من أكثر الأشياء المرهقة للإنسان البقاء في منطقة رمادية ،والمكوث في دوامة الوجود والغياب، الوعد والتراجع، النجاح والفشل، تلك المساحة الرديئة هي “أنصاف الأشياء” والتي تستنزف المشاعر والأحلام والقرارات، المساحة التي تتجاوز حدود الماديات لتلامس أعماق التجربة الشعورية والفكرية للإنسان، والذي يميل بطبيعته إلى الاكتمال، ويسعى إلى الوضوح والاستقرار في مختلف جوانب حياته، إلا أنه كثيرًا ما يجد نفسه محاطًا بأمورٍ لم تبلغ تمامها، أهدافٌ لم تكتمل، وأحلامٌ توقفت في منتصف الطريق، ووعود بقيت معلقة بين الإمكان والتحقق، النصف يجعلنا في مواجهة خائبة مع أنفسنا واحتياجاتنا ورغباتنا، النصف يكسر الشغف، ويطفئ الضوء، ويمحو ذلك البريق الذي صنعته الأحلام. أتساءل دائمًا.. هل تلك المشاريع غير المنتهية، والأحلام المؤجلة، والمعارف الناقصة، هي دافع إلى الاستمرار في السؤال والسعي والتجاوز؟ هل نحن نبحث عن اكتمال ندرك في أعماقنا أننا لن نبلغه؟ هل النصف علامة عجز أم فضاءٌ مفتوح للإمكان؟ نصف وصول ونصف يقين ونصف حضور، ونصف أمنية، ونصف اهتمام، ونصف حب، ونصف وعد، كلها أشياء تبدو في ظاهرها مقبولة، لكنها في الحقيقة تترك فراغًا موجعًا، فالنصف مؤذٍ جدًا، لأنه يبقينا معلقين بين الأمل والخيبة، بين الوقوف والمسير، وبين الرغبة في الاستمرار والحاجة إلى الرحيل، إنه أشبه ببابٍ موارب لا يسمح بالدخول ولا يعلن الإغلاق، وبذلك نجد أنفسنا بين أنصاف المشاعر، وأنصاف القرارات، تلك الأنصاف التي يمكن وصفها فلسفيًا بأنها انعكاس لصراع الإنسان الدائم بين الواقع والمأمول، فالواقع لا يمنح دائمًا صورًا مكتملة، بل يفرض على الإنسان التعامل مع النقص بوصفه جزءًا من الوجود الإنساني. النصف حارق، والقرار الذي لا يُتخذ بالكامل يعد فكرةً مؤجلة، والهدف الذي لا يُسعى إليه بجدية يتحول إلى أمنية جميلة لا أكثر، يُقال النجاح غالبًا لا يأتي لمن يقف في منتصف الطريق، بل لمن يختار وجهته بوضوح ويتحمل مسؤولية اختياره، في كل الأحوال قد يكون الاكتمال المؤذي أخف حدةً من الأشياء الناقصة، والتي تظل عالقة في الذاكرة.