يتوجّه البرازيليون غداً إلى صناديق الاقتراع في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي يختارون فيها أيضاً حكّام خمس ولايات ومقاطعة فيدرالية. وكان تصدرّ الجولةَ الأولى فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو، بنحو 47% من الأصوات، في مقابل 45% للرئيس اليساري لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، في نتيجة أنذرت بمعركة انتخابية شديدة الحماوة. على أن الناخبين البرازيليين لن يقفوا وحدهم في هذا الاستحقاق؛ إذ تتقدّم إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، علناً، داعمةً وصول بولسونارو إلى قصر بلانالتو. وهو دعمٌ لا يخفي ما وراءه من تطلّع إلى الاستيلاء على ثروات برازيليا، والوصول إلى ما في باطن البلاد: ثاني أكبر احتياطي من المعادن الأرضية النادرة على الكوكب، بنسبة 23% من الإجمالي العالمي المتاح حالياً.
ولئن كانت ضغوط ترامب لترجيح كفّة بولسونارو الابن، بما يخدم الأهداف الاستراتيجية لـ«عقيدة مونرو» ومساعي احتواء الحضور الصيني في أميركا اللاتينية، متوقّعة، فإن وثيقة نشرها موقع «أمادو موندو» أخيراً، سلّطت الضوء على العرض الذي قدّمته حملة مرشّح «الحزب الليبرالي» لإدارة ترامب، قبيل انعقاد الجولة الأولى، والذي يضع ثروات البلاد وسيادتها في يد الولايات المتحدة، في مقابل تكثيف الأخيرة ضغوطها لمنع إعادة انتخاب لولا. كشفت الوثيقة التي أعدّها أندريه مارينيو، مرشّح حزب «نوفو» لمنصب حاكم ولاية ريو دي جانيرو، ونجل رجل الأعمال باولو مارينيو (العضو البديل لبولسونارو في مجلس الشيوخ)، عن الخطوط العريضة لشراكة بين واشنطن وبولسونارو، عنوانها إطلاق يد الأولى في استغلال معادن البلاد في حال فوز الأخير. ويحمل غلاف الوثيقة التي جاءت على هيئة عرض تقديمي يتألّف من 22 صفحة، ويعود تاريخه إلى 19 آذار الماضي، عبارة «فلافيو بولسونارو | حملة 2026»، فيما يَظهر على صفحاتها شعار «شراكة من أجل الازدهار». غير أن مارينيو نفى، في حديثه إلى «أماندو موندو»، أيّ صلة للمذكّرة بحملة بولسونارو، واصفاً ما تمّ تسريبه بأنه «مبادرة شخصية بحتة» كانت أوراقها محفوظة على جهازه، وفوجئ بتداولها «من دون علمه أو إذنه».
وتَعِد الوثيقة بأن تجعل إدارة بولسونارو، البرازيل، «المورّد الرئيس ومركز المعالجة للمعادن الحيوية المتحالف مع الغرب في نصف الكرة الغربي»، وذلك وفق ثلاثة مبادئ: ألّا تبقى البلاد مصدّرة للمواد الخام، وأن تقلّص «الاعتماد الهيكلي» على الصين في سلاسل المعالجة -في مقابل «التحالف» مع الولايات المتحدة في بناء منظومة إمداد موازية-، وأن تكون البرازيل حلقة أساسية في سلاسل الإمداد الأميركية لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، والأنظمة الدفاعية، وفي مجال الطاقة والتنقّل الكهربائي. في المقابل، تصف المذكّرة حكومة لولا بأنها «موالية للصين»، وتحرّكها «ضبابية جيوسياسية متعمّدة» و«مرونة في التحالف» مع بكين، كما أنها تتّسم بـ«تقدّم تنظيمي بطيء» في ملفّ المعادن، وباعتماد تصنيع «غير مضمون»، و«استقطاب تفاعلي» لرأس المال. وعليه، تحذّر من أن بقاء الرئيس المنتمي إلى «حزب العمّال» في السلطة يهدّد بتحويل البرازيل إلى «مجرّد مورّد للمواد الخام إلى الصين»، وبتفويت «نافذة الفرصة» لإعادة «ترتيب» سلسلة التوريد الأميركية.
