ليست المجالس مجرد أماكن يجتمع فيها الناس لتبادل الأحاديث وقضاء الأوقات، بل هي مساحة للثقة والمودة وراحة النفوس، وفيها تُقال كلمات لا يراد لها أن تتجاوز جدران المجلس، وتُروى مواقف وقصص شخصية، ويبوح البعض بما في داخله وهو مطمئن إلى أن حديثه سيبقى في مكانه، وأن من استمع إليه سيحفظه كما يحفظ الإنسان ما اؤتمن عليه؛ ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته «أمانة المجالس»، وهي قيمة اجتماعية وأخلاقية راسخة، تتطلب من الإنسان أن يعرف حدود ما يحق له نقله أو تسجيله أو تصويره، وأن يدرك أن الثقة التي يمنحها له الآخرون ليست أمراً عابراً يمكن التعامل معه باستخفاف.
ولله الحمد، فإن مجتمعنا ما زال يتمسك بالكثير من قيمه الأصيلة، وتظل مثل هذه التصرفات محدودة، إلا أن بعض الممارسات التي ظهرت مع سهولة استخدام الهواتف وتقنيات التسجيل والتصوير تستحق التوقف عندها، ومنها تسجيل المكالمات دون علم الطرف الآخر، أو تصوير الأشخاص دون إذنهم في أوضاع لم يكونوا مستعدين لها، أو تشغيل مكبر الصوت أثناء المكالمة دون إبلاغ المتحدث، بما يجعل آخرين يستمعون إلى حديث لم يكن موجهاً إليهم؛ وتزداد المسؤولية الأخلاقية عندما يتعلق الأمر بالأطفال، فلا يصح استدراج الطفل للحديث في موضوعات لا تعنيه، أو تصويره وتسجيل كلامه دون حاجة أو موافقة، ثم تداول ذلك بين الآخرين؛ فالطفل لا يدرك دائماً طبيعة ما يقوله ولا النتائج التي قد تترتب على نشر صورته أو حديثه، ومسؤولية الكبار أن يصونوا خصوصيته ويحفظوا كرامته.
وقد جاء عن أبي الحسن البصري رحمه الله قوله: «إنما تجالسوننا بالأمانة، كأنكم تظنون أن الخيانة ليست في الدينار والدرهم، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل، فنطمئن إلى جانبه، ثم ينطلق فيسعى بنا»؛ وما أعمق هذا المعنى؛ فالأمانة ليست أموالاً فقط، وليست وثائق تحفظ في الأدراج، وإنما الأمانة كلمة، وحديث، وموقف، وصورة، ومكالمة، ومعلومة ائتمنك عليها صاحبها؛ وقد يكون حفظ السر أحياناً أبلغ في الأخلاق من كثرة الكلام عن الفضائل.
لقد غيرت التقنية كثيراً من تفاصيل حياتنا، وأصبح الهاتف في متناول الجميع، وأصبح التصوير والتسجيل والمشاركة أموراً لا تحتاج إلى وقت أو جهد، لكن سهولة الفعل لا تعني مشروعيته الأخلاقية، وسهولة نشر المعلومة لا تعني أن من حقنا نشرها، وليس كل ما يمكن تصويره يستحق التصوير، وليس كل ما يمكن تسجيله يجوز تسجيله، وليس كل ما نسمعه في مجلس يصلح أن يكون حديثاً لمجلس آخر؛ ومن المؤسف أن تتحول بعض المجالس من مساحة للطمأنينة إلى مساحة للحذر، فيتردد الإنسان في الحديث خشية أن يجد كلامه مسجلاً، أو صورته منشورة، أو موقفه متداولاً بين الآخرين؛ وعندها لا تكون المشكلة في الهاتف أو التقنية، وإنما في غياب الإحساس بقيمة الأمانة.
إن احترام خصوصية الآخرين لا يحتاج إلى أنظمة وتعليمات في كل موقف، بل يحتاج قبل ذلك إلى وازع أخلاقي يجعل الإنسان يسأل نفسه قبل أن يضغط زر التسجيل أو التصوير: هل استأذنت؟ وهل يرضى صاحب الشأن بما أفعله؟ وهل أرضى أن يفعل بي الآخرون الشيء نفسه؟؛ فالمجالس أمانة، والثقة أمانة، والصور أمانة، والأحاديث الخاصة أمانة، والأطفال أمانة، ومن حفظ للناس خصوصيتهم حفظ لنفسه مكانتها بينهم، وما أجمل أن تنتهي المجالس بانتهاء وقتها، وتبقى المودة، وتبقى الثقة، ويبقى ما قيل فيها في حدودها، فلا تتحول الجلسة إلى تسجيل، ولا تتحول الصورة إلى مادة للتداول، ولا يتحول الحديث الخاص إلى حكاية تتناقلها الألسن.
