أوروبا بين تحصين الحدود وتصدع القيم – د. عبدالحق عزوزي

دخلت أوروبا، في الثاني عشر من يونيو 2026، مرحلة جديدة من تدبير الهجرة واللجوء، مع بدء تطبيق الميثاق الذي أُقر سنة 2024. ولم تكد تمر أربعة أشهر حتى اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي، في فاتح أكتوبر، قواعد جديدة لترحيل الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة، تفتح الباب أمام إنشاء «مراكز للعودة» خارج أراضي الاتحاد. ثم جاءت قمة بروكسيل يومي 15 و16 أكتوبر لتؤكد أن الهجرة ما زالت في صدارة الهواجس السياسية الأوروبية. وهكذا تبدو «قلعة أوروبا» وكأنها تضيف إلى أسوارها الحجرية أسواراً قانونية ورقمية أكثر ارتفاعاً. ومع أن المؤسسات الأوروبية تقدم هذه التحولات بوصفها سعياً إلى التوازن بين الحماية والسيادة والتضامن، فإن المفردات الأكثر حضوراً في النقاش العام باتت الفرز والمراقبة والإبعاد، لا الاستقبال والإدماج.

أول ما يستوقفنا هو التحول العميق في اللغة السياسية. فما كان قبل سنوات شعاراً ترفعه تيارات اليمين المتطرف أصبح يجد صداه، بدرجات متفاوتة، في خطابات قوى تنتمي إلى الوسط واليمين التقليدي، بل وحتى إلى بعض أطياف اليسار.

لقد نجحت الأحزاب الشعبوية في جعل المهاجر مرآةً تُعلَّق عليها مخاوف الهوية والبطالة والأمن وتراجع الخدمات. والخطورة هنا ليست في مناقشة الهجرة، وهو حق مشروع لكل مجتمع، بل في اختزال أزمات اقتصادية واجتماعية معقدة في إنسان أعزل يبحث عن ملاذ أو عن فرصة للحياة.

ولعل ما يضاعف القلق أن ملايين المهاجرين، وبينهم أجيال وُلدت في أوروبا وأسهمت في بنائها، يجدون أنفسهم معنيين بخطاب لا يميز دائماً بين مواطن مقيم ووافد جديد.

أما الاستنتاج الثاني فيتعلق بتصدير الحدود إلى ما وراء الحدود. فبعد التجربة الإيطالية المثيرة للجدل في ألبانيا، أصبح الحديث عن مراكز الإعادة في بلدان ثالثة جزءاً من التشريع الأوروبي الجديد. أنصار هذا التوجه يرونه وسيلة لتسريع تنفيذ قرارات الترحيل وردع شبكات الاتجار بالبشر، بينما يحذر منتقدوه من غموض المسؤوليات القانونية وصعوبة ضمان الرقابة القضائية وصيانة الكرامة الإنسانية. وقد أقر الاتحاد نفسه ضرورة احترام القانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية. وهنا يبدأ الامتحان الأخلاقي الحقيقي.

لكن السؤال يبقى: هل يستطيع المرء أن يضمن العدالة بمجرد نقل مكان احتجازه إلى الضفة الأخرى؟

الاستنتاج الثالث أن الحدود الأوروبية لم تعد خطوطاً على الخرائط، بل تحولت إلى منظومات للمراقبة وجمع البيانات. فمنذ العاشر من أبريل 2026 بات نظام الدخول والخروج الأوروبي يعمل بصورة كاملة، مسجلاً بصمات الأصابع وصور الوجوه وتحركات كثير من المسافرين القادمين من خارج منطقة شنغن للإقامات القصيرة. وتتزايد، بالتوازي، أهمية الخوارزميات وتقنيات التعرف والرصد في إدارة الحدود. للتكنولوجيا منافع أمنية وتنظيمية لا يمكن إنكارها؛ لكنها تفقد براءتها عندما يغدو الإنسان ملفاً بيومترياً، وتصبح احتمالات الخطأ والتمييز والرقابة المفرطة ثمناً عادياً باسم الفعالية.

والأغرب أن التشدد يتصاعد بينما الأرقام تتراجع. فقد سجلت وكالة فرونتكس ما يزيد قليلاً على 91 ألف عبور غير نظامي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بانخفاض يقارب الثلث مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وأحصت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء نحو 332 ألف طلب حماية خلال النصف الأول من السنة، بتراجع نسبته 17 في المائة. ومع ذلك، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة وفاة أو فقدان 2292 شخصاً على طرق المتوسط والأطلسي حتى منتصف سبتمبر. إنها مفارقة مأساوية: يصل عدد أقل من البشر، ولكن البحر لا يكف عن ابتلاع المزيد منهم.

