أوكرانيا تنقل الحرب إلى عمق روسيا

وسّعت أوكرانيا، نطاق عملياتها العسكرية بإعلانها تنفيذ ضربات بعيدة المدى في بحر قزوين استهدفت سفناً ومنشآت مرتبطة بنقل شحنات عسكرية بين روسيا وإيران، في خطوة تعكس انتقال كييف من الدفاع عن أراضيها إلى استراتيجية استنزاف متعددة الجبهات تستهدف البنية العسكرية والاقتصادية الروسية. ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه التقديرات الغربية بأن الحرب دخلت مرحلة جديدة تقوم على إنهاك الخصم اقتصادياً ولوجستياً أكثر من السعي إلى حسم ميداني سريع، وسط قناعة متنامية بأن أي نهاية للصراع لن تكون عسكرية، بل سياسية ودبلوماسية.ضربات قزوينأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الأوكرانية نفذت ضربات بعيدة المدى في بحر قزوين، استهدفت سفناً تستخدم في نقل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران، إضافة إلى سفينة حربية، في تصعيد غير مسبوق لنطاق العمليات الأوكرانية.وبالتوازي، أكد جهاز الأمن الأوكراني أن طائرات مسيّرة قصفت منصة فيلانوفسكي النفطية التابعة لشركة «لوك أويل» الروسية، كما استهدفت سفينتي الشحن «بورت أوليا 2» و«بيجي»، اللتين تقول كييف إنهما تشاركان في نقل إمدادات عسكرية بين روسيا وإيران، في محاولة لقطع خطوط الإمداد وإرباك القدرات اللوجستية الروسية.حرب الاستنزافيرى مراقبون غربيون أن أوكرانيا لم تعد تعتمد على الدفاع التقليدي أو استعادة الأراضي عبر هجمات برية واسعة، بل انتقلت إلى استراتيجية تقوم على رفع كلفة الحرب على موسكو، عبر استهداف منشآت الطاقة، وسلاسل الإمداد، والبنية اللوجستية، بما يفرض ضغوطاً اقتصادية وعسكرية متزايدة على روسيا.ويستند هذا النهج إلى مفهوم «حرب الاستنزاف»، الذي يركز على إنهاك الخصم تدريجياً وإضعاف قدرته على مواصلة القتال، بدلاً من السعي لتحقيق انتصار سريع في معركة فاصلة.تفوق المسيّراتأصبحت الطائرات المسيّرة الركيزة الأساسية في العمليات الأوكرانية، بعدما نجحت الصناعات العسكرية في تطوير نماذج منخفضة التكلفة وقادرة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى داخل العمق الروسي، مع تحسين قدرتها على تجاوز وسائل التشويش الإلكترونية.ويرى خبراء عسكريون أن هذا التطور مكّن كييف من تقليص الفارق العددي مع القوات الروسية، وحوّل أوكرانيا إلى ساحة اختبار متقدمة لتقنيات الحرب الحديثة، وهو ما يمنحها أهمية استراتيجية لدى الدول الغربية حتى بعد انتهاء النزاع.الاقتصاد هدفاًلم تعد الضربات الأوكرانية تقتصر على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى البنية الاقتصادية الروسية، من خلال استهداف مصافي النفط، ومنشآت الطاقة، وشبكات النقل، ومراكز التخزين والتوزيع، بهدف تقليص الموارد المالية التي تعتمد عليها موسكو في تمويل عملياتها العسكرية.وتشير تقديرات غربية إلى أن الضربات الأوكرانية أسهمت في خفض قدرات تكرير النفط الروسية بأكثر من 40%، متسببة في خسائر مالية بمليارات الدولارات، إضافة إلى اضطرابات في إمدادات الوقود داخل روسيا.توازن المعركةرغم اتساع نطاق الهجمات الأوكرانية، يؤكد خبراء أن روسيا لا تزال تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات مضادة واسعة النطاق، مستفيدة من تفوقها في الموارد البشرية والإنتاج العسكري، لا سيما في مجال الصواريخ الباليستية.وأصبح المشهد العسكري أقرب إلى حالة من التوازن؛ إذ لم تعد موسكو قادرة على فرض سيطرة كاملة على أوكرانيا بالقوة، في حين لا تمتلك كييف الإمكانات الكافية لتحرير جميع الأراضي المحتلة عسكرياً، مما جعل الحرب تقوم على حرمان كل طرف من تحقيق أهداف الطرف الآخر أكثر من تحقيق نصر حاسم.الحسم الدبلوماسييرى محللون أن الحرب، التي تجاوزت عامها الرابع، دخلت مرحلة يصعب فيها تحقيق حسم عسكري لأي من الطرفين، في ظل استمرار الدعم الغربي لكييف، وقدرة موسكو على تعويض جزء كبير من خسائرها البشرية والصناعية.وبذلك، يظل المسار الدبلوماسي الخيار الأكثر واقعية لإنهاء الصراع، عبر تسوية تعالج الملفات الأمنية، وقضايا الحدود والسيادة، والمخاوف الاستراتيجية للطرفين، بما يفتح الباب أمام إنهاء واحدة من أكثر الحروب استنزافاً في أوروبا منذ عقود.