«أهرامات النيل».. صندوق «مستقبل مصر» السيادي

أقرّ قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة الذي مرره مجلس النواب الثلاثاء الماضي، إنشاء صندوق سيادي ذي طبيعة خاصة باسم «أهرامات النيل»، يتبع الجهاز مباشرة، ومن ثمّ رئاسة الجمهورية. بخلاف مناطق التنمية المستدامة التي سيحددها الجهاز ويطور خطط تنميتها وينفذها ويديرها بعدما تؤول ملكية أراضيها له، يعد الصندوقان السيادي والخدمي «داعم»، التابعان للجهاز، الآليتين الأخريين من الآليات الثلاث المباشرة التي يمارس الجهاز من خلالها اختصاصاته. وينص الفصل الثاني من مشروع القانون على الأحكام المُنظمة للصندوق، موضحًا أن صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية «أهرامات النيل» هو الذراع الاستثمارية لجهاز مستقبل مصر، وأن الهدف من تدشينه هو «تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وتعظيم قيمة الأموال المخصصة للاستثمار لصالح الأجيال القادمة، وتعزيز الاقتصاد في مواجهة الأزمات». ويعد الصندوق الجديد امتدادًا لمحاولات الاستثمار في أصول وثروات الدولة، في قطاعات مختلفة (الطاقة، البنية التحتية، السياحة، التعليم، الصحة،.. إلخ) من خلال كيان سيادي يستثمر مباشرة وعبر شراكات في القطاع الخاص. إلا أن هذا الصندوق يمثل كذلك امتدادًا للامتيازات التي حصل عليها «مستقبل مصر» بموجب القانون الحالي والممارسات السابقة له منذ بدء أنشطته، إذ يتمتع بتحرر أكثر من أجهزة الدولة القائمة، وتخصصاتها المتقاطعة، مما قد يمنحه مجالًا أوسع للتحرك في عملياته الاستثمارية. ولكن، مع هذا التحرر، يبرز التعقيد الخاص بالحد الفاصل بين المالين العام والخاص. تنشأ أصول الصندوق السيادي التابع للجهاز بشكل أساسي، من خلال نقل رئيس الجمهورية لملكية أي أموال أو أصول مملوكة للدولة، أو لأي من الجهات التابعة لها، سواء كانت مُستغلة أم غير مُستغلة، وأيضًا عبر نقل أسهم أو حصص في شركات تؤول ملكيتها للدولة. ويتكون رأس مال الصندوق من صافي قيمة «الأموال المُخصصة لاستثمار رؤوس أموال الشركات والصناديق التابعة المملوكة له كليًا أو جزئيًا». أما موارد الصندوق، فتأتي من عوائد الاستثمارات التابعة له، وحصته من صافي أرباح الشركات التابعة له أو التي يساهم فيها، بجانب حصته مقابل الإشراف والإدارة في الشركات، وكذلك القروض والمنح والتبرعات وأي موارد أخرى يوافق عليها مجلس إدارة الجهاز. وكانت موارد الصندوق تتضمن حصيلة إصدار السندات والصكوك وغيرها من الأوراق المالية، قبل أن تُلغي هذا البند اللجنة البرلمانية المشتركة التي ناقشت القانون قبل عرضه على الجلسة العامة بمجلس النواب، حفاظًا على اختصاصات وزارة المالية، بوصفها الجهة المنوط بها إصدار مثل تلك الأوراق، بحسب تقرير اللجنة، الذي اطلع عليه «مدى مصر». وهيكليًا، لا ينص القانون على تشكيل مجلس إدارة منفصل للصندوق، وإنما يخضع لسلطة مجلس إدارة الجهاز الذي يحدد هيكله التنظيمي، وخطط عمله وأهدافه، وشؤونه كافة، وذلك «دون التقيد بالقوانين والقواعد والنظم الحكومية المعمول بها في الجهاز الإداري للدولة أو أي جهة أخرى». ويرى المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، أن الصندوق السيادي التابع للجهاز يمثل محاولة لتجاوز المعوقات التي واجهت تجربة صندوق مصر السيادي، الذي أُسندت تبعيته عند تأسيسه إلى وزارة التخطيط، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى وزارة الاستثمار. وكان صندوق مصر السيادي أُنشئ بموجب القانون رقم 177 لسنة 2018، برأسمال مرخص به قدره 200 مليار جنيه، باعتباره صندوقًا استثماريًا مملوكًا للدولة، تُنقل إليه الأصول بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على اقتراح