أن تحزن وحدك.. العقوبة الموازية لأسر المعتقلين السياسيين

تبدأ الزيارة قبل موعدها بأيام. تجهّز الطلبات وتراجعها قطعة قطعة، لا معادن ولا زجاج ولا أي شيء حاد، تتأكد من خلوّها من كل ما هو ممنوع. تعرف مع ذلك أنهم قد يمنعون حتى ما هو مطابق للمواصفات، لا لسبب سوى التكدير. يوم الزيارة، تخرج من بيتها في السادسة صباحًا، فهي تعيش في محافظة بعيدة عن تلك التي يقع فيها السجن. الرحلة ساعتان ونصف، تصل في التاسعة تقريبًا، ثم يبدأ الانتظار. قد تدخل في الرابعة عصرًا وقد لا تدخل، فالقرار بيد الضابط وحده. تقف في الطابور ساعات، ثم يأتي التفتيش الذاتي، وهو ما تصفه بأنه أسوأ لحظات حياتها، أيادٍ تمتد إلى جسدها وممنوع عليها الاعتراض، لأن الاعتراض قد يعني منعها من الزيارة أصلًا. في النهاية تجلس دقائق معدودة أمام زوجها، وتحاول أن تبدو بخير. تقول إن كل شيء في حياتهما متوقف إلى حين خروجه، البيت والحياة كلها. لها وصف واحد لهذا كله، تقول إنه عقاب لا تتمناه لأعدائها. حكايتها واحدة من عشرات الشهادات التي جمعتها المفوضية المصرية للحقوق والحريات في حملة «هن في السجون» عام 2020، عن معاناة أهالي المعتقلين السياسيين في مصر بمختلف وجوهها. لكن الأصعب في هذه المعاناة هو أقلها ظهورًا، وهو ما يحدث داخل الأهالي أنفسهم، فالحديث عن ملف الاعتقال ينصرف عادة إلى المحتجزين وظروفهم وأوضاعهم القانونية، ونادرًا ما يتوقف عند الأثر النفسي لهذا الغياب على من ينتظرون في الخارج. وهذا ما يحاول هذا المقال أن يعرضه. تصف جهاد خالد، ابنة المحامية والحقوقية المعتقلة هدى عبد المنعم، اللحظة التي بدأ منها كل شيء، حين أيقظتها مكالمة من أختها فدوى لتخبرها أن «الأمن الوطني» جاء وأخذ أمهما. تقول في شهادة نشرتها منظمة «هيومن رايتس ووتش» عام 2026: «أشعر أنني لم أتجاوز تلك اللحظة قط»، وتضيف أن الكثير حدث منذ ذلك الحين وهي ما زالت واقفة عندها. في مدن أخرى، وعقود سابقة، وقفت نساء في الموضع نفسه من الحكاية. أمهات في بوينس آيرس اجتمعن كل خميس في الساحة الكبرى أمام مقر الرئاسة، وأمهات في إسطنبول جلسن كل سبت في ساحة صغيرة، لا يحملن سوى صور أبنائهن الغائبين. بدأ الأمر من العزلة نفسها التي تعيشها أسر المعتقلين في مصر اليوم، وانتهى إلى ما لم يكن أحد يتوقعه. فهم هاتين التجربتين يمر أولًا بفهم ما يحدث لهذه الأسر، ولماذا يُترك حزنهم بلا اعتراف. حزن لا يُعترف به تشير تقديرات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية إلى وجود عشرات الآلاف من المعتقلين في السجون المصرية على خلفية آرائهم أو انتماءاتهم السياسية، وتتردد أرقام تصل إلى نحو ستين ألف معتقل، بينما تنفي السلطات وجود معتقلين سياسيين من الأساس. وأيًا كان الرقم الدقيق الذي يصعب التثبت منه في ظل غياب الشفافية والإحصاءات الرسمية فإن ما يصعب إخفاؤه هو أن وراء كل معتقل أسرة كاملة تعيش الأثر المباشر لغيابه. وإذا أخذنا في الاعتبار أن كل محتجز له أب وأم، وكثير منهم له زوجات أو أزواج، وأبناء وإخوة، فإننا نتحدث عن مئات الآلاف من المصريين الذين يعيشون اليوم في الظل الطويل بسبب اعتقال قريب لهم. هؤلاء هم الوجه الصامت والمنسي لهذه الأزمة. الأهالي هنا طيف واسع، لكن العبء اليومي يقع في معظمه على النساء. زوجات صرن يعُلن البيت ويربين الأطفال وحدهن، وأمهات يقطعن مئات الكيلومترات شهريًا لزيارة لا تتجاوز مدتها دقائق، ومسنّات ينتظرن عودة