لا ندعو إلى إلغاء الحدود، ولا إلى تجاهل سيادة الدول أو تحديات الأمن، وإنما إلى التمييز بين التنظيم المشروع وتجريم الهشاشة الإنسانية. فأوروبا التي شيّدت مكانتها على حقوق الإنسان، واستفادت حضارتها واقتصاداتها من تفاعل الشعوب، لا يليق بها أن تجعل الخوف بديلاً عن الحكمة. ومثلما نحتاج إلى محاربة المهربين، نحتاج أيضاً إلى مسالك قانونية للهجرة، وشراكات تنموية عادلة مع إفريقيا وجوار المتوسط، وسياسات اندماج تحمي الحقوق وتؤكد الواجبات.

أستحضر هنا صرخة الأديب الحائز نوبل جان ماري غوستاف لو كليزيو حين وصف التمييز بين الفارين من الاضطهاد والفارين من البؤس بأنه «إنكار للإنسانية لا يُطاق». فالإنسان لا يفقد إنسانيته عندما يعبر البحر، ولا تكتسب القلعة عظمتها بعدد كاميراتها وأسلاكها الشائكة.

إن عظمة أوروبا الحقيقية لن تُقاس بما تمنعه من أقدام، بل بما تحفظه من كرامة؛ فالحضارات لا تُصان بإغلاق الأبواب وحده، وإنما بإبقاء نافذة للعدل، وممر للأمل، ومكان للإنسان.

دخلت أوروبا، في الثاني عشر من يونيو 2026، مرحلة جديدة من تدبير الهجرة واللجوء، مع بدء تطبيق الميثاق الذي أُقر سنة 2024. ولم تكد تمر أربعة أشهر حتى اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي، في فاتح أكتوبر، قواعد جديدة لترحيل الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة، تفتح الباب أمام إنشاء «مراكز للعودة» خارج أراضي الاتحاد. ثم جاءت قمة بروكسيل يومي 15 و16 أكتوبر لتؤكد أن الهجرة ما زالت في صدارة الهواجس السياسية الأوروبية. وهكذا تبدو «قلعة أوروبا» وكأنها تضيف إلى أسوارها الحجرية أسواراً قانونية ورقمية أكثر ارتفاعاً. ومع أن المؤسسات الأوروبية تقدم هذه التحولات بوصفها سعياً إلى التوازن بين الحماية والسيادة والتضامن، فإن المفردات الأكثر حضوراً في النقاش العام باتت الفرز والمراقبة والإبعاد، لا الاستقبال والإدماج.

أول ما يستوقفنا هو التحول العميق في اللغة السياسية. فما كان قبل سنوات شعاراً ترفعه تيارات اليمين المتطرف أصبح يجد صداه، بدرجات متفاوتة، في خطابات قوى تنتمي إلى الوسط واليمين التقليدي، بل وحتى إلى بعض أطياف اليسار.

لقد نجحت الأحزاب الشعبوية في جعل المهاجر مرآةً تُعلَّق عليها مخاوف الهوية والبطالة والأمن وتراجع الخدمات. والخطورة هنا ليست في مناقشة الهجرة، وهو حق مشروع لكل مجتمع، بل في اختزال أزمات اقتصادية واجتماعية معقدة في إنسان أعزل يبحث عن ملاذ أو عن فرصة للحياة.

ولعل ما يضاعف القلق أن ملايين المهاجرين، وبينهم أجيال وُلدت في أوروبا وأسهمت في بنائها، يجدون أنفسهم معنيين بخطاب لا يميز دائماً بين مواطن مقيم ووافد جديد.

أما الاستنتاج الثاني فيتعلق بتصدير الحدود إلى ما وراء الحدود. فبعد التجربة الإيطالية المثيرة للجدل في ألبانيا، أصبح الحديث عن مراكز الإعادة في بلدان ثالثة جزءاً من التشريع الأوروبي الجديد. أنصار هذا التوجه يرونه وسيلة لتسريع تنفيذ قرارات الترحيل وردع شبكات الاتجار بالبشر، بينما يحذر منتقدوه من غموض المسؤوليات القانونية وصعوبة ضمان الرقابة القضائية وصيانة الكرامة الإنسانية. وقد أقر الاتحاد نفسه ضرورة احترام القانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية. وهنا يبدأ الامتحان الأخلاقي الحقيقي.

لكن السؤال يبقى: هل يستطيع المرء أن يضمن العدالة بمجرد نقل مكان احتجازه إلى الضفة الأخرى؟