أنيس منصور مع عمالقة الفكر والأدب – أحمد بن عبدالرحمن السبيهين

عرف الكاتب أنيس منصور الأستاذ عباس محمود العقاد منذ أن كان طالبًا صغيرًا، أكثر من غيره من كبار المفكرين والأدباء؛ فقد كان لا يشتري مجلة «الرسالة» إلا إذا كانت للعقاد مقالة فيها. وعندما انتقل من المنصورة إلى القاهرة للدراسة، انتقل إلى جامعتين في وقت واحد، كما يقول: جامعة القاهرة وجامعة العقاد!

وكان منصور من أصغر المترددين على بيت الأستاذ العقاد في مصر الجديدة، حيث كان صالونه الأدبي الشهير يُعقد يوم الجمعة من كل أسبوع.

ولا يكاد الأستاذ يعرف أن زائرًا قد جاء حتى يتقدم إليه واقفًا، طويلًا عريضًا، بالبيجامة والطاقية والكوفية، وبالحماسة نفسها، قائلًا: «أهلًا يا مولانا».

وكان منصور يجلس إلى جوار الباب؛ فهو ليس إلا طالبًا صغيرًا، كأنه يتوقع أن يخرج أو يُخرجه أحد لأي سبب من الأسباب؛ إذ إن الجلوس في الصالون كان حسب الأقدمية، والأقربون إلى الأستاذ هم من أصدقائه الأقدمين، وهم قليلون جدًّا، وكان يعرفهم جيدًا، وله معهم قصص ونوادر.

وكان التاريخ والأدب والفن والفلسفة والسياسة كلها موضوعات يتحدث فيها الأستاذ، ويشاركه الحاضرون بالأسئلة والاستماع، وكان يشجع الزائرين على الضحك، وعلى أن يرووا أحدث النكت.

ومن المواقف الطريفة أن سيدة لبنانية يعرفها الأستاذ حضرت إلى الصالون، فحاول أن يُجلسها إلى جواره، فاعتذرت عن هذا الشرف العظيم. فسألها عن والدها، فقالت: «تعيش أنت»، وسألها عن زوجها، فقالت: «تعيش أنت»؛ فتضايق الأستاذ، ولم يشأ أن يسألها عن أحد آخر من الناس.

ولا بد أنه نظر إلى ملابسها، فوجدها ملوّنة، فقال لها: «لا بد أن ذلك منذ وقت طويل». فكان ردها الذي أسكته نهائيًّا، إذ أجابته بقولها: «والله منذ شهرين»!

ثم استأذنت السيدة في الانصراف، فلم يرافقها الأستاذ حتى الباب الخارجي، ووجد الحاضرون في ذلك عقابًا تستحقه!

فقال أنيس للأستاذ: «لعلها تزوجت يا أستاذ»!

فضحك العقاد، وقال: «هناك عبارة شهيرة لأوسكار وايلد تقول: إن سيدة ازدادت شفتاها احمرارًا، حزنًا على وفاة زوجها»! فضجّ الصالون بالضحك.

أما الندوة، فكانت تنتهي عادة بأن ينهض الأكبر سنًّا، وأن ينظر بعض الحضور إلى بعض، بما يؤكد أن الساعة الثانية ظهرًا قد اقتربت، من دون أن يشعروا.

وقد تشجع أنيس وزملاؤه، طلبة الدراسات الفلسفية، على دعوة الأستاذ لإلقاء محاضرة في الفلسفة، ولم يجرؤوا على اختيار موضوع معين له، لكنه فاجأهم بقوله: «بل اختاروا أنتم الموضوع»، ومعنى ذلك أن الأستاذ يستطيع أن يحاضر في أي موضوع!

فاختاروا موضوعًا شاقًّا عليهم، أرادوا أن يدلهم على مفاتيحه، وهو: «نظرية النسبية عند أينشتاين ونظرية النسبية عند الإمام الغزالي». وكان هذا الموضوع من العقد الفلسفية التي يعاني منها الطلبة في فلسفة العلوم والمنطق والفلسفة الإسلامية.

وفي الموعد المحدد، احتشد طلاب الجامعة من جميع الكليات، حتى ضاق بهم المدرج (78)، وحضر الأستاذ وتحدث، واستمع الحضور إلى عجائب الأفكار والآثار والنوادر في كل فروع المعرفة الإنسانية. وانتهى طلبة الفلسفة إلى رأي واحد، هو أنهم لم يقرؤوا ولم يسمعوا حديثًا رائعًا كالذي قاله الأستاذ!

أما لقاء أنيس منصور بالدكتور طه حسين، فقد جرى حين طلب، مع زملائه، موعدًا للقائه في مكتبه بالجامعة، عندما كان عميدًا لكلية الآداب. وكان الطلبة يتطلعون بشوق إلى مقابلته، لكنهم اختلفوا فيما سيقولونه له؛ فليس عندهم ما يشكون منه، ولا موضوع محدد للحوار.

وحين دخلوا مكتبه، رحّب بهم، ثم قال: «من أنتم؟ أنت إلى أقصى اليمين؟».