فلنصُن أمانة المجالس، ولنعلم أبناءنا وبناتنا أن احترام خصوصية الآخرين من مكارم الأخلاق، وأن الإنسان يُعرف أيضاً بما يكتمه، لا بما ينقله؛ فليس كل ما نعرفه يُقال، وليس كل ما نراه يُصوّر، وليس كل ما نسمعه يُنقل، ومن أعظم الوفاء أن يخرج الناس من مجالسنا وهم أكثر اطمئناناً بنا، لا أكثر حذراً منا.
ليست المجالس مجرد أماكن يجتمع فيها الناس لتبادل الأحاديث وقضاء الأوقات، بل هي مساحة للثقة والمودة وراحة النفوس، وفيها تُقال كلمات لا يراد لها أن تتجاوز جدران المجلس، وتُروى مواقف وقصص شخصية، ويبوح البعض بما في داخله وهو مطمئن إلى أن حديثه سيبقى في مكانه، وأن من استمع إليه سيحفظه كما يحفظ الإنسان ما اؤتمن عليه؛ ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته «أمانة المجالس»، وهي قيمة اجتماعية وأخلاقية راسخة، تتطلب من الإنسان أن يعرف حدود ما يحق له نقله أو تسجيله أو تصويره، وأن يدرك أن الثقة التي يمنحها له الآخرون ليست أمراً عابراً يمكن التعامل معه باستخفاف.
ولله الحمد، فإن مجتمعنا ما زال يتمسك بالكثير من قيمه الأصيلة، وتظل مثل هذه التصرفات محدودة، إلا أن بعض الممارسات التي ظهرت مع سهولة استخدام الهواتف وتقنيات التسجيل والتصوير تستحق التوقف عندها، ومنها تسجيل المكالمات دون علم الطرف الآخر، أو تصوير الأشخاص دون إذنهم في أوضاع لم يكونوا مستعدين لها، أو تشغيل مكبر الصوت أثناء المكالمة دون إبلاغ المتحدث، بما يجعل آخرين يستمعون إلى حديث لم يكن موجهاً إليهم؛ وتزداد المسؤولية الأخلاقية عندما يتعلق الأمر بالأطفال، فلا يصح استدراج الطفل للحديث في موضوعات لا تعنيه، أو تصويره وتسجيل كلامه دون حاجة أو موافقة، ثم تداول ذلك بين الآخرين؛ فالطفل لا يدرك دائماً طبيعة ما يقوله ولا النتائج التي قد تترتب على نشر صورته أو حديثه، ومسؤولية الكبار أن يصونوا خصوصيته ويحفظوا كرامته.
وقد جاء عن أبي الحسن البصري رحمه الله قوله: «إنما تجالسوننا بالأمانة، كأنكم تظنون أن الخيانة ليست في الدينار والدرهم، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل، فنطمئن إلى جانبه، ثم ينطلق فيسعى بنا»؛ وما أعمق هذا المعنى؛ فالأمانة ليست أموالاً فقط، وليست وثائق تحفظ في الأدراج، وإنما الأمانة كلمة، وحديث، وموقف، وصورة، ومكالمة، ومعلومة ائتمنك عليها صاحبها؛ وقد يكون حفظ السر أحياناً أبلغ في الأخلاق من كثرة الكلام عن الفضائل.
لقد غيرت التقنية كثيراً من تفاصيل حياتنا، وأصبح الهاتف في متناول الجميع، وأصبح التصوير والتسجيل والمشاركة أموراً لا تحتاج إلى وقت أو جهد، لكن سهولة الفعل لا تعني مشروعيته الأخلاقية، وسهولة نشر المعلومة لا تعني أن من حقنا نشرها، وليس كل ما يمكن تصويره يستحق التصوير، وليس كل ما يمكن تسجيله يجوز تسجيله، وليس كل ما نسمعه في مجلس يصلح أن يكون حديثاً لمجلس آخر؛ ومن المؤسف أن تتحول بعض المجالس من مساحة للطمأنينة إلى مساحة للحذر، فيتردد الإنسان في الحديث خشية أن يجد كلامه مسجلاً، أو صورته منشورة، أو موقفه متداولاً بين الآخرين؛ وعندها لا تكون المشكلة في الهاتف أو التقنية، وإنما في غياب الإحساس بقيمة الأمانة.