ما أكثر الأحكام التي تُطلق في زماننا، وما أسرع اللوم الذي يُوجَّه إلى الأفراد والمؤسسات، حتى غدا النقد عند كثير من الناس أيسر من الفهم، والعتاب أقرب من التثبت، وأصبح من السهل أن يُختزل جهدُ سنواتٍ في هفوةٍ عابرة، أو يُقاس عملٌ كبير بلحظةٍ جزئية، دون نظرٍ إلى ما أحاط به من مسؤوليات وتحديات.
ولعل السر في شيوع هذه الظاهرة أن اللوم لا يحتاج إلى كثير عناء، أما العمل والإنجاز فيحتاجان إلى علم، وخبرة، وصبر، وتحملٍ للتبعات. ولذلك كثر اللوَّامون، وقلَّ الذين ينهضون بالأعمال ويتحملون أثقالها. وليس كل من أحسن اللوم أحسن العمل، ولا كل من أبصر موضع الخطأ كان أقدر على إصلاحه.
فعلى الرغم من مرور القرون على نظمه، فإنه ما يزال حيَّ الدلالة، يخاطب واقعًا يتكرر في كل زمان؛ إذ لا يدعو إلى تعطيل النقد، ولا إلى التغاضي عن الأخطاء، وإنما يقرر مبدأً راسخًا من مبادئ العدل والإنصاف: أن من أراد أن يحكم على جهود العاملين، فليعرف أولًا ما حملوه من أعباء، وما واجهوه من تحديات، فإن عجز عن أن يسدَّ مسدَّهم، فليكن نقده أقرب إلى الإنصاف منه إلى اللوم.
وإذا كان العمل يحتاج إلى علمٍ وخبرةٍ وصبرٍ وتحملٍ للمسؤولية، فإن اللوم لا يحتاج في كثير من الأحيان إلا إلى موقفٍ من بعيد، أو انطباعٍ سريع، أو نظرةٍ جزئية لا تستوعب حقيقة المشهد. ولهذا كان إطلاق الأحكام أيسر من صناعة الإنجازات، والنقد أسهل من تحمل تبعات القرار.
ولعل من أبرز أسباب كثرة اللوَّامين أن كثيرًا من الناس لا يقيسون الأعمال بما أحاط بها من ظروف، ولا بما اكتنفها من تحديات، وإنما يقيسونها بما ظهر لهم من نتائج. ومن هنا قد يرى الإنسان موضع الخطأ، لكنه لا يدرك حجم الجهد الذي بُذل لتقليل ذلك الخطأ، أو العقبات التي حالت دون الوصول إلى الصورة التي يتصورها.
وليس المقصود بهذا تبرير الأخطاء أو تعطيل النقد، وإنما التنبيه إلى أن الحكم العادل لا يكتمل إلا إذا سبقته معرفة، وأحاطت به بصيرة، ووازن بين ما وقع من تقصير وما تحقق من إنجاز. فليس كل من أحسن اللوم أحسن العمل، وليس كل من أبصر موضع الخطأ كان أقدر على إصلاحه، وكم من ناقدٍ لو وُضع في موضع من يلومه، وأحاطت به الظروف نفسها، لما استطاع أن يبلغ بعض ما أنجزه ذلك العامل.
ومن هنا كانت ثقافة الإنصاف من أعظم ما يحفظ للمجتمعات توازنها؛ لأنها تدعو إلى تقدير الجهود، وفهم التحديات، ومحاسبة الأعمال بميزان العدل، لا باندفاع اللحظة أو الانطباع العابر.
وإذا كان اللوم السريع يورث الظلم، فإن الإنصاف هو الذي يعيد الأمور إلى مواضعها الصحيحة. فهو ليس مجاملةً للعاملين، ولا تسويغًا للتقصير، وإنما هو ميزانٌ يزن الأعمال بقدرها، ويضع الإنجازات والإخفاقات في سياقها الصحيح، فلا يطغى خطأٌ عارض على جهدٍ ممتد، ولا تُمحى سنواتٌ من العطاء بسبب هفوةٍ واحدة.
ومن هنا كان الإنصاف من القيم التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة؛ لأنه يغرس الثقة بين الناس، ويشجع على المبادرة، ويمنح العاملين الطمأنينة إلى أن أعمالهم ستُقوَّم بميزان العدل، لا باندفاع العاطفة أو تقلب الانطباعات.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين أمر بالعدل والإحسان، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90]، فجعل العدل أصلًا في الأقوال والأحكام، والإحسان كمالًا في المعاملة والتقدير. ومن مقتضى ذلك أن يُنظر إلى أعمال الناس نظرًا متوازنًا، يُقدِّر ما فيها من خير، ويعالج ما فيها من نقص، بعيدًا عن التهويل أو التجني.
