تطوي دار الأزياء الفرنسية «سان لوران» (Saint Laurent) صفحة مهمة من تاريخها المعاصر، مع إعلان مغادرة المصمم البلجيكي الإيطالي أنتوني فاكاريللو منصبه مديراً إبداعياً للدار، بعد عشر سنوات أمضاها في قيادة هويتها الفنية، وتطوير تصاميمها، وتعزيز حضورها في عالم الأزياء الفاخرة.
ويشكّل هذا القرار نهاية مرحلة اتسمت بالجرأة والتجديد، والموازنة بين إرث المؤسس إيف سان لوران والرؤية المعاصرة التي رسّخها فاكاريللو.
كما يفتح رحيل المصمم الباب أمام فصل جديد في مسيرة الدار، في وقت تواجه فيه صناعة الأزياء الفاخرة تحديات اقتصادية وتنافسية متزايدة، وتسعى العلامات الكبرى إلى الحفاظ على جاذبيتها وتعزيز نموها في الأسواق العالمية.
نهاية مرحلة امتدت عشر سنوات
تولّى فاكاريللو المسؤولية في مرحلة حساسة، بعدما ترك هيدي سليمان بصمة واضحة في هوية الدار وأدائها التجاري. وتمثّل التحدي أمام المصمم الجديد آنذاك في تقديم رؤية إبداعية خاصة به، من دون التخلي عن العناصر التي جعلت «سان لوران» واحدة من أبرز دور الأزياء الفرنسية.
وخلال السنوات العشر التالية، نجح فاكاريللو في تطوير أسلوب بصري مميز، جمع بين الخطوط الحادة والإيحاءات الجريئة والأناقة الداكنة، وأسهم في ترسيخ مكانة الدار ضمن المشهد العالمي للأزياء الفاخرة.
من جهته، أعرب لوكا دي ميو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «كيرينغ» المالكة للدار، عن تقديره لمساهمة المصمم خلال العقد الماضي، مشيراً إلى أن «رؤيته الإبداعية ومعاييره العالية عزّزتا النفوذ المستمر لإحدى أهم دور الأزياء الفرنسية، بالتزامن مع الاستعداد لمرحلة جديدة في تاريخها».
كما أشاد سيدريك شاربيت، رئيس «سان لوران» ومديرها التنفيذي، بتفاني فاكاريللو وعمله، معتبراً أن الدار حققت خلال قيادته مساراً لافتاً عزّز جاذبيتها ومكانتها وصورتها الثقافية.
ختام عرض «سان لوران» لربيع وصيف 2027
هوية إبداعية تجمع بين الأنوثة والقوة
تميّزت مرحلة فاكاريللو في «سان لوران» ببناء لغة تصميمية قائمة على التناقضات المدروسة، ولا سيما التوازن بين الذكورة والأنوثة، والاحتشام والإغراء، والصرامة الهندسية وانسيابية الجسد.
ومن أبرز السمات التي تكررت في مجموعاته:
-الأكتاف العريضة: التي منحت التصاميم حضوراً قوياً وشخصية واضحة.- البدلات ذات القصّات الحادة: التي استندت إلى الدقة في التفصيل والخطوط الهندسية.- الأقمشة الشفافة: التي أضفت طابعاً حسياً على الإطلالات.- الأحذية ذات الكعوب العالية: التي أصبحت جزءاً من الهوية الجمالية المميزة للدار.- الألوان الداكنة: التي عزّزت الطابع الليلي والدرامي في عدد من عروضه.
ولم تقتصر بصمة فاكاريللو على الملابس وحدها، بل امتدت إلى أسلوب تقديم المجموعات على منصات العرض. فقد تحوّلت عروض «سان لوران» خلال عهده إلى مشاهد بصرية متكاملة، تتداخل فيها الأزياء مع الإضاءة والموسيقى والهندسة المعمارية والمواقع المختارة.
وكان برج إيفل من أبرز الخلفيات التي ارتبطت بعروض الدار، في مشاهد عزّزت صورتها بوصفها علامة فرنسية ذات هوية بصرية راسخة.
مجموعة ربيع وصيف 2027... وداع يغمره الذهب
جاء عرض مجموعة ربيع وصيف 2027، الذي أُقيم في باريس يوم 29 أيلول/سبتمبر 2026، ليشكّل المحطة الأخيرة في مسيرة فاكاريللو الإبداعية داخل «سان لوران».
