لم يعد التهديد الحوثي مجرد فصل من فصول الصراع اليمني، بل أصبح اختبارًا مباشرًا لقدرة المنطقة على حماية أمنها من ميليشيا مسلحة تجاوزت تهديداتها حدود اليمن، وامتدت مخاطرها إلى أمن المملكة العربية السعودية والمنشآت الحيوية والممرات البحرية التي تتوقف عليها مصالح المنطقة والعالم، وحين يتحول السلاح إلى أداة لتهديد الدول واستهداف المنشآت المدنية وتعطيل حركة الطيران والملاحة، فإن الاكتفاء بإدانة الاعتداءات أو احتواء كل أزمة على حدة لم يعد كافيًا، بل تفرض الضرورة مراجعة الإستراتيجية القائمة، والبحث عن مسار يضع حدًا لقدرة هذه الميليشيا المارقة على فرض إرادتها بالقوة، ويعيد لليمن دولته وسيادته، ويمنع تحويل موقعه الإستراتيجي إلى مصدر تهديد لأمن الخليج واستقرار المنطقة، ومن هنا يبرز السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل: ألم يحن الوقت لإنهاء ظاهرة الميليشيا الحوثية بوصفها قوة مسلحة تنازع الدولة اليمنية سلطتها، وتهدد أمن جيرانها، وتستخدم الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط على المنطقة والعالم؟.
لقد جاءت التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الساعات الماضية لتضع أمن المملكة العربية السعودية في صدارة المشهد، وتمنح هذا السؤال أهمية مضاعفة، فقد كشفت الهجمات التي طالت منشآت حيوية، عن خطورة استمرار التهديدات التي تستهدف أمن المملكة وسلامة أراضيها، وما تنطوي عليه من مخاطر على المدنيين والمنشآت المدنية وشبكات النقل والملاحة الجوية، ولا يمكن النظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها مجرد تطورات عسكرية عابرة في سياق صراع إقليمي، بل بوصفها تصعيدًا يستوجب موقفًا حازمًا يضع حماية الأرواح والمنشآت الحيوية في مقدمة الأولويات، ويحول دون اتساع دائرة التهديد، فالمملكة بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة محورية في استقرار المنطقة، لا ينبغي أن تظل منشآتها الحيوية عرضة لتهديدات متكررة من جماعات إرهابية تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، فلم يعد التحدي مقتصرًا على التصدي لكل هجوم عند وقوعه، بل تؤكد هذه التطورات أهمية تعزيز وحدة الصف الخليجي وتكامل القدرات الدفاعية لدول مجلس التعاون، بما يرسّخ منظومة أمن خليجي مشترك قادرة على ردع التهديدات والتصدي لها بحزم وفاعلية، فأمن المملكة جزء لا يتجزأ من أمن الخليج، وأمن دوله ومصالحها الإستراتيجية مسؤولية تتطلب أعلى درجات التنسيق والتضامن، وصولًا إلى موقف خليجي موحد يجعل من استهداف أي دولة عضو تهديدًا لأمن المنظومة الخليجية بأسرها، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن تماسك دول الخليج وتكامل قدراتها يشكلان سدًا منيعًا أمام كل من يحاول المساس بأمنها أو زعزعة استقرارها.
إن خطورة استهداف المطارات تتجاوز الأضرار المباشرة والخسائر البشرية، مهما بلغت جسامتها، لتمتد إلى الثقة بأمن السفر، وانتظام حركة النقل الجوي، واستقرار الأنشطة التجارية والاستثمارية. فالمطارات ليست مجرد مرافق خدمية، بل شرايين حيوية للاقتصاد الوطني، وبوابات إستراتيجية تصل المملكة بالعالم، وتدعم مكانتها مركزًا إقليميًا ودوليًا للأعمال والسياحة، فضلًا عن دورها المحوري في استقبال ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين. ومن ثم، فإن المساس بهذه المنشآت لا يستهدف مرفقًا مدنيًا فحسب، بل يطال مصالح اقتصادية وإنسانية واسعة، ويضع سلامة المدنيين وأمنهم في صميم المسؤولية المشتركة. وهو ما يستدعي تعزيز التنسيق والتكامل بين دول الخليج لحماية المنشآت الحيوية، وترسيخ منظومة أمنية مشتركة قادرة على إحباط التهديدات، وصون استقرار المنطقة، والتصدي بحزم لكل محاولة تستهدف أمن دولها أو مقدرات شعوبها.
