أمل رمسيس عن قافلة «بين سينمائيات»: طول ما إنت لوحدك، الأفكار بتتحرك بصعوبة

ذات صباح ربيعي مشمس من شهر أبريل، استقبلتني أمل رمسيس في صالة منزلها بوسط القاهرة. كانت تعد القهوة في المطبخ بينما أتأمل الأشياء من حولي. كل التفاصيل هنا مألوفة: البلكونة المفتوحة على مشهد بعيد لقلعة صلاح الدين، النور الذي يلف المكان فتسبح فيه الكنبات والكراسي الملونة واللوحات الصغيرة على الجدران، والذكريات أيضًا. في هذا المكان -ياما اتجمعنا- وعلى هذه الكنبة في المنتصف صورنا مشهدًا من فيلم إحدانا، وفي تلك الغرفة المفتوحة على البلكونة جلسنا أنا والبنات نتجادل حول ثيمات مشاريع الأفلام ونحاول رسم صورة للقطة الأولى! كل تفصيلة في هذا البيت تعبر عن علاقة ممتدة بأمل رمسيس، ترجع رسميًا إلى عام 2019 حين انضممت إلى ورشة القطْع الأوَّلي، ثم ترسّخت في 2020 عام انضمامي للدفعة الثانية من ورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي لقافلة بين سينمائيات، ولم تنقطع منذ ذلك الحين. غير أن معرفتي باسم أمل رمسيس كشخصية ملهمة تمتد إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة، إلى أواخر التسعينيات حين كانت عضوًا بارزًا في مركز «معًا» المتخصص في دراسات المرأة، الذي أسهمت في تأسيسه بمشاركة المخرجة عرب لطفي عام 1992، قبل أن تتجه إلى دراسة الإخراج في سيبتيما آرس، المدرسة الدولية للسينما والتلفزيون بمدريد عام 2002، لتتخرج فيها عام 2005 وتؤسس قافلة بين سينمائيات، بينما تواصل صنع أفلامها: بس أحلام (2005)، ممنوع (2011)، أثر الفراشة (2015)، تأتون من بعيد (2018). لا تبدو أمل رمسيس، خريجة كلية الحقوق جامعة عين شمس، نموذجًا أحادي الوجه لمخرجة سينمائية أو مؤسِّسة لمبادرة تدريبية. هي أقرب إلى ذلك الخليط الذي يجمع محامية تصنع الأفلام، متخصصة في التنقيب عن أثر النساء وخلق الفرص لإطلاق أصواتهن، مؤمنة بأن في تضامنهن تكمن القوة الحقيقية وحريتهن. انطلقت قافلة بين سينمائيات عام 2008 على شكل مبادرة عروض متنقلة لأفلام تصنعها النساء في العالم العربي وأمريكا اللاتينية مترجمة بالعربية والإسبانية في قافلة جوالة، ضمت القاهرة، حيث «مهرجان القاهرة لسينما المرأة العربية واللاتينية»، وهي المبادرة التي اتسعت بعد خمس دورات عام 2013 لتنطلق الدورة الأولى لـ«مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة» الذي ضم أفلامًا لمخرجات من حول العالم، مع الإبقاء على عروض القافلة الجوالة بين المدن عبر القارات. لكن في 2018 اقتحمت القافلة بُعدًا جديدًا منتقلة من عروض الأفلام إلى ورش صناعة الأفلام، لتنطلق في 2019 الدورة الأولى لورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي في القاهرة ومدتها عام، المستمرة حتى اليوم، كما امتدت إلى طرابلس لبنان عام 2025 في نسختها اللبنانية الأولى. هذا إلى جانب عدد آخر من الورش والبرامج الأقصر زمنًا، مثل ورشة القطْع الأوَّلي، التي انطلقت عام 2018 وهي ورشة استشارية للأفلام في مراحل المونتاج الأولى تقدم منحة مالية لدعم مشروع فيلم واحد، وبرنامج الاستشارات الفنية الذي يقدم استشارات فنية لمشاريع الأفلام التسجيلية والروائية