وحمل العرض دلالات رمزية واضحة، سواء من خلال تصميم المكان أو اختيار الألوان أو ترتيب الإطلالات.
فقد استُلهمت أجواؤه من قاعة الاحتفالات الإمبراطورية الكبرى في فندق إنتركونتيننتال، وهو موقع ارتبط تاريخياً بعروض الأزياء الراقية التي قدّمها مؤسس الدار.
واختار فاكاريللو اللون الذهبي محوراً أساسياً للمجموعة، مقدّماً 49 إطلالة بدرجات ذهبية، قبل أن يختتم العرض بعشر إطلالات سوداء.
واستعاد من خلال التصاميم عدداً من الرموز المعروفة للدار، من السترات الصحراوية والمعاطف الطويلة إلى التنانير المستقيمة وفساتين السهرة والأقمشة المطرّزة.
وفي نهاية العرض، ظهرت المغنية والممثلة شارلوت غينسبورغ لتقديم أداء موسيقي مباشر، قبل أن يتقدّم فاكاريللو لتحية الجمهور.
كما شهدت اللحظات الختامية مشهداً عاطفياً حين سلّم شيئاً إلى ابنه، الذي كان يتابع العرض من جانب المنصة، في حركة فسّرها كثيرون على أنها تسليم رمزي لمفاتيح الدار، رغم أن دلالتها لم تُؤكَّد رسمياً.
وبدت أجواء الوداع واضحة أيضاً في تأثّر العارضة أنجا روبيك، التي ارتبط اسمها بعدد من عروض المصمم خلال السنوات العشر الماضية.
وهكذا، بدا العرض بمثابة استعادة مكثفة لمسيرة فاكاريللو، حيث اجتمع إرث الدار مع بصمته الخاصة في مشهد احتفالي انتهى بانتقال لافت من الذهبي إلى الأسود.
التأثير التجاري... نمو كبير ثم تحديات جديدة
لم تقتصر أهمية مرحلة فاكاريللو على الجانب الفني، بل ارتبطت أيضاً بالأداء التجاري لدار «سان لوران».
فقد تسلّم المصمم المسؤولية بعد فترة شهدت نمواً كبيراً في إيرادات الدار تحت قيادة هيدي سليمان، إذ ارتفعت من نحو 354 مليون يورو عام 2011 إلى 974 مليون يورو عام 2015.
ووضع ذلك أمام فاكاريللو تحدياً تمثّل في الحفاظ على مسار النمو ومواصلة تعزيز قيمة العلامة في سوق الأزياء الفاخرة.
ووفقاً للأرقام، تجاوزت إيرادات «سان لوران» ثلاثة مليارات يورو، لتصل إلى نحو 3.3 مليارات يورو عام 2022، فيما بلغ الدخل التشغيلي نحو 1.019 مليار يورو، أي ما يزيد قليلاً على 30% من الإيرادات.
لكن السنوات اللاحقة شهدت تراجعاً في الإيرادات، بالتزامن مع تباطؤ أوسع في قطاع السلع الفاخرة وتغيّرات في استراتيجية التوزيع والبيع لدى العلامة. وبلغت الإيرادات نحو 2.64 مليار يورو عام 2025، فيما أشارت بيانات «كيرينغ» للعام نفسه إلى إيرادات بقيمة 2.6 مليار يورو للدار.
من عرض «سان لوران» لربيع وصيف 2027
التحديات التي تنتظر الإدارة الإبداعية الجديدة
مع مغادرة فاكاريللو، تدخل «سان لوران» مرحلة انتقالية، لم يُعلن بعد عن هوية من سيتولى قيادتها الإبداعية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل سعي مجموعة «كيرينغ» إلى استعادة زخم النمو وتعزيز الأداء المالي للعلامات التابعة لها، بعد مرحلة شهدت تباطؤاً في سوق المنتجات الفاخرة.
وتشمل الأهداف المستقبلية المعلنة لـ«سان لوران» بحلول عام 2030 أكثر من مضاعفة مبيعات الأزياء الرجالية، وزيادة مبيعات المجوهرات إلى ثلاثة أضعاف، ومضاعفة مبيعات فئة كبار العملاء، وتحقيق مبيعات لا تقل عن 500 مليون يورو في الفئات ذات الأسعار الأولية.
وستضع هذه الأهداف المدير الإبداعي المقبل أمام مهمة دقيقة، تتمثل في الحفاظ على الهوية التي رسّخها فاكاريللو، مع البحث عن فرص جديدة للنمو وتوسيع قاعدة العملاء.