لا أعتقد أن الولايات المتحدة كانت ستُهين نفسها بتعيين شخصية متطرفة مثل الخميني على رأس إيران؛ فليس من المنطقي افتراض أنها اختارت بنفسها شخصية تتبنى خطاباً معادياً لها بهذا الوضوح. لكن ذلك يفتح باباً لتساؤل آخر: هل كان سبب التعيين هو اتفاق لم يعلن ووعد بتحقيق بعض أهداف امريكا واسرائيل في المنطقة، مع إعطاء إيران نصيبها من التوسع.
إن ما يبدو صراعاً بين القوى قد يكون، في بعض مراحله، جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لموازين النفوذ، ولا أستبعد أن تكون الولايات المتحدة قد وجدت نفسها مضطرة إلى التعامل مع صعود الخميني والثورة الإيرانية باعتبارهما واقعاً إستراتيجياً يمكن توظيفه لخدمة مصالحها ومصالح إسرائيل.
وأمريكا هي من صنعت القوة العسكرية الايرانية من أيام الشاه وضاعفتها بعد الخميني ومولته بالصواريخ في حرب العراق. لقد استفادت القوى الكبرى من التحولات التي أعقبت الثورة، وكيف أثرت سياسات طهران في إعادة تشكيل المنطقة، لتفاعل المصالح ولإضعاف المنطقة وخلق النزاعات والصراعات للتفرقة، وخاصة الدينية والتي هي قوة العرب. فدعمت التطرف والجماعات الارهابية بدعم من أمريكا.
ومن الصعب اختزال السياسة الأمريكية في قرارات رئيس واحد، أياً كان اسمه أو أسلوبه أو مدة حكمه. فالرئيس، ومنهم ترامب، والذي يراه الكثيرين غبياَ مع أنه استطاع تكوين امبراطورية مالية، قد يمتلك نفوذاً واسعاً وقد يستفيد هو وعائلته من الازمة، لكنه يعمل بتوجيه وقرارات من الحكومة العميقة والتي هي عادة من يرجح انتخاب الرئيس وتتلاعب في الاصوات. وضمن منظومة مؤسساتية وأمنية وعسكرية واقتصادية تضم عائلة روتشيلد والمجمع الصناعي والحربي وأجهزة الاستخبارات، ووزارة الدفاع، ومراكز صنع القرار، ومصالح الشركات الكبرى، وشبكات الضغط السياسي والاقتصادي. إن فهم السياسة الأمريكية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من تصريحات الرئيس ومواقفه اليومية، إلى المصالح الاستراتيجية المستمرة التي قد تتجاوز الإدارات المتعاقبة. والأهم من وصفه بالغبي وبسذاجة، أن القرارات الاستراتيجية الكبرى لا تُفهم عادة من خلال شخصية الرئيس وحدها، والذي يحكم لمدة أربع سنوات بل من خلال السياسات والأهداف الأمريكية والتي وضعت لعقود سابقة وقادمة.
وأن ايران يجب أن نحذرها بان خدمة مصالح امريكا سراب وما تتفق عليه سيتم دفع ثمنه غاليا عليها. وهو ما أعتقد أن الاجتماع الأخير السعودي الباكستاني التركي هو جزء منه فتح أعين توعية إيران من بلاهتها وبأنه مصيرها هو مصير من قبلها من العملاء بعد انتهاء دورهم.، ومن أنذر فقد أعذر.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر خطورة: هل يمكن أن تتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مع الخسائر البشرية، بما فيها خسارة بعض القيادات والعناصر التابعة لها، باعتبارها تكلفة مقبولة إذا كانت النتائج النهائية تحقق أهدافاً استراتيجية أكبر؟ إن تاريخ الحروب والصراعات يبين أن الدول قد تقبل خسائر مؤلمة لتحقيق أهدافها، وأن حياة الأفراد قد تتراجع في حسابات بعض صناع القرار أمام اعتبارات الأمن والنفوذ والردع. لكن تعميم ذلك على جميع الأطراف. واكبر مثال هو عندما خدعت ايران حماس ودعمتها لاختراق حدود إسرائيل بعملية «طوفان القدس»، هي نظرة حولاء فالقدس تقع اأعلى شمالاَ. بينما أنا أسميها «إغراق وإبادة غزة».
الشاهد أن إسرائيل هي من خطط لذلك، وقبل أشهر، وسمحت بالاختراق بالرغم من أنها تملك أكبرجهاز مخابرات، وأعدت مخططات لإعادة تطويرغزة قبل أكتوبر بشهور.