في أي مرحلة من مراحل الإنتاج ويفتح ثلاث مرات خلال العام منذ 2024، وغيرها من البرامج والتعاونات المؤقتة وكذلك عروض الأفلام. لم أكن قد ضغطت على زر التسجيل بعد، كنت أوضح لها طبيعة الحوار وكيف يمكننا معًا أن نوثق الإلهام في تجربة «قافلة بين سينمائيات»، حين باغتتني أمل: «خلاص هانكمل 20 سنة…»، تأملت وقع عبارتها، وفكرت، ما الأكثر إلهامًا من مرور عقدين كاملين على مبادرة مستقلة دون أن تفقد استقلالها. بوستر الدورة الأولى لمهرجان القاهرة لسينما المرأة العربية واللاتينية عام 2008 أمل.. بدأنا التسجيل، تقولين إن عُمر قافلة بين سينمائيات اقترب من العشرين.. لماذا كان هذا أول ما خطر ببالك؟ «أيوة… واحنا بنبتدي في 2008 ماكناش نتخيل أبدًا إننا ممكن نكمل 20 سنة!»، كانت فكرة الاستمرار صعبة جدًا وسط كل الظروف التي نعمل في ظلها. لماذا؟ لم يتوافر للقافلة أبدًا دعم مالي ثابت يضمن تصميم خطة طويلة المدى. نعمل وفق خطة عام واحد دون التأكد من إمكانية الاستمرار لعام آخر. لا أحد من فريق القافلة يعمل بدوام كامل والحجم الأكبر من النشاط تطوعي. كل هذه عوائق تجعل توقع الاستمرار صعبًا. لكنني مؤمنة أننا هنا الآن بفضل مجموعة «ستات» يعتبرن القافلة مشروعهن، وهو ما ينعكس في طريقة تصميم وتنفيذ برامجنا. فنحن لا نخطط لمشاريعنا وفق إمكانية توافر الدعم المالي أو حجمه أو اتجاهه، وإنما وفق رؤيتنا لضرورة المشروع: ما الذي نحتاج إلى عمله؟ ما طريقة تنفيذه؟ ماذا ينقصنا؟ كيف يمكننا التطوير؟ وعلى هذا الأساس نبدأ البحث عن الموارد. المبدأ هو أن عدم توافر الدعم لا يعيقنا عن تنفيذ المشروع بطريقة أو بأخرى. هذا هو ما ساعد القافلة على النمو، وهو أيضًا ما جعل الرحلة ليست سهلة، لكنها ممكنة. هل تتذكرين ما الذي دفعك عام 2008 إلى بدء كل هذا؟ كنت قد عدت من إسبانيا حيث درست السينما، وكان يشغلني أمران في آنٍ واحد: السينما من جهة، والعمل على قضايا المرأة من جهة أخرى، إذ كنت جزءًا فاعلًا من مركز دراسات المرأة «معًا». فكرة أن يتشكل نوع من التضامن يدافع عن حق النساء في التفكير والتخيل وصنع السينما كانت بالنسبة لي بالغة الأهمية. هذان الشغفان التقيا في مشروع واحد. في 2005 شاركت بفيلم «بس أحلام» في مهرجان بكوبا، وهناك اكتشفت أن فيلمي كان الفيلم العربي الوحيد المعروض، فقط لأنه مترجم إلى الإسبانية. وقتها أدركت أن اللغة نفسها كانت تعيق التواصل المباشر بيننا وبين أمريكا اللاتينية. فتساءلت: لماذا لا نتعرف على بعضنا بشكل مباشر؟ حين عدت إلى مصر في 2007، كان أول ما فعلته أسبوع أفلام إسبانية، اخترت فيه 12 فيلمًا من الخمسينيات حتى ذلك الوقت، روائية وتسجيلية من أهم ما شاهدته وأثر في لغتي السينمائية. اشترطت على المركز الثقافي الإسباني أن يموّلوا الترجمة العربية، لأنني لم أكن لأعرضها بالإنجليزية، وأن تتنقل العروض بين القاهرة والإسكندرية والمنيا وأسوان. وفي العام نفسه دعيت مهرجان سينما المرأة الإسباني ليعرض أفلامه هنا. في 2008 بدأت تتبلور فكرة القافلة. في النهاية أنا من النوع الذي إذا شاهد فيلمًا يحبه يريد أن يشاركه الناس، كنت أعود من إسبانيا محملة بأقراص أفلام لأصدقائي. القافلة في جوهرها امتداد لهذا. حديثك عن العمل وفق الاحتياج والرؤية لا وفق توافر التمويل يستدعي التفكير في الكثير من المحاولات، ليس فقط على مستوى البرامج والمشاريع، بل وحتى في صناعة الأفلام، التي تتعثر لأسباب تتعلق بالدعم، كيف تفهمون في القافلة مسألة الدعم؟ منذ البداية لدينا مجموعة من المبادئ والمرتكزات الأساسية. أولها أننا غير مرتبطين بأي أجندات، بمعنى أننا لا نصمم مشروعاتنا وبرامجنا بناءً على اتجاهات وأولويات مؤسسات الدعم، بل وفق ما نرى أن هناك ضرورة واحتياجًا للعمل عليه، ثم يأتي دور البحث عن كيفية التنفيذ. ومبدأ آخر أساسي هو أنه لا يجوز العمل على أي مشروع أو مع أي جهة أو برنامج له أي صلة من قريب أو بعيد بإسرائيل. كما نحرص على أن تتسم جهات الدعم التي نتعاون معها بالمرونة، وأن تتيح حرية العمل بناءً على فهم عميق للمشروع. نحن محظوظون بالعمل مع جهات لا تتعارض مع هذه المرتكزات، فمنذ 2013 بات تعاوننا الأكبر مع مؤسسة في إقليم الباسك معروفة بدعمها الراسخ للقضية الفلسطينية، وتتحدث عن فلسطين بعبارة «الأراضي الفلسطينية المحتلة»، وهو ما لا يحدث في أي مكان آخر بأوروبا. هذا التعاون أسهم بمعنى ما في ألا تتعارض الجهات الممولة لبرامجنا مع الخطوط الحمراء التي وضعناها لأنفسنا. ومن بين هذه الخطوط الحمراء أيضًا أن مسألة الدعم ليست مطلقة، فثمة حدود لحجم الدعم الذي يمكننا السعي للحصول عليه. برنامج يعمل على قضايا المرأة لسنوات طويلة كبرنامجنا قد يكون جذابًا لمؤسسات مانحة وفرص دعم مختلفة، لكن مع هذه الجاذبية تكمن خطورة حقيقية في أن يكون حجم الدعم المالي أكبر بكثير من حجم المشروع نفسه. قبل سنوات أتيحت لنا فرصة التقدم لجهة رأت أن مشروعنا سيحظى بالأولوية، غير أن الميزانية المطلوبة للتأهل للمنحة كانت لا تقل عن 500 ألف يورو. بالنسبة لنا كان هذا مبلغًا خرافيًا، فقررنا ألا نتقدم. حين تحصل على أموال أكبر بكثير من حجم المشروع ومن إيقاع تطوره، فإن ذلك يفتح الباب أمام الفساد. ما يشغلنا دائمًا هو أن يتناسب حجم الدعم مع طبيعة المشروع والمرحلة التي يمر بها. نحن نتطور تدريجيًا وفق احتياجاتنا كجماعة، لا وفق حجم التمويل المتاح. فالقافلة بالنسبة لنا ليست مشروعًا اقتصاديًا، بل مشروع نساء يحاولن خلق واقع مختلف للسينما في مصر والعالم العربي، لذلك نتعامل بحذر مع نوع الدعم ومصدره وحجمه، حتى لا نفقد استقلاليتنا أو البوصلة التي تحدد مسارنا. ربط الاستقلال بحجم الدعم نقطة مهمة جدًا، وهي كذلك لصناع الأفلام أيضًا.. كيف يؤثر على المشروع الإبداعي؟ طبعًا، لأن صانع الفيلم قد يفاجأ بأن مشروعه، الذي تصوره في البداية كعمل يمكن إنجازه بكاميرا صغيرة وبفريق محدود يتناسب مع طبيعته الحميمية، يتحول إلى مشروع جذاب لجهات دعم ومنتجين. ومع تدفق التمويل من جهات مختلفة، يصبح من الضروري إنفاق هذه الأموال، وهنا تبدأ روح المشروع في التغير، فلا يعود كما كان في الأصل. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يضع ذلك صناع الأفلام في مكان غير مفيد إبداعيًا، إذ يبدأون في التفكير بمشروعهم من زاوية مغايرة والعمل مع أشخاص لم يكونوا جزءًا من رؤيتهم الأولى. وبدلًا من التعاون مع الفريق الذي كانوا يرغبون في التطور معه وبناء مسار مشترك عبر مشاريع متعددة، تتغير البوصلة تدريجيًا، ويصبح اتخاذ القرارات خاضعًا لتوافر التمويل، لا لطبيعة المشروع نفسه. أشرتِ إلى الموقف من إسرائيل بوصفه من المبادئ الأساسية للقافلة. لماذا ترين هذه النقطة محورية عند الحديث عن تأسيس القافلة؟ لأن صناعة السينما في المنطقة مرتبطة بشكل كبير بالإنتاج المشترك الأوروبي، وهناك محاولات مستمرة لفرض قبول الوجود الإسرائيلي داخل هذه الشبكات. كصانعة أفلام عربية تجدين نفسك أحيانًا مطالبة بالتعايش مع هذا الواقع حتى لا تخسري مكانك داخل السوق. بالنسبة لنا كان مهمًا أن تكون مواقفنا واضحة. لا نريد أن نكبر بسبب غموض مواقفنا: حين نقول «أفلام عربية»، نحن لا نقصد أفلامًا من الشرق الأوسط، بل من العالم العربي، وإسرائيل ليست جزءًا منه بل نحن ضد وجودها. فلسطين جزء من هذه الشبكة ومن هذا الواقع. مواقفنا السياسية واضحة وعلنية. قد لا يكون التعبير عن هذا الموقف ضروريًا إذا كنا نعمل في مجال آخر كالنجارة مثلًا. فالنجار ليس مضطرًا لإعلان موقفه من إسرائيل كجزء من ممارسة مهنته. لكن عندما أعمل في السينما فإن هناك ضرورة للإعلان عن موقف واضح. «مفيش حاجة تستاهل إننا نقبل بالمحتل. ولا حتى السينما». هل صانع الأفلام العربي، خاصة من له حضور في أوروبا، مضطر إلى توخي الحذر باستمرار بسبب ما قد يواجهه من «مطبات»؟ بالتأكيد، إلى حد كبير. ليس لأن أحدًا سيقول لك صراحة: سنمنحك تمويلًا إذا فعلت كذا، فهذا لا يحدث بهذه المباشرة. لكن مع الوقت، يصبح صانع الفيلم أكثر وعيًا بطبيعة السوق. تظل هناك أسئلة ضرورية حول طبيعة منظومة التمويل نفسها، والمعايير التي تتحكم في من يحصل على الدعم ومن لا يحصل عليه. في رأيي، هناك جزء كبير من هذه المنظومة لا يقوم فعلًا على احتياجات المشاريع الصغيرة، بل على اعتبارات أخرى غير طبيعة العمل الذي تريدين إنجازه بقلبك وقناعتك وبإمكانات محدودة. فعندما تتوافر أموال كثيرة، يعتاد الناس نمطًا معينًا من العمل والحياة. وعلى فكرة، هذا حدث أيضًا في بعض التجارب اليسارية: فتحت أبواب التمويل على مصراعيها، ومع الوقت تأقلم الناس مع نوع حياة معين. الجميع يقول: إذا توقف الدعم، سأدخر من الآن للمشروع القادم. لكن هذه كذبة كبيرة. في الواقع هذا لا يحدث، بل ينشغل كل واحد بالنظر تحت قدمه ولا يفكر في المستقبل. نعود إلى قافلة «بين سينمائيات» إذًا جزء من أسباب الاستمرار برأيك هو الحفاظ على الاستقلالية ووضوح وعلنية الرؤية؟ طبعًا. وهناك أيضًا سبب مهم أرى أنه ساعدنا على الوصول إلى 20 عامًا، وهو أن لدينا قدرًا من المرونة لنصمم برامجنا وفق احتياج الناس، السينمائيات، أو الجمهور، لا كرد فعل بل كمبادرة. لكنها مبادرة تتجه فعلًا نحو ما يحتاجه الناس. حدث هذا منذ التأسيس وفي جميع المراحل التي مرت بها القافلة. مثلًا في الفترة منذ 2008 حتى 2013 كانت القافلة مهرجانًا متنقلًا لسينما المرأة، نعرض من خلاله أفلامًا لسينمائيات من العالم العربي وأمريكا اللاتينية مترجمةً إلى العربية والإسبانية، إلى جانب ورشة الدقيقة الواحدة. فكرة التواصل المباشر بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية من وجهة نظر النساء، بدلًا من المرور عبر أوروبا، كانت في قلب المشروع منذ البداية. نشأت القافلة كمبادرة بين سينمائيات ستات بهدف أن ندعم بعضنا بعضًا وأن نتبادل الخبرات. ومع الوقت، كبر المشروع، وصارت عروضنا تتنقل بين دول عربية ولاتينية أوسع بالإضافة إلى إسبانيا، لكن العرض السنوي الثابت كان يجري في القاهرة بعنوان «مهرجان القاهرة لسينما المرأة العربية واللاتينية». كان هذا قبل تأسيس مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة؟ نعم. كنا نعرض أفلامًا لمخرجات من العالم العربي وأمريكا اللاتينية، وكان وجود هذه النوعية من الأفلام نادرًا وقتها. حتى فكرة تنظيم عروض مخصصة لأفلام تصنعها نساء كانت تثير الكثير من النقاشات والانتقادات في 2008، لذلك كان مهمًا بالنسبة لنا الدفاع عن أهمية رؤية العالم من وجهة نظر النساء، ليس فقط اجتماعيًا بل فنيًا أيضًا. تواصلت العروض حتى عام 2013 مع وصول الإخوان إلى الحكم. في هذا العام ألغيت كل المهرجانات تقريبًا، كانت لحظة ضاغطة وغامضة على المستوى العام. شعرنا أننا مهددون بالاختفاء. فكان القرار بضرورة القيام بقفزة إلى الأمام وأعلنا انطلاق الدورة الأولى لمهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة. وبدلًا من 15 فيلمًا، قررنا عرض 45 فيلمًا. بوستر أول دورة لمهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة عام 2013 كان المهرجان نوعًا من التحدي؟ بالضبط. كان صوتًا. كان المهرجان الوحيد الذي أقيم في ذلك العام وسط كل الإلغاءات. وبالصدفة أعلن عن حظر التجول قبل انطلاق المهرجان بيومين، وكانت الحواجز لا تزال موجودة في وسط البلد حيث قاعات العروض. لكن «عملنا المهرجان»، كانت سنة رائعة، وكان الجمهور بكل سرور يتخطى كل الحواجز بمعناها المادي والرمزي يوميًا لمشاهدة الأفلام. وخلال الفترة من 2013 إلى 2018 توسع مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة تدريجيًا، حتى صار حدثًا أكبر بكثير من حجم الفريق الصغير الذي ينظمه. لكن ما لاحظناه في هذه الفترة هو أن نوعية الأفلام التي كنا نعرضها صارت متاحة في منافذ أخرى مثل سينما زاوية التي تخصصت في هذا النوع من الأفلام، وكذلك المهرجانات السينمائية مثل الجونة والقاهرة والإسماعيلية، رغم أنه لم يكن هناك تركيز على أفلام تصنعها النساء لأننا كنا منفردين بهذا الأمر. شعرنا أنه لم تعد هناك مشكلة في الإتاحة، وحان الوقت للانتقال إلى مرحلة أخرى. أن نصنع أفلامًا. ما كان يشغلني خلال مرحلة عروض الأفلام، هو إدراك أن صناعة الفيلم، لا سيما التسجيلي، على وجه التحديد في مصر تكاد تكون اختفت رغم أنها كانت نقطة البداية لمخرجين كبار مثل خيري بشارة ومحمد خان وداود عبد السيد في السبعينيات. اليوم، إذا سألك أحدهم عن الفيلم الذي تصنعه، تقول له: أصنع فيلمًا تسجيليًا، فيجيبك: «لا، أقصد فيلمًا.. فيلمًا»، كأن الفيلم لا يكون فيلمًا إلا إذا كان روائيًا. صار الانهيار كبيرًا وملحوظًا ليس فقط في السينما التسجيلية، بل في صناعة السينما عمومًا. أصبحنا نستهلك أكثر مما ننتج. وحتى على مستوى الدعم، تصرف أموال كبيرة على عروض الأفلام في المهرجانات، لكن ليس على صناعة الأفلام نفسها، ولا على تمكين الناس من إنتاج أفلامهم. وحتى الآن، لا يوجد دعم حقيقي لصناع الأفلام داخل مصر لإنتاج أفلامهم. تقصدين الدعم الحكومي؟ الحكومي طبعًا. السينما الأوروبية قائمة على الدعم الحكومي، وشروط معظم صناديق الدعم العالمية تقتضي أن تحصل أولًا على دعم من بلدك. لكن حين يذكر الدعم الحكومي يقولون إن ذلك ضد حرية السينما، فصرنا الوحيدين «الأحرار» الذين لا يصنعون أفلامًا. في مصر كلها معهد سينما واحد، ولا توجد أفلام تسجيلية تذكر، فكل من يتعلم السينما يتجه إلى الروائية كأنها الطريق الوحيد. وسط هذا الواقع كانت فكرتنا من ورشة القافلة في لبنان في المرحلة التالية هي أن نحول معظم جهدنا من عروض الأفلام في المهرجان، خاصة بعد أن تغيرت القوانين في 2018 وصارت هناك قيود على تنظيم المهرجانات، إلى التدريب على صناعة الأفلام من خلال الورش. كان خيارنا تصميم ورش مدتها عام كامل تتطور خلالها المشاركات وتنجز في النهاية فيلمًا تسجيليًا قصيرًا. هكذا انطلقت الدورة الأولى لورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي في 2019 مستندة إلى منهج قائم بالكامل على التدريبات العملية، تتعلم من خلاله المشاركات بالتجربة، وبمشاركة الآراء بين بعضهن البعض وبالنقد الذاتي، وتستكشفن لغتهن السينمائية من خلال القيام بأدوار متعددة في الإخراج والتصوير والمونتاج والإنتاج. لماذا كان هذا النموذج التدريبي هو الأقرب لرؤية القافلة؟ عام 2019 شاركت مع سبع صانعات أفلام من تونس ومصر ولبنان في ورشة لتدريب المدربين في مدرسة السينما الدنماركية في كوبنهاجن، حيث يتخرج كل عام ثلاثة أشخاص فقط بعد أربع سنوات دراسة في استوديوهات ضخمة مدعومة بالكامل من الحكومة. في هذه الورشة أدركت أهمية المنهج القائم بالكامل على التدريبات العملية، وأنه النموذج الأنسب لما تطمح القافلة إلى بنائه، لكن بإمكانات مختلفة وفي سياق مختلف تمامًا. لم يكن الهدف نسخة مصغرة من كوبنهاجن، بل نموذجًا يحمل بُعدًا إضافيًا غائبًا هناك: مساحة تشعر فيها النساء أن خيالهن مفتوح، في ظل رقابة وقيود لا وجود لها في الدنمارك. كان جزء أساسي من تصميم الورشة يقوم على كسر أنماط راسخة، وعلى تعزيز التضامن بين المشاركات، كيف يتقدمن معًا ويساندن بعضهن، لا فقط كيف يصنعن أفلامهن. بدأت الدورة الأولى في 2019 واستمرت دفعة وراء الأخرى. لم أكن أتخيل في البداية أن تتشكل من هذه التجربة مجموعة نساء يواصلن العمل معًا بعد انتهاء الورشة. لكن النساء اللواتي اعتدن طوال عام العمل والتفكير والمساندة المتبادلة، صارت تنشأ بينهن روابط تمتد إلى ما بعد الورشة. ومما أسهم في تطورها أننا نجري كل عام تقييمًا جماعيًا حقيقيًا بيننا، المدربات والمشاركات، لا لتقديمه لأي جهة، بل لنعود في العام التالي ونطور. التجربة نفسها هي التي تطوّر المشروع. من إحدى ورش القافلة في كثير من ورش صناعة السينما يأتي الفيلم كنتاج مصاحب لتجربة التعلم لا غاية في ذاته. لكن في ورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي تحظى جودة الفيلم بالقدر نفسه من العناية التي تحظى بها رحلة التدريب. كيف ترين العلاقة بين التدريب والفيلم، وهل يرتبط هذا بخلفيتك كصانعة أفلام؟ هناك تصور يجمعنا كمدربات، لغة مشتركة لا تخص الصورة السينمائية أو الإضاءة، بل منطقنا في العمل. نحن لا نعمل لأن هناك تمويلًا يجب صرفه، بل لأننا نريد خلق جيل من السينمائيات قادرات على دعم بعضهن والتفكير النقدي. والسينما علاقة مع الجمهور لا تكتمل من دون فيلم ينجز ويعرض، لأن لحظة العرض هي التي تبدأ فيها صانعة الفيلم في نقد نفسها حقًا. مشروعنا محاولة لخلق بيئة لا تضطر فيها المخرجة للعمل بمفردها، أنا صنعت ثلاثة أفلام وحدي ولم يكن ذلك أفضل الخيارات، لذلك أصبحت فكرة الفريق أساسية بالنسبة لي. نحن لا نسوق منتجًا، بل نريد صنع أفلامنا ونريد أن يكون لنا زميلات مخرجات. بهذه الطريقة نستطيع الاستمرار. مشروع فيلمي الأخير لم يكن ممكنًا من دون مشاركة مجموعة من صانعات الأفلام اللواتي كن يومًا جزءًا من ورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي. هذا التفاعل يخلق روحًا مختلفة، «طول ما أنت لوحدك، الأفكار بتتحرك بصعوبة». في النهاية، هذا كله يخلق ديناميكية تخدمنا جميعًا كصانعات أفلام، ومع كل فيلم جميل، تخلق روح جديدة، ونحن نرغب في رؤية المزيد والمزيد من الأفلام الجميلة. يضم فريق المدربين والمرشدين في الورش والبرامج المختلفة للقافلة، سينمائيات من دول مختلفة وخاصة من لبنان.. كيف تشكل هذا الفريق؟ وما الذي يجعل هذا التنوع جزءًا أساسيًا من رؤية القافلة؟ هذا التنوع يوسع الرؤية، ويتيح اختبار الأفكار من زوايا مختلفة، فيمنح التجربة ثراءً أكبر، بدلًا من أن نظل نعيد النظر إلى الواقع نفسه من المنظور ذاته. معظم المشاركات في فريق المدربين من لبنان ومصر، ويرتبط ذلك بطفرة واضحة شهدتها السينما التسجيلية في لبنان خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الأخيرة، قادتها صانعات أفلام نساء بشكل لافت. لبنان يكاد يكون الحالة الأبرز في العالم العربي في هذا السياق، حيث تكونت فيه دائرة من السينمائيات المحترفات يمكن العمل معهن على هذا النوع تحديدًا من السينما التسجيلية بلغة مشتركة ودرجة عالية من الاحتراف. حوالي 70% من الأفلام التسجيلية اللبنانية هي لمخرجات نساء، هذه الطفرة خلقت أساسًا لتجربة تعاون ما زالت تتشكل، نحاول من خلالها أن نستفيد من خبرات بعضنا البعض. لهذا بعد ست سنوات من تنظيم الورشة في القاهرة، أطلقت القافلة في 2025 الدورة الأولى من ورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي في لبنان. لأننا مع الوقت بدأنا نرى أن هذا النموذج ليس مهمًا فقط كمساحة للتعلم، بل أيضًا كمساحة لإنتاج الأفلام. ورأينا أنه من المهم أن يتكون في بلدان مختلفة، بحيث يخلق صوتًا آخر يكسر، ولو قليلًا، شكل صناعة السينما التقليدية، وكذلك نمط الإنتاج المشترك الذي تعتمد عليه الأفلام التسجيلية بشكل كبير. هناك كثير من الشباب يعتقدون أنهم إذا لم يحصلوا على تمويل من فرنسا أو ألمانيا، فلن يتمكنوا من صنع أفلامهم. لكننا بدأنا نرى أن هناك طرقًا أخرى، وأنه يمكن السير في مسارات مختلفة يمكن أن تقود إليها شبكة التضامن والتعاون التي تضم المشاركات في الورش، وهو ما يمكن فهمه كاحتمال لشكل إنتاجي مختلف، نابع من هذه التجربة