من مدرسة ثانوية في ضواحي باريس خرجت شرارة احتجاجات بدأت بمطالب تعليمية، ثم وجدت طريقها إلى الجامعات والشوارع، واستقطبت نقابات وشرائح اجتماعية أخرى، في ظل ضغوط معيشية متزايدة. ومع انتقال الغضب إلى عواصم أوروبية، يعود سؤال قديم إلى الواجهة. هل تواجه القارة العجوز جيلاً شاباً يطالب بتغيير قواعد العلاقة داخل المجتمع، على نحو يعيد إلى الأذهان انتفاضة مايو 1968؟
بدأت الاحتجاجات الفرنسية في سبتمبر بسبب نقص المعلمين واكتظاظ الفصول وتردي المرافق التعليمية، قبل أن تتداخل معها شكاوى الغلاء وتراجع الخدمات العامة. وفي مطلع أكتوبر طالت التحركات أكثر من 1000 مدرسة ثانوية، ثم أثارت المواجهات مع الشرطة وإصابات بعض الطلاب غضباً إضافياً. ومع مشاركة نقابيين وظهور أنصار «السترات الصفراء» في مظاهرات 17 أكتوبر، اكتسب الاحتجاج بعداً اجتماعياً تجاوز أسوار المدارس.
وترددت أصداء هذا المشهد في بلجيكا، حيث احتج طلاب وعاملون على تكاليف التعليم وسياسات التقشف، وفي إيطاليا التي شهدت مظاهرات طلابية تحت شعار «لا لميلوني»، رافعة مطلب تمويل المدارس بدلاً من التوسع في الإنفاق العسكري. وفي ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا احتجاجات طلابية على أوضاع التعليم والبطالة والفساد، تطورت إلى مواجهات واسعة مع الشرطة، بينما دفعت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات أعداداً كبيرة إلى الشوارع الإسبانية. تختلف المطالب، لكن القلق من المستقبل يتكرر، لا سيما لدى شباب يجدون أن الشهادة والعمل لم يعودا ضمانة لحياة مستقرة.
وتقف وراء هذا الغضب أزمات اقتصادية ضاعفت حربان أعباءها على أوروبا. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، واجهت القارة ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة والغذاء، واضطرت إلى إعادة ترتيب مصادر إمداداتها، بالتزامن مع تصاعد الإنفاق الدفاعي والأعباء المالية. ثم جاءت حرب الشرق الأوسط لتضيف ضغوطاً جديدة على أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد، وتضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين متطلبات الأمن والدفاع وحماية الخدمات الاجتماعية. ووفق توقعات الربيع الصادرة عن المفوضية الأوروبية، يُنتظر تباطؤ نمو الاتحاد الأوروبي إلى 1.1 % خلال 2026، وارتفاع التضخم إلى 3.1 %. وفي ظل هذه الضغوط، يكتسب شعار الطلاب الإيطاليين «أموال للمدارس لا للحرب» دلالة تتجاوز حدود بلادهم، ويعكس قلق جيل يرى مستقبله المعيشي والتعليمي محاصراً بأزمات لم يصنعها.
وتبدو المقارنة مع مايو 1968 مغرية. آنذاك انتقل تمرد طلاب نانتير والسوربون إلى إضراب شارك فيه نحو 10 ملايين عامل، وهز الحياة السياسية الفرنسية. واليوم تتكرر البداية الشبابية، ويتسع نطاق المشاركة مع تصاعد الاحتكاكات الأمنية. لكن الفارق جوهري أيضاً، فقد حملت احتجاجات 1968 مشروعاً لتغيير الثقافة والسلطة والعلاقات الاجتماعية، بينما تتصدر المشهد الراهن مطالب التعليم والسكن والقدرة على العيش، دون أن تصل التعبئة إلى مستوى الإضراب الوطني الشامل.
أما أفق هذه الموجة، فيتوقف على استمرار مشاركة النقابات، وقدرة المحتجين على بلورة مطالب مشتركة، وطبيعة استجابة الحكومات. وقد تهدئ الإجراءات الاقتصادية والتعليمية الشارع مؤقتاً، لكن اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027 يمنح المطالب الاجتماعية مجالاً أوسع للتداخل مع الصراع السياسي. وفي المقابل، قد تتحول الضغوط المالية الحكومية إلى عائق أمام تقديم تنازلات واسعة، فتطول المواجهة بين الشارع والسلطة وتتجاوز المطالب التي بدأت منها.