أبنائهن قبل أن يفنى العمر. والمسافة نفسها صارت جزءًا من العقوبة، فترحيل المعتقلين إلى سجون بعيدة عن مدنهم يضاعف كلفة الزيارة ووقتها، ويضع الأسرة أمام اختيار قاسٍ بين رحلة شاقة مكلفة وبين التخلي عن الزيارة كلها. ثم تأتي الكلفة المالية، وهي أثقل ما يُترك للنساء. البيت الذي كان يقوم على دخلين صار يقوم على واحد أو على لا شيء، والزيارة نفسها بندٌ في ميزانية لم تعد موجودة. تقول إحدى الزوجات في الحملة إنها باعت أثاث بيتها لتنفق على أطفالها، وإنها لا تجرؤ على أن تقول لزوجها في الزيارة إن الديون كسرت ظهرها. إذا نظرنا إلى الجانب النفسي من تلك المحنة، سنجد أن الأسرة التي يُعتقل أحد أبنائها تعيش نوعًا صعبًا من الفقد. فقريبها غائب عن البيت وعن التفاصيل اليومية، حاضر في القلب والذاكرة في كل لحظة. هو على قيد الحياة، لكنهم لا يرونه إلا دقائق كل بضعة أسابيع، وربما تمر شهور أو سنوات دون لقاء أو خبر. هذا الوضع المعلق يجعل مشاعرهم في حالة تأرجح دائم بين الأمل والقلق، فلا هم قادرون على الاطمئنان، ولا على التوقف عن الانتظار. تكشف شهادة جهاد كيف يتسرب هذا الغياب إلى أصغر تفاصيل الحياة. فبعد اعتقال والدتها، صارت تنام على أرض شقتها، وهي تفكر أن أمها ربما تنام على أرض خرسانية في زنزانة. ولأربع سنوات، توقفت عن الذهاب إلى الشاطئ، المكان الذي أحبته أمها، لأن رؤية البحر كانت تذكّرها بغيابها. تقول: «بدون صوت أمي، حتى اللحظات اليومية البسيطة تبدو فارغة». أما الأطفال فيكبرون في بيت يتعلمون فيه ألا يسألوا كثيرًا، وألا يتكلموا عن غياب أبيهم أمام الغرباء. ينشأون على حضور غائب، وعلى حزن لا يجدون له اسمًا ولا متنفسًا. من أثقل ما يحمله أهالي المعتقلين أن حزنهم لا يجد اعترافًا ممن حولهم. حين يفقد إنسان عزيزًا في الأحوال العادية، يحيط به الناس ويواسونه، وتساعده مشاركة الآخرين على حمل ألمه وتقبله، بل وتخطيه أيضًا. أما أسرة المعتقل فكثيرًا ما تُترك وحدها. المجتمع يبتعد عنها خوفًا من الأذى، والدولة تنظر إلى ابنها بوصفه متهمًا، فيصير الحزن عليه وكأنه موقف مشبوه يُخشى إعلانه. عالم النفس كينيث دوكا وضع لهذه الحالة اسمًا هو «الحداد المحروم» (Disenfranchised Grief)، ويعني الحزن الذي لا يعترف به المجتمع ولا يمنحه الحق في الظهور. فبعض أنواع الفقد لا تجد طقوسًا معترفًا بها ولا تعاطفًا اجتماعيًا، فيُترك أصحابها يحزنون في صمت وعزلة، محرومين من السند الذي يحيط عادةً بالمكلومين. وحزن أهل المعتقل السياسي مثال واضح على ذلك، إذ يصير الفارق بين قضية جنائية وأخرى سياسية فارقًا في الاعتراف نفسه، إذ نجد أن الحزن على سجين في قضية عادية معترف به ومفهوم، أما الحزن على معتقل سياسي فمشكوك فيه ومكلف. في مصر، يذهب الأمر إلى أبعد من الحرمان، فالحزن هنا له ثمن يُدفع، إذ يُقابَل صاحبه بالعقاب أحيانًا حين يحاول التعبير عنه. الباحثة تاشيل بوردير ذهبت بفكرة دوكا خطوة أبعد، وصاغت مصطلح «الحداد المخنوق» (Suffocated Grief)، وتقصد به الحزن الذي لا يُكتم فقط، بل يُعاقَب صاحبه إن حاول إظهاره، باللوم أو الوصم أو التأديب. لاحظت بوردير هذا في تجارب أمهات من مجتمعات مهمشة فقدن أبناءهن، حين كان مجرد البوح بالألم يُقابَل بالعقاب. والفرق بين المصطلحين مهم، حيث أن الحداد المحروم أن لا يعترف أحد بحزنك، أما الحداد المخنوق فأن تُعاقَب لأنك حزنت. هذا الوصف ينطبق على واقع أهالي المعتقلين