أمهات في «ساحة القتال».. أطفال التوحد وعائلاتهم

كُتب هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة في«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية». وهي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه شبكة «فبراير». بعد ولادتها الثالثة بأسبوع واحد فقط، وقبل أن يتعافى جسدها، كانت هدى* تضع وسادة وبطانية على الأرض وتفترشهما سريرًا لها حتى الصباح. لم يكن ذلك تصرّفًا عابرًا. ففي كل مرة تمرض، تترك فراشها وتتمدد خلف الباب، تسنده بجسدها، خشية أن يفتحه أحمد*، طفلها ذو السبع سنوات، ويخرج دون أن تنتبه. رغم إحكام الباب بأكثر من مزلاج، لم يكن ذلك كافيًا لطمأنتها. كانت تحتاج أن تكون هي الحاجز الأخير. يمتلئ منزل هدى بأنصاف أبواب إضافية: أمام المطبخ، وأمام الموقد، وحتى عند مدخل المرحاض. أبواب لا تُفتح إلا بواسطتها. مع كل سنة يزداد فيها طول أحمد، يضيف والده سنتيمترات جديدة إلى ارتفاعها، في محاولة لحمايته من إيذاء نفسه. لم تجازف هدى مرة أخرى. فرغم مرور أكثر من عام، لم تنس تلك اللحظة التي أفلت فيها أحمد من يدها -رغم إحكام قبضتها عليه- وانطلق إلى وسط الشارع. تسمرت في مكانها، عاجزة عن الحركة أو حتى الصراخ. لحسن الحظ، توقفت السيارات خلال ثوانٍ معدودة. قبل أربع سنوات، شُخصت حالة أحمد باضطراب طيف التوحد الشديد (المستوى الثالث)، مع كونه غير ناطق. وكانت هدى التي تسكن في قرية العنانية بمحافظة دمياط، قد بدأت تلاحظ نوبات صراخه المتكررة، وسيره على أطراف أصابعه، ورفرفته بيديه، بالإضافة إلى بلوغه الثالثة من عمره دون أن ينطق بكلمة واحدة. في أول كشف، صارحها طبيب الباطنة بشكوكه، ولاحقًا، أكد طبيب المخ والأعصاب التشخيص. جلس أحمد أمام الطبيب الذي قال له: «أحمد، فين ماما؟ فين بابا؟ خد اللعبة دي.. هاتها يا أحمد»، ولكن حسب هدى فإنه «لم يستجب. لم يلتفت حتى. كأنه ما سمعناش». اضطرابات طيف التوحد هي مجموعة متنوعة من الاعتلالات المرتبطة بنمو الدماغ، وتتميز بصعوبات متفاوتة في التفاعل الاجتماعي والتواصل، كما يشرح تعريف منظمة الصحة العالمية. وقد تصاحب هذه الاضطرابات الصرع والاكتئاب والقلق واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، ويتفاوت الأداء الذهني بشكل كبير بين المصابين بالتوحد وتتعدد تلك الأشكال، فبعض المصابين يمكنهم العيش باستقلالية تامة، فيما قد يحتاج آخرون إلى رعاية مكثفة مستمرة طوال حياتهم. وقد تشمل «أنماطًا غير مألوفة من الأنشطة والسلوكيات مثل صعوبة الانتقال من نشاط إلى آخر والاستغراق في التفاصيل وردود الفعل غير الاعتيادية على الأحاسيس». لا يزال السبب الدقيق لاضطراب طيف التوحد غير معروف، لكن المعهد الوطني للصحة النفسية في الولايات المتحدة يشير إلى أن تداخل العوامل الجينية مع بعض العوامل البيئية قد يؤثر على نمو الدماغ بطرق تؤدي إلى الإصابة. وتشمل هذه العوامل على سبيل المثال، تقدّم سن الوالدين، أو انخفاض وزن الطفل عند الولادة بشكل ملحوظ، أو وجود أشقاء مصابين بالتوحد. كما تفيد منظمة الصحة العالمية بأن بعض العوامل المرتبطة بفترة الحمل، مثل إصابة الأم بداء السكري، أو التعرّض لملوثات الهواء أو للمعادن الثقيلة، قد تُزيد من احتمالية الإصابة بالتوحد. ونتيجة لهذا التداخل المعقّد في الأسباب، لا يوجد حتى الآن ما يضمن الوقاية