أوسيتيا الجنوبية.. هدف روسيا المقبل للضم

يشير التغيير في قيادة الجزء الذي يخضع للاحتلال الروسي من جورجيا إلى أن روسيا لا تزال عازمة على إعادة رسم الحدود في منطقة القوقاز، وذلك حسبما ترى المحللة السياسية كيتي كوركيا، المتخصصة في القانون الدولي والأمن القومي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. وتقول كوركيا في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية إنه ‌مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، تسعى موسكو إلى تعزيز سيطرتها على الإقليم التابع لجارتها جورجيا، ولكن هذه المرة ليس بالدبابات، ​وإنما بقرار إداري. فقد عين الكرملين الأسبوع الماضي قيادة جديدة في إقليم أوسيتيا الجنوبية الجورجي الذي تحتله روسيا، في خطوة قد تمهد لضم هذا الإقليم الانفصالي. وفي الوقت نفسه، لا يزال الحزب الحاكم في جورجيا، الذي تزداد نزعته الاستبدادية، مهتما بالحفاظ على سيطرته الداخلية أكثر من اهتمامه بحشد المعارضة الدولية ضد روسيا. وفي 23 يونيو استقال آلان جاجلويف، الذي كان يشغل منصب الرئيس الفعلي لأوسيتيا ‌الجنوبية منذ عام 2022، من منصبه وأعلن انضمامه إلى إدارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كمستشار. وأعلن جاجلويف عن هذه الخطوة في خطاب، ووصفها بأنها خطوة نحو تحقيق "حلمه المنشود" بضم أوسيتيا الجنوبية إلى الاتحاد الروسي. وتم تعيين مارات كامبولوف، المسؤول الحكومي الروسي السابق وهو من أصل أوسيتي، ليحل محل جاجلويف. ووضعت روسيا وأوسيتيا الجنوبية الأسس القانونية لهذه الخطوة في التاسع من مايو، وهو يوم عطلة رسمية للاحتفال بانتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية عام 1945. ووقع الجانبان "معاهدة تعميق التعاون بين الحلفاء في الاتحاد الروسي وجمهورية أوسيتيا الجنوبية"، والتي تسمح للمواطنين الروس بتولي مناصب حكومية في الإقليم المحتل، والعكس صحيح. وقد صادق مجلس الدوما الروسي على المعاهدة في منتصف مايو / أيار. وأشارت كوركيا إلى أنه بموجب المعاهدة تلتزم روسيا وأوسيتيا الجنوبية، باتخاذ خطوات إضافية نحو إنشاء "فضاء اقتصادي موحد". وتشمل هذه الخطوات توفيق التشريعات المنظمة للنشاط التجاري، والتحرك نحو وضع قواعد مشتركة للاقتراض الخارجي والاستثمار الأجنبي. كما تنص المعاهدة على التكامل التدريجي في ​صناعات الطاقة والنقل والاتصالات السلكية واللاسلكية. بمعنى آخر، لا تكتفي روسيا بتعيين مسؤولين موالين لها في أوسيتيا الجنوبية، بل تعمل على دمج اقتصاد الإقليم وبنيته التحتية وإطاره القانوني ضمن الإطار الروسي. ويخضع إقليم أوسيتيا الجنوبية للاحتلال الروسي منذ الحرب الروسية الجورجية في أغسطس / آب 2008، والتي اعترفت موسكو بعدها بأوسيتيا الجنوبية، إلى جانب إقليم أبخازيا الجورجي الانفصالي، كدولتين "مستقلتين". ولا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ومعظم ‌دول العالم، تعتبر ​أوسيتيا الجنوبية جزءا من الأراضي الجورجية. وتنشر روسيا القاعدة العسكرية الرابعة للحرس في مدينة تسخينفالي، عاصمة أوسيتيا الجنوبية، كما تم دمج القوات المسلحة للإقليم المنغصل رسميا في هياكل القيادة الروسية. ويحمل نحو 90 % من سكان أوسيتيا الجنوبية البالغ ‌عددهم 56 ألف نسمة الجنسية الروسية حاليا. ويمثل التمويل الروسي حوالي ‌أربعة أخماس ميزانية أوسيتيا الجنوبية. وقد نزح عشرات الآلاف من الجورجيين العرقيين من أوسيتيا الجنوبية بسبب حرب عام 2008 وتداعياتها. ولا يزال العديد منهم يعيشون في مناطق غير محتلة من