فوق كييف، لم يكن المطر ماء في الليلة الماضية، بل كان جحيماً مستعراً من الحديد والنار، حيث وقفت العاصمة الأوكرانية مذهولة تحت وطأة العاصفة الروسية الأعتى التي كان بطلها صاروخ «أوريشنيك» الباليستي والذي برز هذه المرة ليس كعابر سبيل في مجريات الحرب، بل كتنينٍ فولاذي فرط صوتي يطوي المسافات بسرعة تتجاوز«10 ماخ» محولاً الدفاعات الجوية الحديثة إلى مجرد شواهد صامتة على عجز التكنولوجيا أمام سطوة الاختراق.رسالة حديدةوحمل الهجوم الصاروخي الأخير الذي أمطرت به روسيا العاصمة الأوكرانية كييف ومحيطها رسالة عسكرية مشفرة تجاوزت حدود التدمير الميداني، فهذا السلاح الفرط صوتي، الذي بات يمثل الذراع الطولى لموسكو، لم يكن مجرد مقذوف عادٍ وسط مئات المسيرات، بل جاء ليستعرض قدرات تكنولوجية خارقة صُممت خصيصاً لتجاوز أعتى أنظمة الدفاع الجوي الغربية وشلها تماماً، ما جعل ليلة كييف اختباراً حياً لجيل جديد من أسلحة الردع الاندماجية الفتاكة.سرعة جنونيةوتكمن الميزة التنافسية الكبرى لصاروخ «أوريشنيك» (المعروف بـ «شجرة البندق») في سرعته الجنونية الاستثنائية التي تصل إلى نحو 13 ألف كيلومتر في الساعة، أي ما يعادل 10 أضعاف سرعة الصوت (ماخ 10). هذه السرعة الفائقة تمنح الصاروخ ميزة «عنصر المفاجأة الصاعق»، حيث تتقلص المدة الزمنية المتاحة لرادارات الدفاع الجوي للاكتشاف والتتبع والاعتراض إلى بضع دقائق معدودة، ما يجعل محاولات إسقاطه من قِبل المنظومات الحالية، مثل «باتريوت» وغيرها، أمراً شبه مستحيل تقنياً وعملياً.مدى عملياتي مرنإلى جانب السرعة، يتمتع الصاروخ بمدى عملياتي مرن يضعه في خانة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (IRBM)، إذ يمكنه ضرب أهداف بدقة على مسافات تتراوح بين 3000 و5500 كيلومتر. هذه القدرة المداوية تمنح القيادة الروسية ميزة استراتيجية لتهديد أي نقطة في عمق القارة الأوروبية انطلاقاً من الأراضي الروسية أو من بيلاروسيا التي نُشر فيها الصاروخ مؤخراً، ما يحول السلاح من أداة حرب إقليمية إلى أداة ردع عابر للقارات وقادر على ضرب التحصينات العميقة جداً تحت الأرض حتى لو استُخدم برؤوس تقليدية غير نووية.هندسة حربية مرعبة أما الهندسة الحربية الأكثر رعباً في هذا الصاروخ، فتنطوي على ميزة «الرؤوس المتعددة مستقلة التوجيه والاستهداف» (MIRV).وخلافاً للصواريخ التقليدية ذات الرأس الواحد التي يمكن للمضادات الأرضية التعامل معها كهدف وحيد، يعمل «أوريشنيك» كحافلة فضائية، بمجرد وصوله إلى الغلاف الجوي العلوي، ينفصل إلى 6 رؤوس حربية مستقلة ينطلق كل منها في مسار ومنحنى مختلف لضرب هدف منفصل، ما يجبر الدفاعات الجوية على التشتت والتعامل مع عدة أهداف متزامنة في وقت واحد.عبقرية تدميريةولم تقف العبقرية التدميرية للصاروخ عند هذا الحد، بل تم تزويد كل رأس حركي من الرؤوس الستة بميزة «الذخائر الفرعية»، حيث ينقسم الرأس الواحد في مرحلته النهائية إلى 6 قنابل أو شحنات صغيرة تتوزع في السماء كالمطر الصاعق وخادع الرادارات. هذه الميزة التشظية أثبتتها تسجيلات وثقتها وسائل الإعلام الغربية، وتحديداً «بي بي سي» البريطانية التي ظهر في إحدى تسجيلاتها 36 انفجاراً متتالياً أنار ليل مدينة دنيبرو في ضربة سابقة، ما يعكس كفاءة السلاح في إحداث مسح تدميري واسع وشل شبكات الإمداد والمرافق الحيوية مثلما حدث في استهداف محيط كييف ومدينة بيلا تسيركفا مؤخراً.«سياسة حافة الهاوية» وتكتمل المزايا الاستراتيجية لـ «أوريشنيك» بقدرته على «التحميل المزدوج»، حيث صُمم ليكون قادراً على حمل رؤوس حربية تقليدية شديدة الانفجار أو رؤوس نووية تكتيكية واستراتيجية. ورغم أن روسيا استخدمته حتى الآن بحمولات غير نووية، إلا أن مجرد امتلاكه لهذه القدرة التدميرية الكامنة يمنح موسكو تفوقاً في فرض «سياسة حافة الهاوية» والردع النفسي ضد حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومن يسميهم الكرملين «إعداء روسيا».