من التوحد، إذ تعود جذوره إلى مزيج من العوامل الوراثية والبيولوجية. في عام 2021، كان شخص واحد من بين كل 127 شخصًا حول العالم مصابًا بالتوحد، أي نحو 62 مليون إنسان. بين الأطفال، يُقدّر أن كل طفل من 160 طفلًا يعيش ضمن طيف التوحد، فيما يبقى معدل الانتشار في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل غير معروف بدقة. لا توجد إحصائيات رسمية منشورة لعدد الأطفال المصابين بالتوحد في مصر، إلا أن التقدير الرسمي الوحيد جاء على لسان وزيرة التضامن الاجتماعي، نيفين القباج، في 2023، نقلًا عن المركز القومي للبحوث، حيث قدر عدد الأطفال المصابين بالتوحد في مصر بحوالي مليون طفل. لا تتمنى هدى سوى أن يمنحها الله صبرًا يُعينها على مواصلة أيامها، كما تقول، موضحة أن أصعب ما تواجهه في يومها مع طفلها ليس الإرهاق الجسدي، بل نوبات الغضب والصراخ المتكررة، والتي أصبحت لغته الوحيدة للتعبير عن احتياجاته ومشاعره. تقول هدى: «هو لو عطشان يصرخ، جعان يصرخ، لو عايز حاجة من المطبخ يصرخ، عايز حاجة من أخته يصرخ». لم يتحدث الطفل منذ ولادته إلى والديه قط. على مدار سبع سنوات، لم يقل أحمد سوى كلمة «بابا» مرة وحيدة، دون أن يعي معناها. شهور طويلة تمضي على هدى لا ترى فيها الحياة خارج بيتها إلا من خلال شرفتها الصغيرة. تتحدث عن مخاوف مغادرتها المنزل، وعن شعورها بعدم تقبّل المجتمع المحيط، حتى أقرب الناس إليها، لظروف طفلها. تقول: «أنا يعتبر مقاطعة الناس. مابروحش لأهلي. مابروحش لأخواتي. مابروحش لحد أبدًا». عقب تشخيصه، بدأت هدى رحلة علاج طفلها على مدار عامين، داخل أحد مراكز التخاطب وتعديل السلوك التابع لجميعة خيرية شهيرة بمحافظة دمياط. كانت تدفع 1200 جنيه شهريًا مقابل جلسة تخاطب يومية لطفلها، تمتد لثلاث ساعات. وبعد عدة أشهر، خُفّضت الجلسات إلى ثلاث أسبوعيًا مقابل المبلغ ذاته. ارتفاع تكلفة الجلسات، إلى جانب احتياج الطفل إلى ثمانية أنواع من الأدوية يوميًا تبلغ تكلفتها ألفي جنيه شهريًا، دفعا هدى إلى إيقاف جلسات التخاطب، مكتفية بإعطائه الأدوية التي شدد طبيب المخ والأعصاب على ضرورة عدم إيقافها تحت أي ظرف. لدى هدى ثلاثة أبناء بخلاف أحمد، اثنان منهم في مراحل تعليمية مختلفة، فيما لا يتجاوز دخل زوجها الذي يعمل نجارًا باليومية نحو 1800 جنيه أسبوعيًا، إن توافر العمل. وبحسب هدى، لا يجد زوجها فرصة للعمل أغلب أيام الأسبوع، بسبب شح الأعمال في الورشة التي يعمل بها. وتقول هدى: «لما لقيت أن سعر العلاج زاد، مبقتش عارفة أوفّق بين العلاج والتخاطب. الجلسات أقدر استغنى عنها لحد ما ظروفي تتحسن، لكن العلاج مينفعش أوقفه، لأنه للكهرباء على المخ وفرط الحركة». وتلجأ الأسرة في كثير من الأشهر إلى اقتراض المال من الأقارب؛ لتغطية احتياجاتها الأساسية. لم يكن قرار إيقاف الجلسات مدفوعًا بالتكلفة وحدها، بل نابعًا أيضًا من شعور الأم بغياب التحسن الملحوظ. بعد عامين كاملين من جلسات التخاطب، لم يحقق أحمد سوى القدرة على استخدام المرحاض بمفرده، فيما استمرت نوبات الصراخ وفرط الحركة وصعوبة الكلام دون أي تقدم يُذكر. في محاولة أخيرة، لم تكن موفقة أيضًا، اتجهت هدى إلى عيادة التأمين الصحي للطلبة في شطا بمحافظة دمياط، بعدما علمت بوجود جلسات تخاطب مجانية. كانت العيادة تقدّم جلسة واحدة أسبوعيًا لا تتجاوز نصف