياهو صديق الحاخام مناحيم مندل شنيرسون - على إبادة قطاع غزة بشنّه حرباً في تشرين الأول 2023، إلى تمسّكه بـ"نبوءة" أخبره بها شنيرسون، مفادها أنه هو من "سيسلّم مفاتيح أرض الميعاد للمسيح"، مما حرّضه على توسيع رقعة الحرب وإبادة سكّان القطاع. وتذرّع نتنياهو بمبادئ شنيرسون الثلاثة لإعلان الحرب على حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وعلى قطاع غزّة. وفي الزيارة الأخيرة عام 1988 تحدّث الحاخام إلى نتنياهو في مواضيع عدّة، اعتبرها نتنياهو ومن معه نبوءة، وممّا قاله له "عليك أن تقاتل 119 عدوّاً لك. وليس لديك ما تخشاه، لأنّ الجميع قد يكونون ضدّك، ولكنّك على جانب الله".وبالعودة إلى القراءة الانجيليّة للعَنصرة، كان يسوع أعلن: "إِن عَطِشَ أَحَدٌ، فَليَأتِ إِلَيَّ وَيَشرَب. مَن آمَنَ بي فَكَما قالَ ٱلكِتاب: سَتَجري مِن جَوفِهِ أَنهارُ ماءٍ حَيّ". وإيضاحاً، تُكمل القراءة: "إِنَّما قالَ هَذا عَنِ ٱلرّوحِ ٱلَّذي كانَ ٱلمُؤمِنونَ بِهِ مُزمِعينَ أَن يَقبَلوه". أمّا وقد مُجِّد يسوع، فقد صار لنا أن نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس. أي صار كلٌّ منّا "إبناً لله الآب، ولبس المسيح ابنَ الله وامتلأ من الروح القدس لكي يعمل على مثال المسيح أعمال الله".أعلن يسوع: "أَنا نورُ ٱلعالَم. مَن تَبِعَني... يَكونُ لَهُ نورُ ٱلحَياة". هل أُريد أن أسير في النور ما دام لي النور؟