ألعاب الصالات تدفع الثمن.. والمنتخبات الوطنية في دائرة الخطر

القاسم المشترك بين معظم قرارات التعليق يتمثل في ارتفاع التكلفة المالية محدودية الموارد المالية والعوائد التجارية سبب مقنع للأندية يمكن للاتحادات أن تخفف من آثار الانكماش من خلال تطوير المسابقات وزيادة عدد المباريات لم تعد قرارات تجميد أو تعليق بعض ألعاب الصالات في الأندية السعودية مجرد إجراءات إدارية ومالية تخص هذا النادي أو ذاك، بل بدأت تفرض سؤالاً أكبر حول مستقبل كرة اليد والسلة والطائرة وتأثير ما يحدث على المنتخبات الوطنية. فالأندية تمثل القاعدة الأساسية التي تُبنى عليها المنتخبات، ومن خلالها يحصل اللاعب على المنافسة المستمرة، والتدريب اليومي، والاحتكاك، والتطور الفني والبدني. وعندما تتقلص قاعدة الأندية المشاركة، فإن التأثير لا يتوقف عند المسابقات المحلية، وإنما يمتد بصورة طبيعية إلى المنتخبات. قرارات متفرقة.. ظاهرة تستحق التوقف شهدت الفترة الماضية قرارات مختلفة في عدد من الأندية، تراوحت بين تجميد النشاط وتعليق الفريق الأول وإلغاء بعض الألعاب، في كرة اليد وكرة السلة والكرة الطائرة. وفي الأهلي، جاء قرار تعليق نشاط الفريق الأول لكرة اليد وكرة السلة، مع استمرار الفئات السنية، ضمن برنامج لإعادة هيكلة الألعاب المختلفة. أما النصر، فكان قراره أكثر اتساعاً بتجميد نشاط كرة السلة والكرة الطائرة بمختلف الفئات، فيما سبق للهلال أن اتخذ قراراً بتجميد كرة السلة. وبعيداً عن اختلاف ظروف كل نادٍ، فإن القاسم المشترك بين معظم هذه القرارات يتمثل في ارتفاع تكلفة تشغيل الألعاب مقابل محدودية وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فاللاعب الدولي يحتاج إلى نادٍ قوي والمنتخب لا يستطيع صناعة اللاعب من الصفر. المنتخب يجمع أفضل العناصر التي تصنعها الأندية، ولذلك فإن قوة المنتخبات ترتبط بدرجة كبيرة بقوة مسابقاتها المحلية وعدد الأندية القادرة على المنافسة. فعندما ينخفض عدد الفرق، تقل المباريات، وتضعف حدة المنافسة، وتتراجع فرص اللاعب في الاحتكاك بمستويات مختلفة، خصوصاً اللاعبين الشباب الذين يحتاجون إلى الانتقال التدريجي من الفئات السنية إلى الفريق الأول. ومع مرور الوقت، قد يجد مدربو المنتخبات أنفسهم أمام قاعدة اختيار أضيق، خصوصاً في المراكز التي تحتاج إلى عدد كبير من اللاعبين أصحاب الخبرة. اليد.. الخطر الأكبر على قاعدة المنتخب في كرة اليد تحديداً، فإن استمرار تقلص عدد الأندية القادرة على المنافسة قد ينعكس على المنتخب الأول والمنتخبات السنية. فاللاعب الذي يخوض موسماً كاملاً بعدد محدود من المباريات لن يحصل على الخبرة نفسها التي يحصل عليها لاعب ينافس بصورة منتظمة في دوري قوي ومتقارب المستوى. كما أن خروج نادٍ تاريخي من المنافسة يعني فقدان مجموعة من اللاعبين والأجهزة الفنية والخبرات التي كانت تشكل جزءاً من المنظومة. والأخطر من ذلك أن التأثير قد يظهر بعد سنوات، عندما تصل المواهب الحالية إلى مرحلة المنتخب الأول، فلا تجد البيئة التنافسية الكافية لصقلها. فكلما قل عدد الأندية، أصبحت المسابقة أكثر محدودية، وتراجعت فرص الاحتكاك، بينما يحتاج المنتخب إلى لاعبين يملكون خبرة مباريات قوية ومتنوعة. وتزداد أهمية الأمر في الألعاب التي تعتمد بدرجة كبيرة على الانسجام الجماعي؛ فاللاعب يحتاج إلى عدد