وزير التخطيط وموافقة رئيس مجلس الوزراء، بهدف إقامة شراكات مع المستثمرين المحليين والأجانب من القطاع الخاص، من خلال تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة. يسمح القانون كذلك للصندوق بالاستحواذ على «أي من الصناديق الوطنية النظيرة ذات الطابع السيادي»، أو الاندماج فيها أو نقل تبعتيها، وهو ما يفتح الباب على استحواذ صندوق «أهرامات النيل» على صندوق مصر السيادي أو الاندماج بينهما، كما يُشير مصدر من البنك الدولي لـ«مدى مصر»، بالإضافة إلى مصدرين برلمانيين وآخر مُطلع. ويقول النحاس إنه خلال السنوات الثماني الماضية نُقلت مجموعة من الأصول إلى صندوق مصر السيادي، إلا أن تضارب الاختصاصات والنزاعات بين الوزارات والهيئات المختلفة حدّ من قدرته على أداء الدور الذي أُنشئ من أجله. ويضيف أن مشروع القانون الجديد يمنح جهاز مستقبل مصر مساحة أوسع للتحرك، مستفيدًا من تبعيته المباشرة لرئيس الجمهورية وطبيعته الخاصة، بما قد يقلل من العقبات البيروقراطية التي واجهت الصندوق السيادي. تعد أموال الصندوق السيادي «أموالًا خاصة»، لكنها تعامل معاملة الأموال العامة في تطبيق بعض أحكام قانون العقوبات. ويعلق الخبير الدستوري، عصام الإسلامبولي، لـ«مدى مصر» قائلا إن ذلك يؤكد على اعتبار أموال الصندوق والجهاز أموالًا خاصة، لكنها تُعتبر أموالًا عامة فقط فيما يتعلق بحمايتها وخضوعها لقانون العقوبات، أي عند ممارسة استيلاء عليها أو اختلاسها أو غيرها من الجرائم المرتبطة بالأموال العامة. يحصن القانون عقود الجهاز وتصرفاته من الطعن، ولا يترك بابًا لذلك إلا بشرط شبه مستحيل عمليًا وهو صدور حكم جنائي بات بإدانة أحد أطراف التصرف (الجهاز أو المستثمر) في جريمة من جرائم المال العام، ثم الطعن على العقد بناءً عليه. وبذلك، يحدّ القانون من إمكانية الطعن قضائيًا على أي من التصرفات التي يقوم بها الصندوق مثل البيع أو التأجير أو منح حق انتفاع أو غيره من التصرفات القانونية في الأصول، قاصرًا الطعن ببطلان هذه التصرفات على «أصحاب الحقوق الشخصية أو العينية على الأموال والأصول محل التصرف». وفيما يخص تحول المال العام إلى خاص بموجب القانون المنظم لجهاز مستقبل مصر، تناولت ورقة موقف أصدرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مسألة توسيع قاعدة الأصول والأموال المخصصة للجهاز والصندوق، من خلال نقل أموال وأصول مملوكة للدولة وأسهم وحصص في شركات مملوكة للدولة أو تساهم فيها، مع نص القانون على تقييمها بالقيمة السوقية. وبالمقابل، لن تؤول عوائد استثمارات هذه الأصول والأموال إلى خزينة الدولة، إذ ينص القانون على استثناء الجهاز والصندوق من أحكام القانون المنظم لأيلولة نسب محددة من أرصدة بعض الجهات أو فوائضها إلى الخزانة العامة للدولة. ويشدد النحاس من جانبه، على أن نجاح الصندوق الجديد لن يتوقف على اتساع صلاحياته، ولكن على توافر كفاءات إدارية قادرة على إدارة هذه المحفظة الضخمة من الأصول المتوقع نقلها إليهما (الجهاز والصندوق). ويتوقع النحاس أن تُضاف إلى الجهاز، بقرارات مباشرة، ملايين الأفدنة، وهيئات كاملة مثل هيئة الإصلاح الزراعي وهيئة الأوقاف، وربما أصول تابعة لمحافظات كاملة، فضلًا عن عدد من شركات القوات المسلحة بعد إعادة هيكلتها، في إطار توجه يستهدف تنمية ما يقدره بنسبة تتراوح بين 70% و80% من الأصول غير المستغلة. ويؤكد المصدر من البنك الدولي أن أخطر ما في القانون ونموذج جهاز مستقبل مصر وهياكله، هو التبعات على المالية العامة، إذ أنه يخلق مالية عامة موازية تتضمن أصولًا وأموالًا بعيدًا عن أطر الموازنة والحكومة والرقابة البرلمانية.The post «أهرامات النيل».. صندوق «مستقبل مصر» السيادي first appeared on Mada Masr.