في مصر. فالأم التي تعترض على معاملة ابنها قد تُمنع من زيارته، ومن يتضامن علنًا مع معتقل قد يجد نفسه في مكانه. هكذا يصير مجرد الكلام عن الألم، أو المطالبة بالحق، بابًا إلى عقاب جديد. يرصد تقرير لموقع «رصيف22» نُشر عام 2016، والتقى معدّوه عددًا من أقارب المعتقلين، هذه الدائرة المغلقة بدقة. فالأهالي يمتنعون عن الشكوى خوفًا من أن ينعكس ذلك على أبنائهم داخل السجن، والأبناء يبتلعون إهاناتهم خوفًا من أن ينعكس ذلك على أهاليهم عند الزيارة. كل طرف يخنق ألمه ليحمي الآخر، فيصير الصمت حاجزًا إضافيًا يلف الأسرة كلها. المشكلة ليست فيكم قد ينظر بعض الأهالي إلى ما يعيشونه على أنه ضعف منهم، أو عجز عن التحمل. لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا. عالم النفس إغناثيو مارتن-بارو، مؤسس ما يعرف بـ«علم النفس التحرري» (Liberation Psychology)، عمل وسط مجتمع يواجه القمع والحرب، وخلص إلى فكرة مهمة وهي أن كثير من الألم النفسي في مثل هذه الظروف لا ينبع من خلل في الناس، وإنما من نظام يصنع الألم ويمنع التئامه. الأم التي لا تنام تعرف تمامًا لماذا لا تنام، ابنها محتجز. والزوجة التي تنهار كانت تحمل أعباء البيت مع رجل، وصارت تحملها وحدها. يمكن أن يُفرج عن المعتقلين غدًا. لكن الخروج لا يمحو ما تركه الغياب في أهلهم، فهذا أثر يبقى بعد انتهاء سببه، ويحتاج إلى من يسنده. وتسمية السبب باسمه هي أول السند وليست بديلًا عنه. ما دامت سياسة الاعتقال التعسفي مستمرة، سيستمر معها إنتاج هذا الحزن أسرة بعد أسرة. الإفراج عن المعتقلين هو ما يوقف هذا الإنتاج. لكن انتظار ذلك لا يعني أن ما هو في متناول اليد اليوم بلا قيمة. ثمة حقيقة يجب أن تُقال بوضوح: ما يجري لأهالي المعتقلين لا يخصهم وحدهم. فحين تُترك شريحة كاملة من الناس تذبل في صمت بينما يكتفي من حولهم بالفرجة، فإن المجتمع كله يخسر شيئًا من إنسانيته. ضرب لنا الأهالي أنفسهم المثل، فهم الذين علمونا، في صفوف الانتظار وفي الوقفات الصامتة، أن التضامن ينقذ ويكسر العزلة. فإذا كان الأهالي المنكوبون قد وجدوا في التضامن مع بعضهم طوق نجاة، فالأحرى بمن هم خارج دائرة النكبة أن يمدو يد التضامن. كثيرون يصمتون خوفًا، وهذا الخوف نفسه من صنع القمع، ولا عيب فيمن يشعر به. لكن ثمة فرقًا بين صمت الخائف وتجاهل غير المبالي. فالاعتراف بأهالي المعتقلين لا يشترط بالضرورة المخاطرة الكبرى، إذ يبدأ بأفعال صغيرة في متناول الجميع، مثل ألا يُدار الوجه عن أسرة معتقل خوفًا من العدوى، وأن يُسأل عن حالها، ولا تُترك وحدها في مواجهة عبء لا يُحتمل. فكلما اتسعت دائرة من يعترفون بهذا الحزن ويتضامنون معه علنًا، صار حمله أخف على أصحابه، وصار خنقه أصعب على من يريد له أن يظل مكتومًا. لكن هذا كله ليس سوى أرضية، وما يُبنى عليها شيء آخر عرفته أسر أخرى قبلنا. حين يجد الأهالي بعضهم بعضًا هنا يبدأ التعافي الحقيقي؛ فأثقل ما في تجربة أهالي المعتقلين هو الإحساس بالعزلة، أن تظن كل أسرة أنها وحدها في محنتها. وحين يلتقي الأهل ببعضهم البعض ويكتشفون أنهم يحملون الوجع نفسه، يبدأ إحساس العزلة في التبدد. ولهذه الملاحظة سند في تجارب علاجية موثقة. في 13 سبتمبر 2001، بعد الهجوم على برجي التجارة العالمي بيومين، طلب رئيس نقابة عمال الخدمات والمباني في نيويورك، وعدد أعضائها يقارب السبعين ألفًا، مساعدة أسر الأعضاء المفقودين، فتشكّل فريق من المعالجين