كبير من المباريات مع ناديه حتى يصل إلى المنتخب وهو معتاد على الضغط والمنافسة والقرارات السريعة. المنتخبات السنية هي الحلقة الأضعف إذا كان تأثير القرارات على المنتخب الأول قد لا يظهر فوراً، فإن المنتخبات السنية قد تكون الأكثر تعرضاً للخطر على المدى البعيد. فالناشئ والشاب يحتاجان إلى مسابقات منتظمة وعدد كافٍ من الأندية والمباريات حتى تتسع قاعدة الاختيار أمام الأجهزة الفنية للمنتخبات. وكلما انخفض عدد الفرق، أصبح اكتشاف الموهبة أصعب، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الأندية كمراكز رئيسية لاكتشاف اللاعبين وتطويرهم. وهذا يعني أن المشكلة ليست في اللاعب الموجود اليوم، وإنما في الجيل الذي لن يجد البيئة المناسبة بعد خمس أو عشر سنوات. هل تستطيع الاتحادات تعويض دور الأندية؟ هنا يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع الاتحادات الرياضية سد الفراغ الذي تتركه الأندية؟ من الصعب أن تقوم الاتحادات بالدور كاملاً؛ لأن المنافسة اليومية والتدريب المستمر وصناعة اللاعب تحدث أساساً داخل النادي. لكن يمكن للاتحادات أن تخفف من آثار الانكماش من خلال تطوير المسابقات، وزيادة عدد المباريات، وتنظيم بطولات للفئات السنية، وتوفير برامج اكتشاف المواهب، وتحفيز الأندية على الاستمرار، إلى جانب البحث عن مصادر تمويل ورعاية جديدة. الحل ليس إجبار الأندية على الإنفاق وفي المقابل، لا يمكن مطالبة الأندية بالاستمرار في ألعاب تخسرها مالياً دون إيجاد نموذج اقتصادي يساعدها. المطلوب ليس إجبار الشركات المالكة للأندية على تحمل فاتورة مفتوحة، وإنما إعادة صياغة اقتصاد ألعاب الصالات. زيادة القيمة التجارية للمسابقات، واستقطاب الرعاة، وتحسين حقوق النقل، وتقديم حوافز للأندية التي تستثمر في الفئات السنية، وربط جزء من الدعم الحكومي بعدد اللاعبين السعوديين الذين يتم تطويرهم، كلها حلول يمكن أن تجعل استمرار الألعاب أكثر واقعية. كرة القدم لا يجب أن تبتلع بقية الرياضات من الطبيعي أن تكون كرة القدم صاحبة النصيب الأكبر من الاهتمام والاستثمار، نظراً لشعبيتها وعوائدها التجارية. لكن نجاح مشروع الرياضة السعودية لا يقاس بكرة القدم وحدها. فاليد والسلة والطائرة تملك تاريخاً وبطولات ومنتخبات ولاعبين يمثلون المملكة خارجياً، وأي تراجع في قاعدة هذه الألعاب سينعكس في النهاية على الحضور السعودي في البطولات القارية والدولية. الإنذار الحقيقي للمنتخبات ما يحدث في الأندية يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار مبكر للمنتخبات الوطنية. اليوم قد يكون القرار مجرد تجميد فريق أو تعليق نشاط، لكن استمرار الظاهرة سيعني غداً عدداً أقل من اللاعبين، ومسابقات أقل قوة، ومنافسة محلية أضعف، وقاعدة أصغر أمام مدربي المنتخبات. والمنتخب القوي لا يُصنع في المعسكر قبل البطولة، بل يُصنع خلال سنوات من المنافسة اليومية في الأندية. ولهذا فإن حماية ألعاب الصالات ليست دفاعاً عن بطولات الأندية فقط، وإنما هي استثمار مباشر في مستقبل المنتخبات الوطنية. وإذا كانت المملكة تستهدف حضوراً أقوى في البطولات القارية والعالمية، فإن المحافظة على قاعدة واسعة من الأندية واللاعبين في اليد والسلة والطائرة يجب أن تكون جزءاً من المعادلة. فالمنتخب الذي نريده بعد عشر سنوات يبدأ بناؤه من صالات الأندية اليوم.