ولا ينبغي أن تقود هذه التطورات إلى الخلط بين الشعب اليمني، الذي أنهكته سنوات الحرب والفقر وانهيار الخدمات، وبين جماعة الحوثي الإرهابية التي اختطفت قرار الدولة، وفرضت منطق السلاح على مؤسساتها، وأبقت قرار الحرب والسلم خارج إطار الإرادة الوطنية، فاليمنيون هم أول ضحايا هذا الواقع، وهم الأحق باستعادة دولتهم ومؤسساتهم وقرارهم الوطني، والعيش في ظل دولة تحمي مواطنيها، وتصون سيادتها، وتدير علاقاتها مع جيرانها على أساس حسن الجوار والمصالح المشتركة، إن مواجهة التهديد الحوثي لا تعني استهداف اليمن أو تحميل شعبه تبعات ممارسات الجماعة، بل تقتضي مساندة اليمنيين في استعادة وطنهم من قبضة الميليشيا، وهي مسؤولية لا يمكن أن تظل معلقة على الجهود الخارجية وحدها؛ إذ إن تحركًا وطنيًا يمنيًا واعيًا وموحدًا، يستند إلى إرادة شعبية واسعة، ويجمع القوى الوطنية الرافضة لهيمنة السلاح، يمثل ركيزة أساسية لمحاصرة نفوذ الحوثيين وإنهاء سيطرتهم على مؤسسات الدولة، واستعادة القرار الوطني المختطف، فاليمن لن يستعيد عافيته ما دامت ميلشيا الحوثي تحتكر إرادته وتجرّه إلى صراعات لا تخدم مصالحه، ولن يتحقق أمنه واستقراره إلا باستعادة الدولة، وتوحيد مؤسساتها، وإخضاع السلاح لسلطتها الشرعية، بما يفتح الطريق أمام سلام حقيقي يعيد لليمن مكانته، ويؤسس لعلاقات راسخة مع محيطه الخليجي تقوم على الأمن المتبادل والاستقرار والمصير المشترك.
لقد أثبتت التجارب الإقليمية أن ترك الجماعات المسلحة تحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة عن الدولة لا ينتج استقرارًا دائمًا، بل يخلق واقعًا هشًا تتكرر فيه دورات التصعيد من دون معالجة أسباب الخطر، وقد تبدو التفاهمات المؤقتة ضرورية لخفض التوتر وفتح المجال أمام المفاوضات، لكنها تفقد قيمتها إذا تحولت إلى غطاء لاستمرار بناء القدرات العسكرية وإعادة استخدامها عند أول خلاف، والدرس الأهم هنا أن وقف إطلاق النار، على أهميته، ليس بديلًا عن تسوية سياسية تعيد القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة، ولا يمكن أن يكون السلام مستدامًا فيما تظل الأسلحة بعيدة المدى خارج سلطتها، وقادرة على تهديد الدول المجاورة والممرات الدولية.
إن التعامل مع التهديد الحوثي يحتاج إلى الانتقال من سياسة الاستجابة المتكررة إلى إستراتيجية شاملة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتحدد أهدافًا واضحة ومحددة، وتربط أي تهدئة بضمانات واضحة تحول دون تجدد الاعتداءات، فالردع ليس غاية مستقلة، ولا يعني الانزلاق إلى حرب مفتوحة بلا أفق سياسي، وإنما هو وسيلة لحماية السكان والمنشآت، ورفع كلفة الاعتداءات، ومنع الجماعة من الاعتقاد بأن استهداف المملكة يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط تحقق مكاسب سياسية، وفي المقابل، لا تستطيع الدبلوماسية أن تؤدي دورها ما لم تستند إلى موقف إقليمي متماسك، وإرادة دولية واضحة، وإجراءات عملية تمنع استمرار التهديد، وفي هذا السياق لسنا في حاجة الى إطلاق مبادرة دبلوماسية جديدة تُضاف إلى سجل المبادرات السعودية والجهود الإقليمية والدولية التي بُذلت على مدى سنوات، ولا في استصدار قرارات أممية أخرى تظل حبيسة النصوص ما لم تقترن بآليات فاعلة لتنفيذها؛ فقد قدمت المملكة مبادرات متعاقبة لإيجاد تسوية سياسية للأزمة اليمنية، وصدرت قرارات دولية عديدة تؤكد ضرورة إنهاء الصراع والالتزام بمرجعيات الحل السياسي، لكن الميليشيا الحوثية واصلت تحدي هذه الجهود، والتنصل من الالتزامات، والتعامل مع القرارات الدولية وكأنها خيارات انتقائية لا استحقاقات واجبة التنفيذ.