من مينيسوتا ونيويورك بقيادة باولين بوس، أستاذة العلوم الأسرية بجامعة مينيسوتا والمعالجة الأسرية. وكانت أداة الفريق الأساسية لقاءات تجمع عدة أسر معًا في مبنى النقابة نفسه، وهو الشكل الذي فضّلته الأسر على الجلسات الفردية في العيادة. وكانت بوس قد طوّرت مفهوم الفقد الغامض قبل ذلك بعقود، فجاءت هذه التجربة لتختبره ميدانيًا، ثم وسّعته لاحقًا إلى إرشادات للعمل مع الأسر والمجموعات. ما ترصده هذه التجارب أنه في داخل المجموعة تجد الأم أن مشاعرها مفهومة عند آخرين ويعرفونها دون شرح، ويتحول الألم المكتوم إلى كلام مسموع، وسند متبادل. وهذا العامل سمّاه إرفين يالوم، صاحب أشهر تنظير للعلاج الجماعي، باسم «العمومية» (Universality)، أي أن يكتشف الإنسان أن ما يحمله ليس حالة فردية استثنائية. ولم تُجرَّب هذه المقاربة على أسر المعتقلين في مصر، لكنها ليست غريبة عن المنطقة. فقد عملت الباحثة الفلسطينية نادرة شلهوب كيفوركيان بالطريقة نفسها مع نساء سُجن أفراد من أسرهن، على استعادة الصوت المكتوم وتحويل الحكاية الفردية إلى فعل مشترك. هنا نعود إلى الساحتين اللتين بدأنا بهما. ففي الأرجنتين، خلال حكم عسكري أخفى آلاف الشباب قسريًا في سبعينيات القرن الماضي، بدأت مجموعة من الأمهات لا تعرف إحداهن الأخرى في التجمع كل خميس في الساحة الكبرى أمام مقر الرئاسة في العاصمة. لم يكن معهن سوى صور أبنائهن المفقودين وحضورهن الصامت. حاول النظام تخويفهن فسماهن «المجنونات» ووصفهن بأمهات الإرهابيين، ومع ذلك واصلن الوقوف كل خميس. صرن يُعرفن باسم «أمهات ساحة مايو»، ونجحن في لفت أنظار العالم إلى ما كان يجري في الخفاء، وواصلن الحضور حتى بعد زوال الحكم العسكري، وصار حضورهن رمزًا للكرامة والصمود في مواجهة الظلم والقمع. وبعد سنوات، وعلى الطرف الآخر من العالم، استلهمت أمهات في تركيا التجربة نفسها. ففي 1995 بدأت مجموعة صغيرة من الأهالي، نحو ثلاثين شخصًا، وقفة صامتة كل سبت في ساحة غلطة سراي بإسطنبول، يحملون صور أحبائهم المفقودين وقرنفلًا أحمر رمزًا للحياة والذاكرة. صرن يعرفن باسم «أمهات السبت»، وواجهوا المنع والاعتقال، استمرت الوقفات أكثر من ألف أسبوع، وانضم إليها الأبناء والأحفاد جيلًا بعد جيل، حتى صارت من أطول أشكال الاحتجاج السلمي في تاريخ البلاد. في التجربتين ندرك أن الأهل الذين حاول القمع خنق حزنهم وعزل كل واحد منهم في بيته، وجدوا في اللقاء ببعضهم قوة لم تكن لديهم وهم فرادى، وصارت الصور المرفوعة كل أسبوع تقول للمارّة إن هؤلاء الأبناء كانوا هنا، وإن أسماءهم لن تُنسى. لم تبدأ أي من التجربتين بخطة ولا بتنظيم. بدأت بنساء لا تعرف إحداهن الأخرى، اجتمعن لأنهن لم يجدن أحدًا غيرهن، ثم اكتشفن أن الاجتماع نفسه هو ما لم يحتمله القمع. ولهذا فإن ما يحمي أسر المعتقلين ليس التعاطف معها فردًا فردًا، وإنما أن يكون لها مكان تجتمع فيه وصوت تتكلم به، وأن يقف من حولها مع هذا الاجتماع لا مع الحزن وحده. فيصير حزنهم حزنًا عامًا وقضيتهم قضية مشتركة، وهنا يفقد القمع أهم أدواته، وهو عزل الضحية وإخراس من حولها. يبقى أن يُقال بوضوح إن حزن هذه الأسر مشروع، وأن الخلل في الاحتجاز نفسه وليس فيهم. أما ما إذا كانوا سيحملون هذا الحزن وحدهم، فهذا لا يقرره القمع وحده، وإنما يقرره أيضًا من يقرأ هذه السطور.The post أن تحزن وحدك.. العقوبة الموازية لأسر المعتقلين السياسيين first appeared on Mada Masr.