واللافت أن هذا الغضب الشبابي يتزامن مع حركة «الصراصير» في الهند، التي اتخذت اسمها إثر تصريحات لرئيس المحكمة العليا شبّه فيها بعض الشباب العاطلين عن العمل بالصراصير، فتبنّى ناشطون التسمية وحوّلوها إلى رمز لمطالبهم بالتعليم والعمل والمساءلة. بدأت الحركة قبل الاحتجاجات الفرنسية بأشهر، لكن تزامن حضورها المتجدد في الشارع مع الموجة الأوروبية يطرح سؤالاً يتجاوز الحدود. هل تتشابه أزمات الجيل الجديد في دول متباعدة أكثر مما تتشابه أنظمتها السياسية؟
من مدرسة ثانوية في ضواحي باريس خرجت شرارة احتجاجات بدأت بمطالب تعليمية، ثم وجدت طريقها إلى الجامعات والشوارع، واستقطبت نقابات وشرائح اجتماعية أخرى، في ظل ضغوط معيشية متزايدة. ومع انتقال الغضب إلى عواصم أوروبية، يعود سؤال قديم إلى الواجهة. هل تواجه القارة العجوز جيلاً شاباً يطالب بتغيير قواعد العلاقة داخل المجتمع، على نحو يعيد إلى الأذهان انتفاضة مايو 1968؟
بدأت الاحتجاجات الفرنسية في سبتمبر بسبب نقص المعلمين واكتظاظ الفصول وتردي المرافق التعليمية، قبل أن تتداخل معها شكاوى الغلاء وتراجع الخدمات العامة. وفي مطلع أكتوبر طالت التحركات أكثر من 1000 مدرسة ثانوية، ثم أثارت المواجهات مع الشرطة وإصابات بعض الطلاب غضباً إضافياً. ومع مشاركة نقابيين وظهور أنصار «السترات الصفراء» في مظاهرات 17 أكتوبر، اكتسب الاحتجاج بعداً اجتماعياً تجاوز أسوار المدارس.
وترددت أصداء هذا المشهد في بلجيكا، حيث احتج طلاب وعاملون على تكاليف التعليم وسياسات التقشف، وفي إيطاليا التي شهدت مظاهرات طلابية تحت شعار «لا لميلوني»، رافعة مطلب تمويل المدارس بدلاً من التوسع في الإنفاق العسكري. وفي ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا احتجاجات طلابية على أوضاع التعليم والبطالة والفساد، تطورت إلى مواجهات واسعة مع الشرطة، بينما دفعت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات أعداداً كبيرة إلى الشوارع الإسبانية. تختلف المطالب، لكن القلق من المستقبل يتكرر، لا سيما لدى شباب يجدون أن الشهادة والعمل لم يعودا ضمانة لحياة مستقرة.
وتقف وراء هذا الغضب أزمات اقتصادية ضاعفت حربان أعباءها على أوروبا. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، واجهت القارة ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة والغذاء، واضطرت إلى إعادة ترتيب مصادر إمداداتها، بالتزامن مع تصاعد الإنفاق الدفاعي والأعباء المالية. ثم جاءت حرب الشرق الأوسط لتضيف ضغوطاً جديدة على أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد، وتضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين متطلبات الأمن والدفاع وحماية الخدمات الاجتماعية. ووفق توقعات الربيع الصادرة عن المفوضية الأوروبية، يُنتظر تباطؤ نمو الاتحاد الأوروبي إلى 1.1 % خلال 2026، وارتفاع التضخم إلى 3.1 %. وفي ظل هذه الضغوط، يكتسب شعار الطلاب الإيطاليين «أموال للمدارس لا للحرب» دلالة تتجاوز حدود بلادهم، ويعكس قلق جيل يرى مستقبله المعيشي والتعليمي محاصراً بأزمات لم يصنعها.
وتبدو المقارنة مع مايو 1968 مغرية. آنذاك انتقل تمرد طلاب نانتير والسوربون إلى إضراب شارك فيه نحو 10 ملايين عامل، وهز الحياة السياسية الفرنسية. واليوم تتكرر البداية الشبابية، ويتسع نطاق المشاركة مع تصاعد الاحتكاكات الأمنية. لكن الفارق جوهري أيضاً، فقد حملت احتجاجات 1968 مشروعاً لتغيير الثقافة والسلطة والعلاقات الاجتماعية، بينما تتصدر المشهد الراهن مطالب التعليم والسكن والقدرة على العيش، دون أن تصل التعبئة إلى مستوى الإضراب الوطني الشامل.