ولهذا فإن المجتمعات التي يسودها الإنصاف لا تُعطِّل النقد، وإنما تُهذِّبه، ولا تُغفل الأخطاء، وإنما تضعها في موضعها الصحيح؛ لأن غايتها الإصلاح، لا التجريح، والبناء، لا الهدم.
ولا تستغني المجتمعات الناجحة عن النقد؛ فهو أداة للمراجعة، ووسيلة للتقويم، وسبب لتصحيح المسار. غير أن النقد لا يؤدي رسالته إلا إذا انطلق من إرادة الإصلاح، واستند إلى معرفةٍ بالواقع، وإدراكٍ لظروف العمل وتحدياته. أما إذا تحول إلى لومٍ مجرد، أو إلى أحكامٍ متعجلة، فإنه يفقد قيمته، ويصبح عبئًا على العاملين بدل أن يكون عونًا لهم.
والنقد البنّاء لا يقتصر على كشف الخطأ، بل يسعى إلى فهم أسبابه، ويقترح سبل معالجته، ويوازن بين ما تحقق من إنجاز وما وقع من تقصير. وهو لذلك يحفظ للعاملين جهودهم، ويعينهم على التطوير، ويغرس في بيئة العمل الثقة والرغبة في التحسين المستمر.
أما اللوم المجرّد، فإنه يقف غالبًا عند مواطن الخلل، ويغفل ما وراءها من ظروفٍ وتحديات، ويُصدر الأحكام من غير إحاطةٍ كافية بحقيقة المشهد. ولذلك لا يسهم في الإصلاح بقدر ما يشيع الإحباط، ويصرف الهمم، ويضعف روح المبادرة؛ لأن العامل إذا أيقن أن جهده سيُقابل بالتجريح مهما أحسن، فقد يفقد الحافز إلى مزيد من العطاء.
ومن هنا كان الفرق بين النقد واللوم فرقًا في المقصد والمنهج والأثر؛ فالنقد المنصف يبني الثقة ويقود إلى الإصلاح، أما اللوم المجرد فلا يورث في الغالب إلا اتساع الفجوة بين الناقد والعامل، ويجعل الانتصار للرأي مقدمًا على الوصول إلى الحقيقة.
لا يحتاج المتأمل إلى كبير عناء ليدرك أن هذه الظاهرة تتكرر في ميادين الحياة كلها؛ ففي المؤسسات، والجهات الخدمية، والمشروعات التنموية، والمبادرات المجتمعية، وحتى في الأعمال الفردية، يبرز من يبادر إلى تقويم النتائج، دون أن يقف على حجم الجهد الذي سبقها، أو التحديات التي أحاطت بها.
وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من اتساع هذه الظاهرة؛ إذ أصبح من اليسير أن تُختزل أعمالٌ استغرقت شهورًا، أو سنواتٍ من التخطيط والتنفيذ، في تعليقٍ عابر، أو مقطعٍ مقتضب، أو انطباعٍ سريع، يصدر في لحظات، بينما استغرق إنجاز العمل زمنًا طويلًا، وشارك فيه كثير من المختصين والخبراء.
وليس المقصود أن تُعصم الأعمال من النقد، أو أن تُحجب عن التقويم، وإنما المقصود أن يكون الحكم عليها بعد الإحاطة بظروفها، ومعرفة أهدافها، والنظر إليها في صورتها الكاملة؛ لأن العدالة لا تتحقق باقتناص مواضع الخلل وحدها، كما لا يتحقق الإصلاح بإغفال ما في الأعمال من جوانب الإتقان والنجاح.
ومن هنا فإن الإنصاف يقتضي من الناقد أن يسأل نفسه قبل أن يطلق حكمه: هل أحطت بحقيقة الأمر؟ وهل عرفت ما واجهه العاملون من تحديات؟ وهل لو كنت في موضعهم لاستطعت أن أقدم ما هو أفضل؟ إن مثل هذه الأسئلة لا تمنع النقد، لكنها تجعله أقرب إلى العدل، وأبعد عن التسرع، وأدنى إلى تحقيق الغاية التي شُرع من أجلها، وهي الإصلاح لا مجرد اللوم.
إن حق الإنسان في إبداء رأيه لا ينفصل عن مسؤوليته في تحري العدل والإنصاف؛ فالكلمة قد تبني ثقة، وقد تهدم همة، وقد تدفع إلى الإصلاح، وقد تُثبط عن الإنجاز. ولذلك كان النقد أمانةً قبل أن يكون حقًا، ومسؤوليةً قبل أن يكون ممارسة.
ومن مقتضى هذه المسؤولية أن يتثبت الناقد من حقيقة ما ينقده، وأن يحيط بظروفه، وأن يفرق بين الخطأ العارض والمنهج المستقر، وأن يجعل غايته الإصلاح لا الانتصار للرأي، والتقويم لا التجريح. فالنقد الذي يفتقد هذه المعاني لا يزيد صاحبه إلا تعجلًا، ولا يزيد المجتمع إلا احتقانًا.