لذلك لم يكن عند إسرائيل مانع من قتل ألف إسرائيلي مقابل ما تقوم به من إبادة مئات الآلاف وتهجير الملايين من الفلسطينين. هكذا حسابات الحرب. فالصراعات دائماً لتحقيق الأهداف التي تعلنها أطرافها، أم أن نتائجها قد تخدم أحياناً مصالح أوسع لا تظهر بوضوح في الخطاب السياسي؟ والتعارض العلني بين الدول لا يمنع أن تتقاطع نتائج سياساتها في بعض المراحل، كما أن الخصومة لا تعني بالضرورة أن كل طرف يخسر من كل خطوة يتخذها الطرف الآخر. وقد تستفيد قوة من نتائج لم تصنعها، ثم تعمل لاحقاً على احتواء الطرف الذي أسهم في إنتاجها.
من الواضح ان إيران، التي رفعت شعار مواجهة الولايات المتحدة لعقود، قد أدت عملياً دوراً ساهم في تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق معلن أو تنسيق مباشر بين الطرفين؟ وماذا لو اقتربنا اليوم من مرحلة تنقلب فيها المعادلة، فتتحول إيران من قوة ساهم تمددها في إعادة تشكيل المنطقة إلى هدف لعملية تحجيم كبرى؟ فبدلاً من الاكتفاء بالشعارات المعلنة، ينبغي النظر إلى النتائج الفعلية.
لقد توسع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وارتبط هذا التوسع بصراعات استنزفت موارد تلك الدول، وأضعفت مؤسساتها، وعمّقت انقساماتها الداخلية. وفي الوقت الذي كانت فيه طهران تقدم هذا التوسع باعتباره انتصاراً لمحور المقاومة، كانت النتيجة أن عدداً من الدول العربية انشغل بصراعات داخلية وإقليمية طويلة، وتراجعت قدرتها على بناء منظومة مستقرة وقوية للأمن والتنمية.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون إيران قد أضعفت خصوم إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، حتى وهي تعتقد أنها تواجههما. ان كل خطوة إيرانية قد صدرت بأوامر أمريكية حتى تخدم نتائجها مصالح أمريكية. فالقوى الكبرى لا تحتاج دائماً إلى التحكم في جميع الأطراف؛ يكفيها أحياناً أن تستثمر صراعاتها، وأن تدع خصومها يستنزف بعضهم بعضاً، ثم تتدخل عندما يحين الوقت لتعديل ميزان القوى. ومن هذا المنظور، فإن السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت واشنطن وطهران تتواجهان، بل ما إذا كانت نتائج هذا الصراع قد خدمت، في مراحل معينة، أهدافاً أمريكية أوسع مما توحي به لغة العداء المتبادل.
وقد يكون هذا هو المدخل لفهم التحول المحتمل في التعامل مع إيران. فالقوة التي تتمدد وتؤثر في دول متعددة قد تصبح، مع مرور الوقت، عبئاً على القوى التي اعتادت إدارة التوازنات الإقليمية. وعندما تتغير الحسابات، يمكن أن يتحول النفوذ الذي كان يُحتمل أو يُستثمر إلى خطر ينبغي احتواؤه. فهل انتهت المرحلة التي كان فيها التمدد الإيراني عاملاً يعيد تشكيل المنطقة، وبدأت مرحلة تقليص القوة الإيرانية نفسها؟ وهل أصبحت طهران، بعد أن ساهمت في إضعاف دول عربية، أمام الدور الذي لم تتوقعه: أن تكون هي الهدف التالي لإعادة تشكيل موازين القوى؟ وهل يصبح مصيرها مثل مصير من سبقها من العملاء بعد انتهاء مهمتهم مثل بن لادن وهنية ونصر الله والسليماني؟
ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً عند النظر إلى التناقض بين الصورة التي بنتها إيران عن قوتها وبين ما تكشفه الاختراقات الأمنية والضربات التي طالت قيادات ومنشآت وشبكات مرتبطة بها. فالدولة التي تقدم نفسها باعتبارها قوة إقليمية كبرى لا يكفيها امتلاك ترسانة صاروخية أو شبكة حلفاء؛ بل تحتاج إلى استخبارات قادرة على حماية مراكز القرار، ودفاعات تحمي أراضيها، وقدرة على منع خصومها من الوصول إلى أكثر المواقع حساسية. وعندما تنجح القوى المعادية في اختراق هذه المنظومة، تتراجع هيبة الردع، وتظهر فجوة بين القوة المعلنة والقدرة الفعلية.