أميركا وأوروبا ترفضان إعلان الأمم المتحدة في شأن الجوائح… ما أثر ذلك في شركات الأدوية؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

كشف رفض واشنطن وبروكسل إعلاناً أممياً للاستعداد للجوائح خلافاً في شأن الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا، فيما تواجه شركات الأدوية مفاضلة بين حماية ابتكاراتها وضمان سوق عالمية أكثر استعداداً للأزمة المقبلة.

رفضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إعلاناً سياسياً للأمم المتحدة يدعو إلى تعزيز التعاون والتضامن في الاستعداد للجوائح المقبلة والاستجابة لها. والإعلان غير ملزم قانوناً ولا يفرض قواعد تشغيلية على الحكومات أو الشركات، لكنه كان سيبعث بإشارة سياسية قوية إلى الاستعداد لتنسيق التمويل والبحوث والإنتاج وتوزيع اللقاحات والأدوية والفحوص عند ظهور جائحة جديدة.

ولم يكن الرفض موحد الدوافع. اعترضت الإدارة الأميركية على ما وصفته بمفاهيم خلافية لا تحظى بتعريف متفق عليه، بعدما طالبت خلال مفاوضات في هذا الصدد بحذف إشارات إلى المساواة والتضامن والوصول الشامل إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.

أما الاتحاد الأوروبي، فأكد دعمه هدف تعزيز الاستعداد للجوائح، لكنه رفض أجزاء رأى أنها تتجاوز خطوطه الحمراء في حماية الملكية الفكرية، مشدداً على أن نقل التكنولوجيا يجب أن يكون طوعياً وبشروط متفق عليها.

ومن المتوقع عرض الإعلان في اجتماع لاحق للجمعية العامة، حيث يمكن إقراره بالتصويت بعد تعذر اعتماده بالتوافق. لذلك لا يعني رفضه سقوطه، لكنه يكشف صعوبة بناء إطار يحظى بثقة الدول المنتجة للتكنولوجيا والدول التي تطالب بوصول أسرع إلى ثمارها.

قد يبدو الموقف الأوروبي مريحاً على المدى القصير لمجموعات مثل "فايزر" و"موديرنا" و"غلاكسو سميث كلاين" و"سانوفي" و"ميرك"، لأنه يدافع عن براءات الاختراع ويقلل الضغوط السياسية المستقبلية لنقل التقنيات أو منح تراخيص لا تختارها الشركات.

لكن الشركات تحتاج أيضاً إلى نظام عالمي يوفر طلباً قابلاً للتوقع. ذلك أن تطوير لقاح أو علاج لمرض قد لا يتحول إلى جائحة يتطلب تمويلاً حكومياً وعقود شراء مسبقة، إلى جانب بناء قدرات إنتاج قد تبقى غير مستخدمة سنوات. وكلما تراجع التنسيق الدولي، ازدادت صعوبة تبرير هذه الاستثمارات أمام المساهمين.

ويظهر هذا الخطر في الولايات المتحدة، حيث أوقفت وزارة الصحة 22 مشروعاً للقاحات بتقنية الحمض النووي الريبي المرسال بقيمة تقارب 500 مليون دولار. وأعلنت "موديرنا" أنها لا تعتزم بدء تجارب متقدمة جديدة للقاحات الأمراض المعدية في ظل الغموض التنظيمي وضعف الدعم الرسمي.

ومع ذلك، لا تمثل السياسة الأميركية حظراً شاملاً للتقنية المعروفة اختصاراً باسم "إم آر إن إيه"، إذ وافقت إدارة الغذاء والدواء في آب/أغسطس 2026 على لقاح "موديرنا" للإنفلونزا. ويعكس ذلك سياسة متقلبة وأكثر تشدداً، لا رفضاً مطلقاً للتقنية.

وتكون الشركات الصغيرة المتخصصة في اللقاحات والفحوص أكثر تعرضاً من شركات الأدوية العملاقة القادرة على تعويض التراجع عبر أدوية السرطان والمناعة والأمراض المزمنة.

وفي صورة منفصلة، يتقاطع الخلاف السياسي مع مفاوضات أكثر أهمية تجريها الشركات وتدور تحت مظلة منظمة الصحة العالمية، وتتعلق بملحق إتاحة مسببات الأمراض وتقاسم المنافع، وهو الجزء غير المكتمل من اتفاق الجوائح ذي الصلة.

تقوم الفكرة على تبادل الدول بسرعة العينات والتسلسلات الجينية لمسببات الأمراض، لكي تتمكن الشركات من تطوير الفحوص واللقاحات والعلاجات، في مقابل حصول الدول التي تقدم هذه المواد والبيانات على حصة عادلة وسريعة من المنتجات الناتجة منها.

يوفر هذا النظام للشركات وصولاً أسرع إلى المعلومات الضرورية للبحوث، لكنه قد يرتب عليها التزامات تتعلق بتخصيص جزء من الإنتاج أو التسعير أو الترخيص ونقل المعرفة. وهنا يقع جوهر الخلاف: الدول النامية تخشى تكرار تأخر وصول اللقاحات إليها، مثلما حصل خلال جائحة كوفيد، فيما تخشى الشركات والدول الغنية أن تضعف الالتزامات الواسعة الحافز إلى الابتكار.

يُشَار إلى أن قيمة سوق اللقاحات العالمية بلغت نحو 66 مليار دولار في عام 2024، واستحوذت أكبر 10 شركات على أكثر من 84% منها. لكن القضية لا تتعلق بحجم السوق فقط، بل بمن يتحمل تكلفة الاستعداد قبل ظهور الطلب.

لا يغيّر رفض الإعلان أرباح الشركات فوراً، لكنه يزيد عدم اليقين المحيط بالتمويل والطلب وتقاسم التكنولوجيا. وقد تحافظ الشركات على ملكيتها الفكرية، لكنها تخسر وضوحاً كان يمكن أن يشجعها على الاستثمار المبكر. وفي صناعة تستعد لخطر مجهول التوقيت والحجم، قد يكون غياب اليقين التجاري مكلفاً بقدر التنازل عن جزء من الحقوق.