ساعة. وعلى مدار ثمانية أشهر، لم تُحرز حالة أحمد أي تقدم يُذكر. منذ زيارتها الأولى، شعرت هدى أن النتيجة معروفة سلفًا، إذ فوجئت بقصر مدة الجلسة مقارنة بالمراكز الخاصة، إلى جانب الزحام الشديد. وتقول: «كنا بنقف طابور طويل عشان ندخل الجلسة. كل طفل بيدخل نص ساعة بالدور ويطلع، ولما كنت بسأل الدكتورة فيه تقدم ولا لأ، تقولي لأ مفيش أي تقدم». تتطلب حالة أحمد، بحسب الدكتورة سمر أبو الخير، رئيس مجلس أمناء مؤسسة «قلب الحياة»، جلسات استضافة نهارية، لا جلسات تخاطب فقط، نظرًا لمعاناته من توحد شديد. تصف أبو الخير جلسات الاستضافة النهارية بأنها قد تمتد من ست إلى 12 ساعة يوميًا، يحصل الطفل خلالها على جلسات تخاطب، وتنمية مهارات وتعديل سلوك، وفقًا لاحتياجات حالته، مشيرة إلى أن التحسن الملحوظ لا يبدأ عادة قبل عام على الأقل، وقد يتمثل في استجابة الطفل للأوامر، وتحسّن التواصل البصري، والاستجابة للنداء، مع اختلاف درجة التحسن بين حالات التوحد المتوسط والشديد. وترى أبو الخير أن رحلة التأهيل لا تنتهي عند مرحلة بعينها لأن طفل التوحد يحتاج إلى استمرارية جلسات التخاطب وتنمية المهارات على مدار حياته، بسبب اختلاف متطلبات كل مرحلة عمرية، وسرعة اكتسابه بعض السلوكيات السلبية، ما يجعل التأهيل عملية ممتدة لا تتوقف. خلال جولة أجراها «مدى مصر» قبل نحو عام، استطلع فيها عددًا من مراكز التخاطب في محافظة دمياط، تبين أن متوسط سعر جلسة التخاطب الواحدة يبلغ نحو مئة جنيه، ويحدد عدد الجلسات المخصصة للطفل بثلاث مرات في الأسبوع أو بشكل يومي، بناءً على حالة الطفل. لا توجد إحصائية رسمية مُعلنة تُحدّد عدد المراكز الحكومية المتخصصة في التعامل مع اضطراب طيف التوحد في مصر، لكن وزارة الصحة والسكان أعلنت قبل ثلاث سنوات عن خطط لإنشاء أول مركز متكامل للعلاج النفسي، متخصص في التوحد، إلى جانب اعتزامها افتتاح 19 مركزًا آخر خلال السنوات الخمس المقبلة في مختلف المحافظات. وفي الوقت نفسه، أطلقت الوزارة مبادرة الكشف والتدخل المبكر لاضطرابات طيف التوحد، والتي ترتكز على تطبيق المسح والكشف المبكر، وذلك بالتزامن مع افتتاح مركز علاج طيف التوحد بمستشفى العباسية للصحة النفسية وعلاج الإدمان، بالتعاون بين وزارتي الصحة والسكان والتضامن الاجتماعي، ضمن تطوير البرنامج المصري للتدخل المبكر للأطفال المصابين بهذا الاضطراب. كانت هدى تأمل أن ترى تحسنًا في حالة أحمد، حتى إن طال الوقت، إذ أخبروها في المركز أن حالته تحتاج إلى وقت طويل قبل ملاحظة تقدم ملموس. إلا أن أحمد لم يحصل على أي جلسات تخاطب منذ أكثر من عام. على مدار اليوم، تحاول هدى إشغال عقل أحمد بمصطلحات تتعلق بكل شيء في حياتهم اليومية، حتى يعتاد حفظها، رغم أنه لا يستطيع نطقها. يقضي ساعات طويلة معها أثناء تحضير الطعام، وترتيب المنزل، والتنظيف. «ده رز يا أحمد، دي شعرية، دلوقتي هنحمر الشعرية، وهنعمل بطاطس، شوف بنرتب السرير إزاي». يتفاعل معها أحمد أحيانًا، مقلدًا حركاتها خطوة بخطوة، لكن في بعض الأحيان قد لا يستجيب. بمرور الوقت، بدأ أثر هذا الروتين يظهر تدريجيًا. أصبح أحمد قادرًا على تبديل ملابسه بمفرده، بالإضافة إلى تنفيذ بعض مهام العناية الذاتية البسيطة بمساعدة والدته. تُنفذ هدى هذا الروتين بناءً على نصيحة الطبيب الذي شدّد على أهمية تكرار الكلمات والمصطلحات