وإذ تختصر الوثيقة تلك المقارنة بعبارة: «الفرق بسيط: لولا يتردّد، وبولسونارو ينفّذ»، فإن «المقترحات الاستراتيجية» للشراكة التي تتضمّنها تقوم على ستّ ركائز: تسريع إصلاح تشريعات التعدين والترخيص؛ طلب أميركي «مدعوم» على المعادن البرازيلية مع «استقرار في الأسعار»؛ المعالجة والتصنيع محلّياً؛ الجمع بين رأس المال الأميركي والأصول البرازيلية؛ إدراج البرازيل ضمن كتلة إمداد متحالفة مع الولايات المتحدة في إطار «نادٍ للمعادن الحيوية»؛ وتصنيف هذه المواد «أصلاً محورياً للأمن القومي». ويقدّر العرض، الممتدّ على عشر سنوات، استثمارات تُراوح بين 50 و100 مليار دولار في التعدين والتكرير والمعالجة، متوقّعاً أن تخلق الاستثمارات ما بين 500 ألف ومليون وظيفة، وأن ترفع الناتج المحلّي الإجمالي بما بين 1.5 و2.5 نقطة مئوية. وتُختتم المذكّرة بـ«رسالة» مفادها أن «الغرب ليست لديه مشكلة معادن، بل مشكلة تنفيذ. والبرازيل هي الحلّ».
هكذا، تعرض وثيقة مارينيو وبولسونارو، الذي أقرّ بتقديمها إلى شبكة «روكبريدج» -درس معها إنشاء فرع في البرازيل-، مكاسب مجانية على الإدارة الأميركية، من دون أن تكلّفها أثماناً تُذكر؛ فبمجرّد قبول الأخيرة التأثير في الاستحقاق الانتخابي، تضمن «تابعاً مخلصاً» مستعدّاً لإطلاق يد الشركات الأميركية في البلاد، والتعاون مع واشنطن في كسر التفوّق الجيوسياسي للصين، التي تمتلك نحو 48% من الاحتياطيات العالمية من المعادن الأرضية النادرة، وتستحوذ على نحو 90% من عمليات تكريرها ومعالجتها.
والواقع أن إدارة ترامب عملت، طوال عام 2026، بالتعاون مع البرجوازيات المحلية، على بناء إطار للوصول إلى المعادن البرازيلية. ولعلّ مارينيو وبولسونارو أدركا الأهمية الاستراتيجية التي يوليها ترامب لهذا الملف، وقرّرا بناءً على ذلك تقديم عرضهما. والجدير ذكره، هنا، أن شركة «سيرا فيردي»، الواقعة في ولاية غوياس، حصلت، في شباط الماضي، على قرض يتجاوز 500 مليون دولار من «مؤسّسة تمويل التنمية الدولية» الأميركية لتوسيع عملياتها التعدينية؛ وهي عمليات تضع في مقدّمة أهدافها الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة، ودعم القدرة العسكرية لتحالف «درع الأميركيتين». وفي المدة نفسها، ترأّس وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مؤتمراً دولياً حول المعادن الحيوية في واشنطن -بمشاركة أكثر من 50 وفداً أجنبياً-، أُعلن خلاله عن «مشروع فولت» (Vault Project)، وهو مبادرة بقيمة 10 مليارات دولار لتسريع إنتاج المعادن الأرضية النادرة وبناء سلاسل إمداد مستقلّة عن الصين.وفي 28 آذار، أي بعد تسعة أيام على صياغة الوثيقة، أعلن بولسونارو، أمام «مؤتمر العمل السياسي المحافظ» (CPAC) في دالاس، أن «البرازيل ستكون ساحة المعركة التي سيُحسم فيها مستقبل نصف الكرة الغربي، لأنها الحلّ للولايات المتحدة لكسر اعتمادها على الصين في المعادن الحيوية، وخاصة الأرضية النادرة». وعقب ذلك، تحديداً مطلع نيسان، حطّ مارينيو رحاله في الولايات المتحدة حيث التقى نائب الرئيس جي دي فانس، علماً أن الأخير شارك عام 2019 في تأسيس «روكبريدج» المعروفة أيضاً باسم «مجموعة المانحين الترامبية»، ويعدّ من أبرز مموّليها الملياردير بيتر ثيل (مؤسّس «باي بال» ورئيس «بالانتير») وريبيكا ميرسر (المموّلة البارزة لحملات ترامب).
لا تفتأ العدوانية الأميركية المتجدّدة تثبّت تناقضاً في فاعلية سياسة «الشرايين المفتوحة»
وبحسب التسريبات الإعلامية التي رافقت الزيارة، رتّب اللقاءَ وزيرُ الصحة الأميركي، روبرت إف. كينيدي الابن، وهو والد صهر مارينيو (شقيقة الأخير، المغنّية جوليا بي، المتزوّجة من نجله كونور كينيدي)، الذي قال وقتذاك إنه ناقش مع فانس «تمدّد الجريمة المنظّمة» في ريو دي جانيرو، وصِلات «العصابات» بشبكات دولية، لكنه نفى أن يكون قد تناول، أو شهد، أيّ مفاوضات لتلقّي أموال أميركية مرتبطة بـ«روكبريدج»، علماً أن قانون الانتخابات يحظر على الأحزاب والمرشّحين تلقّي تبرّعات، مباشرة أو غير مباشرة، من كيانات أو حكومات أجنبية. غير أن رجل الأعمال البرازيلي، بيدرو سانغ، الذي بات محور الاتهامات بالوساطة في تحويلات أميركية تلقّتها حملة بولسونارو عبر تلك الشبكة، أكد أن مارينيو هو من قرّبه منها، وذلك بعدما كان المرشّح الرئاسي عن حزب «ميساو»، رينان سانتوس، مع حلفائه، ومنهم النائب السابق آرثر دو فال، وجّهوا إلى سانغ هذه الاتهامات، التي رغم خطورتها، لم تفضِ إلى إلغاء ترشيح قائمة «الحزب الليبرالي».
