أمن البلاد أمانة في أعناق الجميع – فائز بن سلمان  الحمدي

ليس الوطن، عند من استبان قدر الأوطان واستقر في وجدانه معنى الانتماء، رقعةً من تراب تحدّها خطوط الخرائط وتنتهي دلالتها عند تخوم الحدود؛ وإنما هو سكينةٌ تستقر في الضمائر، وحرمةٌ تُصان بها الدماء، وطمأنينةٌ تظلّل البيوت، وأمانٌ تنتظم به شؤون الحياة. هو أن تفتح الأم عينيها على أبنائها مطمئنة، وأن يمضي الأب إلى عمله دون هاجس، وأن يخرج العامل إلى رزقه وهو واثق أن ما بناه عمرًا لن يتحول في لحظة إلى أثر بعد عين. والوطن، في أعمق معانيه، أرضٌ تأمن فيها النفوس، ودارٌ تستظل بالسكينة، وإنسانٌ يأمن على نفسه وأهله وماله وغده. وإذا كان الأمن بهذه المنزلة، فإن فقدانه لا يسلب الإنسان طمأنينته فحسب، بل ينغّص عليه نعيم الدنيا كلها؛ إذ يحوّل السعة ضيقًا، والليل أرقًا، والحياة ترقّبًا، ويجعل الإنسان عاجزًا عن الاستمتاع بما بين يديه مهما اتسعت أسباب الرزق. ومن أجل ذلك قرن الله سبحانه الأمن بالرزق في كتابه العزيز، فقال: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبِه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». فالأمن، وإن كان معنىً لا تدركه الأبصار ولا تمسكه الأيدي، من أجلّ النعم التي تستقيم بها الحياة؛ إذ لا يهنأ الإنسان بسعة الرزق إذا أقضّ مضجعه الخوف، ولا تستقيم عمارةٌ إذا كانت النفوس مترقبةً للخطر. ولهذا لم تترك الشريعة أمر الأمن لموازين الأهواء، بل أقامت حول الإنسان سياجًا من الحرمة لا تنقضه الخصومات، فصانت الدماء، وحرّمت الأعراض، وحفظت الأموال. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».

ومن هذه الحرمة تتحدد حدود الخصومة؛ فلا تكون الدماء وقودًا للنزاعات، ولا الأموال غنائم لمن غلب، ولا الأعراض ميدانًا للانتقام، ولا المدنيون وقودًا لصراعات المتصارعين. وقد قال الله تعالى: «وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ». فالحق لا يتبدل بتبدل الرايات، والظلم لا يصير عدلًا لمجرد أن صاحبه أسبغ عليه من الشعارات ما يتوهم به تبريره.

وفي أزمنة الفتن تشتد الحاجة إلى هذا الميزان؛ لأن الغضب إذا استولى على العقل أعمى بصيرته، والخصومة إذا استحكمت في النفس جعلت المرء يرى زلل خصمه ويغفل عن الله. ولذلك جاء الخطاب الإلهي حاسمًا لمادة الهوى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. فالعدل عبادة تتجلى حقيقتها حين تختلف النفوس وتتباين المواقف؛ إذ يستطيع المرء أن يدافع عن حقه، ويرفض الباطل، ويخاصم في الحجة، دون أن يستدرجه الخلاف إلى مجاوزة حدود الله أو انتهاك حرمة الإنسان. وإذا كانت حرمة الدماء والأعراض والأموال عامةً في الناس جميعًا، فإن لمكة المكرمة في وجدان المسلم منزلةً تضيق عنها العبارة؛ فهي البلد الذي وصفه الله بالأمن، فقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}. وفيها البيت العتيق الذي رفع إبراهيم عليه السلام قواعده، ودعا لأرضها بقوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا}. وهي قبلة المصلين، ومثابة الناس، والبلد الذي تهفو إليه أفئدة المؤمنين من مشارق الأرض ومغاربها. ومن هنا، فإن صيانة أمن المملكة العربية السعودية، وحماية مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتأمين الحجاج والمعتمرين والزائرين، تتجاوز في دلالتها حدود الجغرافيا؛ إذ تتصل ببلدٍ تتعلق به قلوب المسلمين في أقطار الأرض. فحين يُصان أمن المملكة، لا تُصان أرضٌ ومجتمعٌ ومصالح فحسب، بل تُصان كذلك بيئةٌ يقصدها الملايين، وتُؤدّى فيها شعائر عظيمة، وتتصل بها مصالح دينية وإنسانية واقتصادية تتجاوز حدودها.

وفي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، لا تبقى اضطرابات المنطقة محصورةً بالضرورة في مواضع نشوئها؛ إذ قد يمتد أثرها إلى أمن الدول، وسلامة الملاحة، وحركة التجارة، وطمأنينة الناس. وفي هذه الأيام تتوالى الأخبار من جهاتٍ شتى، محمّلةً بمشاهد لا تخطئها الأبصار، وأصواتٍ لا تخفى على الأسماع؛ سماءٌ يمزّق سكونها هدير الطائرات، وإنذاراتٌ تشق هدوء المدن، وسفنٌ تمخر عباب البحر وهي تتحسّب لتقلّبات المشهد، ووجوهٌ معلّقةٌ بالشاشات، تستشرف ما تخبئه الساعات من مجهول. وما تشهده المنطقة من حول المملكة والبحر الأحمر من اضطرابٍ متعاقب، وما صحبه من اعتداءات طالت المملكة وتهديدات مست الملاحة، يكشف عِظم الأمانة الملقاة على عاتق الدولة: أمانة أن تصون أمنها وسيادتها، وتحمي مواطنيها ومقدراتها، وتقف في وجه الخطر بثباتٍ لا تزعزعه العواصف، وبصيرةٍ لا تستدرجها ضوضاء اللحظة، مع إبقاء منافذ السلام مفتوحةً ما وجدت إليه سبيلًا.

وهنا تتجلى مسؤولية الدولة في صورتها الأوسع؛ فحماية الوطن لا تعني مجرد مواجهة الخطر حين يقع، وإنما تعني أيضًا حسن تقدير مآلاته، والاستعداد له، والعمل على منع اتساع دائرته. فالدفاع عن الوطن حقٌّ مشروع، والسعي إلى السلام مسؤولية، وكلاهما يلتقي عند غاية واحدة: حماية البلاد، وصيانة الإنسان، والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع.