أن تعـرف ما ينقصـك

«من الكمال أن تدرك نقصك، ومن النقص أن تظن بأنك كامل» ويليس كارير.. إن من أصعب ما يتعلمه الإنسان ويكتسبه من أتون التجارب أن يتصالح مع حدود معرفته وقدراته؛ إذ يتجلى ازدياد الوعي بالذات في إدراك أن المهارات والخبرات والقدرات، مهما تنوعت وتميزت لدى إنسان ما، فإنها لا تسد كل فجوة، ولا تسبر أغوار كل مجال، وأن في الآخرين من يملك ما ينقصه من خبرة أو معرفة أو مهارة. لذا، فإن لحظة الإدراك لحظة مفصلية تفسح المجال للاكتساب والتعلّم، حين يتوقف المرء عن اعتبار الاعتراف بالنقص انتقاصًا من قدره، والاعتراف بفضائل الآخرين ومزاياهم تقليلًا من شأنه. ويرى الفيلسوف سقراط أن الحكمة تبدأ من إدراك حدود المعرفة، وهي الفكرة التي اشتهرت في العبارة المنسوبة إليه: «كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا». وبصرف النظر عن الصياغة المتداولة، وعن المبالغة في طرح الفكرة، فإن جوهرها يضعنا أمام حقيقة مفادها أن الشخص الذي يدرك حدود معرفته يفتح نافذة على التعلّم أوسع من تلك التي يطل منها من يتوهّم اكتمال المعرفة. ومن أشكال هذا التواضع المعرفي قدرة الإنسان على الاعتراف بفضل غيره؛ كأن تقرّ بأن زميلك أكثر خبرة منك في مجال معين، أو أن صديقك أحسن منك تقديرًا لموقف ما. وهذا السلوك يتطلب ثقة بالنفس، وسعة في الصدر، وأصالة في الإدراك. وقد يرى البعض فيه خُلُقًا نبويًا جليلًا، نستدل عليه من قصة النبي موسى عليه السلام، حين أقرّ بأفضلية أخيه هارون في الفصاحة، فقال: «وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا». أما من يرى كل تفوق حوله تهديدًا، فسيظل مشغولًا بالدفاع عن صورته، حتى لو فوّت على نفسه فرصًا كثيرة للنمو، والاكتساب من مزايا الآخرين، وينأى بنفسه عن الاستبصار والبصيرة وسبيلهما. وتمتد قيمة هذه الفضيلة لتشمل تفاصيل الحياة اليومية ومواقفها؛ فعندما يدخل أحدنا نقاشًا، مثلًا، دون أن يبحث عن انتصار شخصي، وإنما رغبةً في الوصول إلى فهم أدق، فإنه يكون مستعدًا لتعديل رأيه متى ظهرت حجة أقوى، لأن غايته أن يصيب الحقيقة، لا أن يثبت أنه كان مصيبًا منذ البداية. ولعل المشكلة تكمن في أن الاعتراف بالنقص يجرح أحيانًا الصورة التي صنعناها عن أنفسنا، وكأنه انهزام للذات، في حين أنه صورة من صور الشجاعة في التغلب على الذات. وهو يأتي بطعم انتصارين: انتصار على الذات، وانتصار في المكتسبات؛ فقد تخرج من مراجعة رأيك بوجهة نظر أفضل، أو أسلوب أنجع، أو فكرة أكثر إبداعًا، أو درب أقل وعورة وأكثر تمهيدًا، والنقطة الأهم: الحفاظ على ديمومة التعلّم واستمراريته. وامتثال هذه الفضيلة لا يعني جلد الذات، أو الارتكان إلى استنقاصها، أو تبديد الثقة بها؛ فالاعتراف بالنقص هو سعي إلى بلوغ ما يمكن بلوغه من الكمال. ولعل هذا ما يلتقي مع قول المتنبي: ولم أرَ في عيوب الناس شيئًا كنقص القادرين على التمام.. فالمتنبي يلفت النظر إلى عيب من نوع خاص؛ وهو أن يمتلك الإنسان القدرة على التحسين والتطوير، ثم يرضى بالتقصير مع قدرته على تجاوزه. وفي سياق حديثنا، فإن إدراك النقص لا تكتمل قيمته بمجرد الاعتراف به، وإنما بما يتبعه من سعي إلى إصلاحه، وتعلّم ما ينقصنا، والاستفادة من خبرات الآخرين لحظة ختام: يُنسب إلى الإمام الشافعي قوله: كلما أدّبني الدهرُ رأيتُ نقصَ عقلي وإذا ما ازددتُ علمًا زادني علمًا بجهلي.