جورجيا. ولا يحمل هؤلاء جوازات سفر روسية وليس لديهم أي صوت على الإطلاق في أي عملية تجري على أراضي الإقليم الذي أجبروا على مغادرته. فروسيا قوة احتلال تعمل على فرض أمر واقع ديموغرافي و"قانوني" تحت تهديد السلاح. وقد كان الاستقلال الاسمي للمؤسسات السياسية في أوسيتيا الجنوبية دائما مجرد قناع رقيق يخفي ‌السيطرة الروسية. وهذا القناع آخذ في السقوط. لقد نفذت روسيا هذه الخطة من قبل. في شرق أوكرانيا، قامت روسيا بتأجيج العنف الانفصالي وتدخلت في نهاية المطاف عسكريا لإقامة "جمهوريات مستقلة" في منطقتي دونيتسك ولوهانسك. وقضت موسكو سنوات في دمج هذه الكيانات الوكيلة في الهياكل الإدارة ​والقانونية والاقتصادية الروسية من خلال توزيع جوازات السفر ومواءمة القوانين والتعامل مع وجود "مواطنين روس" كذريعة لتدخل أعمق. وفي عام 2022 قامت روسيا بضم تلك المناطق بشكل رسمي. وينفي الكرملين أن تكون خطواته الأخيرة في أوسيتا الجنوبية مؤشرا على خطة لضم رسمي، لكن هذا لا يقدم قدرا كبيرا من الطمأنينة. فقد قدمت موسكو نفيا مماثلا في عام 2021 قبل غزوها الشامل لأوكرانيا. والدرس المستفاد هو أن الضم الرسمي يكون غالبا هو الخطوة الأخيرة، وليس الخطوة الأولى. واعتبرت كوركيا أن أبخازيا، الإقليم الجورجي الثاني الذي يخضع للاحتلال الروسي، هو ​الهدف التالي الواضح. وتسيطر روسيا على الإقليم من خلال نفس المزيج وهو الوجود العسكري وتوزيع جوازات السفر الروسية وتعزيز الاعتماد الاقتصادي عليها، إلا أن العملية أقل تقدما هناك لأن الرأي العام الأبخازي أكثر مقاومة للاندماج الكامل. وقد كانت الحكومة الجورجية غير مبالية بالاستيلاء على أراضيها. وبعد أن وقع بوتين وجاجلويف المعاهدة في 9 مايو. لم تصدر تبليسي في البداية أي تعليق علني، ولكن بعد أيام قليلة، اعترفت وزيرة الخارجية ماكا بوتشوريشفيلي أن "روسيا تواصل تجاهل التزاماتها الدولية وتتخذ خطوات تستهدف ضم مناطق جورجية". وحتى ذلك الحين، اعتبر حزب الحلم الجورجي الحاكم أن المعاهدة تؤكد صحة سياسته القائمة على تخفيف التوتر مع موسكو. ولا يعد هذا الأمر مثيرا للدهشة نظرا لأن بيدزينا إيفانيشفيلي، رجال الأعمال الذي يدير حزب الحلم الجورجي الحاكم، من وراء الكواليس، حقق ملياراته في روسيا ويحتفظ بعلاقات قوية هناك، لدرجة أنه ذهب إلى حد دعوة جورجيا للاعتذار عن حرب عام 2008. وقد عززت تبليسي العلاقات الاقتصادية مع روسيا في الأعوام الماضية، وأصبحت مركزا للتهرب من العقوبات المفروضة على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا مع تعميق العلاقات مع الصين وإيران أيضا. في غضون ذلك، دمرت جورجيا شراكتها التي كانت قوية مع الغرب من خلال قمع المعارضة الداخلية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة في جورجيا. وبالنسبة لواشنطن، تتجاوز المخاطر أوسيتيا الجنوبية وحتى جورجيا . فإذا تمكنت موسكو من ضم الإقليم بهدوء بعد مرور وقت كاف وصناعة وقائع كافية على الأرض، فإنها تعزز درسا أوسع كانت روسيا تختبره في ​مختلف أنحاء الفضاء السوفيتي السابق، وهو أنه لا يزال من الممكن إعادة رسم الحدود بالقوة والاحتلال والاعتماد القسري. واختتمت كوركيا تحليلها بالقول إنه ينبغي على الولايات المتحدة إلا تنتظر مرسوم الضم الرسمي لكي ترد عليه. يجب عليها أن تدين عملية الضم الآن وتعيد تأكيد أن أوسيتيا الجنوبية هو إقليم جورجي وتقوم بالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين وتشير إلى أن المسؤولين الذين يسهلون ضم الإقليم إلى روسيا يمكن أن يواجهوا عواقب.