نفسها. إذًا الورشة صارت مفتوحة على معانٍ أوسع: أن يخلق الناس معًا فرص تعاون، وأفلامًا لها مسار إنتاج مختلف، قائم على فهم أن مشروع الفيلم يمكن أن ينطلق حتى لو لم يكن لديه تمويل منذ البداية، من دون انتظار المنتج القادم من السماء. لبنان، رغم وجود صناعة سينما، لا يوجد فيه نموذج يشبه ورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي بكل المعاني التي ذكرت، لهذا رأينا أنه من المفيد أن تكون خطوتنا التالية في لبنان. هذا النموذج الإنتاجي التعاوني الذي تسعين إلى تعزيز أو استكشاف إمكانية وجوده، ما أبرز التحديات التي قد تواجهه؟ هناك أهمية كبيرة لإدراك أن إنتاج الأفلام يحتاج إلى وقت، خاصة مع الاضطرار إلى تقديم مشروع الفيلم لجهات مختلفة بحثًا عن تمويل، لكن هناك أيضًا ضرورة لأن نكون أكثر جرأة إنتاجيًا بمعنى الاقتناع بأن إنتاج الفيلم ممكنًا حتى ولو لم نحصل على تمويل. لم نكن نتخيل في 2008 أننا سنستمر حتى الآن. لكن بعض التغييرات لا ترى إلا عبر التراكم. حين تنظرين إلى السنوات مجتمعة تدركين أن شيئًا حقيقيًا قد تغير. مشروعنا ليس اقتحام السوق، مشروعنا أن نصنع أفلامنا، ونحن نصنعها في ظل آليات سوق يسير بعقلية مختلفة وبطريقة مختلفة عن الطريقة التي تحاولين الوجود من خلالها، وهذا بالتأكيد ليس سهلًا. هناك الكثير من الأسئلة مطروحة بشكل مستمر حول كيفية النجاح بآليات مغايرة. لكن نحن نجرب معًا. ربما امتداد التجربة من مصر إلى لبنان ثم إلى تونس يوسع أفق تبادل الخبرات بمعنى أن تطبيق التجربة في مكان آخر قد يؤدي إلى نجاحها بطريقة مختلفة، وهكذا نتعلم طريقة أخرى للوصول إلى نفس الهدف. كصانعة أفلام إلى أي مدى تعيقك القافلة عن أحلامك السينمائية؟ ربما بعض الأمور الإدارية أو ما شابه، لكن هل يوجد أي مخرج يقضي 12 ساعة يوميًا في العمل على فيلمه بشكل متواصل؟ بالنسبة لي القافلة تثري عالمي وأفكاري. من خلال ورشة الفيلم التسجيلي الإبداعي تعرفت على جيل لم أكن أتخيله ولا أعرف طريقة تفكيره، وكان ذلك اكتشافًا إنسانيًا رائعًا. لا أومن بأن صانع الأفلام يجب أن يظل حبيس عالمه المغلق. ربما لو لم أخض هذه التجربة لأنجزت عشرة أفلام بدلًا من ثلاثة، لكنني استمتعت بعلاقتي مع أجيال من السينمائيات، وتبادلت تجارب إنسانية لم أكن أتخيل أنني سأعيشها. حين تفكرين فيما هو قادم.. كيف تتخيلين المستقبل؟ لا أعرف! يبدو لي التفكير في المستقبل فكرة غريبة بينما يعلنون في الأخبار عن مهلة لتدمير العالم! لكن إذا كان هناك شيء يمكن التفكير فيه كمستقبل، فهو أن تتكاثر النماذج التي تشبه ما نحاول بناءه. أن نستطيع نقل هذه التجربة، وأن نعمل مع سينمائيات من بلدان عربية أخرى، بحيث تتشكل شبكة أوسع فأوسع، كنموذج إنتاجي مختلف يكسر الأشكال التقليدية السائدة، سواء تلك المرتبطة بأنماط الدعم التقليدية، أو بفكرة أننا لا نستطيع أن نتحرك من دون دعم خارجي. بالنسبة لي، هذا هو الأمل الحقيقي: أن نخلق مساحات وشبكات قادرة على إنتاج نفسها بنفسها، وعلى الاستمرار انطلاقًا من علاقات وتجارب حقيقية.The post أمل رمسيس عن قافلة «بين سينمائيات»: طول ما إنت لوحدك، الأفكار بتتحرك بصعوبة first appeared on Mada Masr.