وبالعودة إلى زيارة مارينيو، فقد أعقبتها زيارة لبولسونارو، الذي التقى ترامب في البيت الأبيض في 26 أيار، برفقة شقيقه إدواردو والمدوّن باولو فيغيريدو، حيث قال إنه ناقش معه ملفات الرسوم الجمركية والمعادن الأرضية النادرة وتصنيف العصابات الإجرامية البرازيلية منظّمات إرهابية، قبل أن يلتقي، في اليوم التالي، فانس وروبيو. وبين هاتين الزيارتَين، أعلنت شركة «يو إس إيه رير إيرث» (USA Rare Earth) الأميركية، المُدرجة في بورصة «ناسداك»، في 20 نيسان، عن صفقة للاستحواذ على «سيرا فيردي» في مقابل 2.8 مليار دولار. و«سيرا فيردي» هي الشركة الوحيدة في أميركا اللاتينية، وخارج آسيا، التي تنتج المعادن الأرضية النادرة المغناطيسية الأربعة، التي تدخل في صناعة المغانط الدائمة ومحرّكات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والهواتف الذكية والروبوتات الصناعية، فضلاً عن صناعات عسكرية من بينها الطائرات المقاتلة والغوّاصات والصواريخ الموجّهة إلى الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة.وسرعان ما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، بقيادة بيت هيغسيث، في 24 آب، عن استثمار بقيمة 750 مليون دولار لتأمين «كربونات المعادن الأرضية النادرة المختلطة» المنتَجة في منجم «بيلا إيما» التابع لـ«سيرا فيردي» -باعتبارها «أساسية للدفاع الوطني والأمن الاقتصادي»-، وذلك ضمن استثمار أوسع بقيمة 1.55 مليار دولار، يهدف إلى تقليص الاعتماد الأميركي على الصين في إمدادات تلك المعادن. ومن ثمّ أُنجزت الصفقة في 3 أيلول، لتنتقل إلى الشركة الأميركية ملكية المنجم الذي بدأ الإنتاج التجاري فيه عام 2024، علماً أن «سيرا فيردي» تتقدّم على منافسيها البرازيليين بفارق واضح، وأنه لا يُتوقّع أن تدخل مناجم المعادن النادرة الأخرى في البرازيل مرحلة الإنتاج قبل عام 2028.
هكذا، تسعى إدارة ترامب إلى استعادة سيطرتها على ثروات أميركا اللاتينية، بوساطة مزيج من الضغط الاقتصادي، والابتزاز التجاري، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية، والتدخل السياسي، والعسكرة، والتهديد بالتدخل المباشر، وبالاستناد إلى البرجوازيات المحلية الخاضعة، وإلى حكومات مستعدّة للعمل كشركاء تابعين لها. على أن هذه العدوانية المتجدّدة، التي يوازيها تقدّم اليمين المتطرف، وتعمّق أزمة التيارات التقدّمية، واشتداد حاجة ترامب إلى عرض «انتصارات» قبل استحقاق الانتخابات النصفية -لا سيما مع تعثر الحرب على إيران حتى الآن-، لا تفتأ تثبّت تناقضاً في فاعلية سياسة «الشرايين المفتوحة»، عنوانه أنه كلّما احتاجت واشنطن إلى اللجوء إلى الإكراه والقوة للحفاظ على هيمنتها هناك، غذّت أكثر فأكثر مقاومة العمال والمضطهدين، وعزّزت التوترات التي تسعى إلى احتوائها، دافعةً بأجيال جديدة إلى التمرّد والمقاومة. وهذا ما بدأ يتجلّى بالفعل في مقاومات قاعدية، كتلك التي تطوّرت في بوليفيا في وجه حكومة رودريغو باز، وعودة الحركة الطلابية في تشيلي ضدّ سياسات التقشّف التي تفرضها حكومة خوسيه أنطونيو كاست، والتعبئة في الأرجنتين ضدّ خطط خافيير ميلي.