اليومية لتطوير وعيه وفهمه للمحيط. أثناء حضوره جلسات التخاطب، لم تكتفِ هدى بما يتلقاه الطفل داخل المركز، بل كانت تواصل معه التدريب في المنزل يوميًا، بناءً على نصائح الأطباء. تجلس إلى جواره، وبين يديها كتيب صغير يحمل صورًا وأسماءً لفواكه وأدوات منزلية، تردد الأسماء ببطء وتكرّرها عليه مرارًا، إلى جانب ألعاب بسيطة، مثل ترتيب الأشكال الملونة أو لوحة «الدبابيس» التي يُكون من خلالها أشكالًا مختلفة. لم يكن الطريق سهلًا، فقد كان أحمد يحتاج إلى شهر ونصف وأحيانًا إلى شهرين، ليتعرّف على نوع فاكهة واحدة أو أداة منزلية واحدة. تتحمّل هدى نوبات غضب أحمد وضرباته المتكررة بصبر لافت وطيب خاطر. لم تفهم في البداية سبب توجيه غضبه إليها وحدها، حتى أخبرها الطبيب أن الطفل يعتبرها مصدر أمانه، ويثق بأنها لن تؤذيه. تقول أبو الخير إن كثيرًا من الأمهات يحتجن إلى وقت لاستيعاب تشخيص أبنائهن، إذ تمرّ بعضهن بمرحلة صدمة تسبق التقبل. وتُرجع أبو الخير ذلك إلى نقص الوعي المجتمعي، وما يرافقه من اتهامات تُلقى على عاتق الأم فور إخبار المحيطين بمرض طفلها. تتمثل تلك الاتهامات في الإفراط في التدليل، أو الإفراط في مشاهدة التليفزيون، أو عدم اتباع طرق تربوية صحيحة. تؤكد أبو الخير أن هذه الاتهامات لا تمت لاضطراب طيف التوحد بصلة. وتُشدد على أن التشخيص والتدخل المبكرين يظلان العامل الأهم في تحقيق تقدّم ملحوظ. فكلما بدأت رحلة التأهيل في عمر مبكر، كانت فرص التطور أفضل. وتضيف أبو الخير أن الأمر لا يتوقف عند الطفل وحده. فالأم نفسها تحتاج إلى دعم نفسي موازٍ، لأن قدرتها على التقبّل تنعكس مباشرة على مسار العلاج. لذا تُخصص في عيادتها جلسات دعم جماعي للأمهات، وأحيانًا جلسات فردية للحالات الأكثر احتياجًا، لمساعدتهن على تجاوز الصدمة وبناء علاقة أكثر وعيًا مع أطفالهن. شبّه بعض الباحثين الضغط النفسي الذي تتعرض له الأمهات اللاتي يرعين أطفالًا من ذوي التوحد بما يعيشه الجنود في ساحات القتال. في عشر دول عربية -من بينها مصر-، حاولت دراسة تتبّع هذا الأثر النفسي بين نحو 3300 من أولياء الأمور ومقدمي الرعاية لأطفال مصابين باضطراب طيف التوحد، ووجدت أن هؤلاء الآباء يعانون تدني جودة الحياة وزيادة خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية. بحسب أبو الخير، يحتاج طفل التوحد إلى متابعة مستمرة تشمل جلسات التخاطب، وتنمية المهارات، وتعديل السلوك، بالإضافة إلى برامج التكامل الحسي، ورعاية الذات عند الحاجة. كما تشمل الرعاية أيضًا المواد التعليمية داخل المدارس، لمساعدة الطفل على تجاوز الصعوبات النمائية المختلفة وتحقيق تقدم ملموس في حياته اليومية. في أغسطس 2017، أصدر وزير التربية والتعليم في حينه، طارق شوقي، قرارًا وزاريًا يسمح بقبول الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة البسيطة بالتعليم العام. يُطبق نظام الدمج داخل الفصول النظامية في المدارس الحكومية والخاصة، إضافة إلى مدارس الفرصة الثانية والمدارس الرسمية للغات، مع التأكيد على حق الطالب في الانضمام إلى أقرب مدرسة لمحل إقامته، وبما يختاره ولي أمر الطفل في إلحاق طفله بمدرسة دامجة أو مدرسة تربية خاصة. نظرًا لاختلاف حالة أحمد عن ذوي الاحتياجات البسيطة، رفضت مدرسة حكومية قريبة من منزله قبوله، دون حتى أن تطلب إجراء اختبار ذكاء للطفل. لجأت هدى حينها إلى مدرسة التربية الفكرية في دمياط، والتي قبلت أحمد، لكن بعد اليوم الدراسي الأول من عامه الأول، طُلب من الأم إحضار الطفل يومين أسبوعيًا بدلًا من خمسة، نظرًا لصعوبة السيطرة عليه. في الأسبوع الأول، ذهب أحمد بحقيبته فارغة. وفي الأسبوع الثاني، طلبت المدرسة من الأسرة إحضار ثلاث كراسات لدمجه داخل الفصل الدراسي. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى أُصيب أحمد بعدوى فيروسية في المدرسة، وساهم ضعف مناعته في سرعة انتقالها إليه، فقررت هدى منعه من العودة إلى المدرسة مؤقتًا. في روايته المؤلمة «أين نذهب يا بابا»، يصف الكاتب الفرنسي جون لوي فورنييه حزنه على صعوبة تعليم ماثيو، أحد طفليه من ذوي الاحتياجات الخاصة، في تجربة ثقيلة عاشها كأب: «لن يكون بوسع ماثيو القراءة أبدًا، حتى لو كانت الحروف على الصفحات قد أصبحت أكثر وضوحًا، فستظل مبهمة دومًا في ذهنه. لن يعلم قط أن كل الكتابة الدقيقة تلك التي تُغطي صفحات الكتب تقص علينا حكايات، وبوسعها أن تنقلنا إلى مكان آخر». وفقًا لنصيحة الأطباء، يجب على هدى المواظبة على إرسال طفلها إلى المدرسة، حتى إن لم يُظهر تجاوبًا فوريًا مع التعليم، لأن الاختلاط بأطفال آخرين قد يساعده تدريجيًا على تطوير استجابته الاجتماعية على المدى الطويل. داخل البيئات التعليمية، يُظهر الأطفال المصابون بطيف التوحد، حتى في الحالات الشديدة، قدرة على تحقيق تقدّم ملحوظ، خاصة مع التدخل المبكر. كشفت نتائج إحدى الدراسات أنه بعد عام من الالتحاق بالفصل الدراسي، أحرز جميع المشاركين تقدمًا ملموسًا في مختلف مجالات النمو، مع بروز التأثير بشكل أكبر لدى الأطفال الذين شُخصوا في سن أصغر. أظهر هؤلاء انخفاضًا ملحوظًا في صعوبات التواصل والوعي، والاهتمامات المحدودة، والسلوكيات المتكررة، إلى جانب تحسن واضح في مهارات التكيف الحركي، كما لوحظ تقدّم في قدراتهم على التسمية والتعبير. ما زالت هدى تحلم بأن يُمنح طفلها فرصة للتعلم، لكن عليها أولًا تقوية مناعته حتى يستطيع الصمود في المدرسة، بعدما أخبرها الطبيب بضعفه الشديد. كذلك تقف ظروفها المادية عائقًا أمام توفير الأطعمة الغنية بالبروتين ومنتجات الألبان التي يحتاجها أحمد. تنتظر هدى استخراج معاش «كرامة» بعد أن علمت بأحقيتها فيه من أحد جيرانها، على أمل أن يخفّف عنها أعباء حياتها اليومية ويساعدها على تلبية احتياجات الأسرة. فقد تقدمت فورًا بطلب المعاش على الإنترنت، وخضع طفلها للفحص والإجراءات اللازمة، التي تستغرق عادة مدة تتراوح بين أسبوعين وشهر، فيما لا تزال هدى تنتظر صدور النتيجة النهائية لتحديد أحقيتها للمعاش. تقدم وزارة التضامن الاجتماعي معاشًا يبدأ من 450 جنيهًا شهريًا للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من مستفيدي برنامج «كرامة»، شريطة ألا تزيد أعمارهم عن 18 سنة، وبحد أقصى ثلاثة أطفال في الأسرة الواحدة، وفق شروط من بينها ألا يكون للأسرة دخل شهري ثابت. ترافق هدى مخاوفها في كل يوم، وهي تتخيل سنوات طفلها القادمة، وتتساءل إن كان سيكون قادرًا على مواجهة أيامه والاعتماد على نفسه أم سيجد نفسه وحيدًا، في مجتمع لا يعرف الاختلاف. *أسماء مستعارة بناءً على رغبة المصدر.The post أمهات في «ساحة القتال».. أطفال التوحد وعائلاتهم first appeared on Mada Masr.