فقال العميد: «لا بد أنك قرأت عن فيلسوف فرنسا ديكارت؛ إنه البداية الحقيقية للفلسفة الحديثة، وهو الذي اتخذ له شعارًا هو: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”. فالفكر عند الإنسان يعادل وجوده تمامًا، وليس القوة ولا العصبية ولا المال ولا الجمال، وإنما كون الإنسان مفكرًا يعني أنه إنسان».

فأنشد الطالب: «طينٌ على وجه البسيطة أخضرُ… إلخ».

وهنا ضحك طه حسين، وهو يقول: «تقول يا سيدي في أول القصيدة: “طين”، ربما لأنك فلاح زراعي، ولكن هذا المطلع ليس بعده إلا الوحل والمستنقعات!» .

ثم سكت العميد برهة، وقال باسمًا: «ولكن لا تحزن؛ فقد فعل ذلك شعراء عظام، فلأبي نواس قصيدة مستنكرة الابتداء، قالها في مدح الخليفة الأمين، وكان مطلعها:

فأجاب الطالب: «نعم، بالشعر والنثر، وأريد أن أكون طبيبًا ينظم الشعر ويتذوق الأدب على سبيل الهواية».

فقال العميد: «إذن أنت أفضلنا جميعًا يا سيدي؛ فأنت مستمتع بكل ما في الدنيا من جمال. فالناس نوعان: أناس ينامون الدهر، وأناس يعيشون الدهر، وأنت تنام مستريحًا، وتسهر مستمتعًا. والمتنبي، حين امتدح واحدًا في مثل خصلتك، قال:

ثم دخل السكرتير، وهمس في أذن طه حسين، فكان لا بد للطلبة من أن ينهضوا شاكرين.

ولن يكتمل مثلث الإبداع الفكري والأدبي في ذلك الزمن إلا بالأستاذ توفيق الحكيم، الذي تأخر أنيس منصور في معرفته، ثم عرفه من بعيد، لكنه لم يتأثر به، ولم يدر في فلكه، ولم ينبهر بجاذبيته الشخصية أو الأدبية، لكنه قرأ له فيما بعد، وتابعه وأعجب به.

يذكر أنيس أنه زار الحكيم في المستشفى، وسأله عن حاله، فقال الحكيم ساخرًا: «إن الأطباء كل يوم يلتفون حول السرير، ويتناقشون، ويتخذون قرارًا واضحًا أنني “زي الفل!”، لكنني أتلمس رجلي فأجدها في مكانها منذ أيام، وأنا غير قادر على الحركة، وكأنني تمثال قد أُقيم على المرتبة، تمهيدًا لإلقائه في أحد مخازن مصلحة الآثار!» .

ثم إن الحكيم تابع: «إن للإمام الشافعي أبياتًا، أدعو الله أن تكون أقرب إلى حالي»، ثم أنشد:

عرف الكاتب أنيس منصور الأستاذ عباس محمود العقاد منذ أن كان طالبًا صغيرًا، أكثر من غيره من كبار المفكرين والأدباء؛ فقد كان لا يشتري مجلة «الرسالة» إلا إذا كانت للعقاد مقالة فيها. وعندما انتقل من المنصورة إلى القاهرة للدراسة، انتقل إلى جامعتين في وقت واحد، كما يقول: جامعة القاهرة وجامعة العقاد!

وكان منصور من أصغر المترددين على بيت الأستاذ العقاد في مصر الجديدة، حيث كان صالونه الأدبي الشهير يُعقد يوم الجمعة من كل أسبوع.

ولا يكاد الأستاذ يعرف أن زائرًا قد جاء حتى يتقدم إليه واقفًا، طويلًا عريضًا، بالبيجامة والطاقية والكوفية، وبالحماسة نفسها، قائلًا: «أهلًا يا مولانا».

وكان منصور يجلس إلى جوار الباب؛ فهو ليس إلا طالبًا صغيرًا، كأنه يتوقع أن يخرج أو يُخرجه أحد لأي سبب من الأسباب؛ إذ إن الجلوس في الصالون كان حسب الأقدمية، والأقربون إلى الأستاذ هم من أصدقائه الأقدمين، وهم قليلون جدًّا، وكان يعرفهم جيدًا، وله معهم قصص ونوادر.

وكان التاريخ والأدب والفن والفلسفة والسياسة كلها موضوعات يتحدث فيها الأستاذ، ويشاركه الحاضرون بالأسئلة والاستماع، وكان يشجع الزائرين على الضحك، وعلى أن يرووا أحدث النكت.

ومن المواقف الطريفة أن سيدة لبنانية يعرفها الأستاذ حضرت إلى الصالون، فحاول أن يُجلسها إلى جواره، فاعتذرت عن هذا الشرف العظيم. فسألها عن والدها، فقالت: «تعيش أنت»، وسألها عن زوجها، فقالت: «تعيش أنت»؛ فتضايق الأستاذ، ولم يشأ أن يسألها عن أحد آخر من الناس.

ولا بد أنه نظر إلى ملابسها، فوجدها ملوّنة، فقال لها: «لا بد أن ذلك منذ وقت طويل». فكان ردها الذي أسكته نهائيًّا، إذ أجابته بقولها: «والله منذ شهرين»!