أقرب الأشياء إلينا… وأشدها غموضاً – سلطان بن نايف الحربي

نعيش مع أنفسنا منذ اللحظة الأولى، ومع ذلك نشعر في أوقات كثيرة، وكأننا غرباء عن ذواتنا وآخر من يفهم ما يجري بداخلها.

نعرف أسماءنا، وأعمارنا، والأماكن التي عشنا فيها. نستطيع أن نحكي أين درسنا، ومن أحببنا، وما الأعمال التي مررنا بها، وما الخسارات التي غيرت فينا شيئاً لم يعد كما كان؛ لكن هذه المعرفة كلها لا تضمن أننا نعرف أنفسنا بما يكفي.

قد يعرف الإنسان سيرته كاملةً، ولكنه لا يعرف لماذا بقي سنوات في مكان يؤذيه، تارةً يغضب ويعرف أنه غضب؛ لكنه لا يعرف لماذا كان غضبه أكبر من الموقف الذي مر به بمراحل. يقول بأنه يسامح، ثم يكتشف بعد فترة أن شيئاً فيه ظل واقفاً عند الحادثة القديمة لا يبرحها.

يتحدث بثقة مفرطة عن شخصيته، ثم يأتي عليه ظرف واحد، فيرى من نفسه ما لم يكن قد أدخله في تعريفه عنها من قبل، وقد يظن أنه تجاوز الماضي تماماً حتى تفتح كلمات أغنية أو جملة عابرة مكاناً كان يعتقد أنه مغلق منذ زمن بعيد.

ربما لهذا تبدو معرفة النفس أغرب من معرفة أشياء أبعد عنا بكثير.

نستطيع أن نقف أمام مدينة، ونرسم خريطتها بدقة. أما الإنسان فلا يقف أمام نفسه، ويواجهها بهذه السهولة، فهو الذي ينظر، وهو نفسه الشيء الذي يحاول أن يراه في الوقت ذاته؛ ولهذا تختلط الرؤية بالرغبة، والذاكرة بالدفاع، والخوف بالتفسير حتى يصعب أن نعرف أين ينتهي أحدها ويبدأ الآخر.

نريد أحياناً أن نعرف الحقيقة عن أنفسنا لكننا نفضل أن تكون حقيقة نستطيع احتمالها، فنخفف تفصيلا هنا، أو نمنح دافعا اسماً ألطف هناك. نفسر بقاءنا بأنه وفاء مع أن شيئا من الخوف كان حاضراً في القرار.

نسمي الصمت حكمة، وقد يكون التعب هو الذي أسكتنا لا أكثر. نسمي التنازل طيبة ثم نكتشف متأخرين أننا لم نعد نعرف أين انتهى الآخرون، وأين بدأنا نحن.

وفي أحيان أخرى نظلم أنفسنا في الاتجاه المعاكس تماما.

نتعامل مع خطأ قديم واحد كأنه السيرة الذاتية كلها، فنجعل من لحضة خوف دليلا على أننا جبناء أو من خيبة واحدة برهانا على أننا لا نحسن معرفة الناس وقد يتحول الضمير من حيث نطلب منه أن يهذبنا إلى صوت لا يعرف إلا العقاب.

بين التبرئة الكاملة، والإدانة الكاملة تضيع مساحة واسعة يعيش فيها الإنسان الحقيقي؛ إنسان يتغير ويتناقض يعرف أحياناً ما يريد ويخاف منه في الوقت نفسه، يصمت لأنه نضج مرة، ويصمت لأنه خاف مرة أخرى، والفرق بينهما لا يظهر من الخارج أبدا. يبدو هادئًا بينما شيء في جسده يواصل الكلام، ويتذكر الماضي وهو يظن أن يستعيده كما كان مع أنه في الحقيقة يعيد بناءه من موقع الإنسان الذي أصبحه اليوم.

وربما لا نحتاج إلى تعريف نهائي للإنسان، فالتعريفات النهائية تريحنا أكثر مما تفسرنا، ولا نحتاج إلى تحويل النفس إلى مجموعة مشكلات تحتاج إلى إصلاح فالإنسان أوسع من ذلك بكثير فيه ما يحتاج إلى الفهم أكثر مما يحتاج إلى الحكم، وفيه ما تغيره الأيام من دون أن تستأذنه، وفيه أجزاء لا تظهر إلا عندما يخاف أو يحب، أو يخسر، أو يصمت، أو يبقى وحده بما يكفي ليسمع الضجيج يغطيه طوال الوقت.

ولا تسير معرفة النفس في خط مستقيم أبدًا قد يفهم الانسان اليوم شيئا عن نفسه ثم يعود غدا إلى عادة ظن أنه تجاوزها فعلا، وقد يعرف سبب خوفه من غير أن يختفي الخوف، وقد يكتشف أن بعض ما أنقذه في مرحلة صار عبئاً عليه في مرحلة أخرى، وهذه ليست دائما هزيمة للمعرفة ربما هي طبيعتها وحدها.

فمعرفة النفس لا تمنحنا سيطرة كاملة عليها، فأقصى ما تمنحه أن نصبح أقل غرابة عن أنفسنا عندما نفعل ما لم نتوقعه وأقل استعجالا في إصدار الحكم حين نرى تناقضاتنا رأي العين، أن نعرف أن الإنسان الذي صبر طويلا قد يحتاج إلى المغادرة وأن الذي يحب قد يحتاج إلى الحدود، وأن الصامت ليس حكيما بالضرورة وأن الذي ينسى لم يخن حتمًا، وأن الذي تغير لم يفقد نفسه لمجرد أنه لم يعد يشبه صورته القديمة.

وهكذا تعلمنا الحياة أنه كلما تقدم العمر يقل إغراء الإجابات السريعة نكتشف أن جملةً واحدةً لا تفسر علاقة، وأن صفةً واحدةً لا تختصر شخصًا وأن حادثةً واحدةً لا تكفي للحكم على حياة كاملة، وربما تكون هذه إحدى نعم المعرفة التي تأتي متأخرة: أنها تقلل يقيننا أكثر مما تزيده.

تجعلنا ننظر إلى أنفسنا بوضوح أكبر لكن برفق أكثر أيضا فما نحتاجه ليس أن يقال لنا من نكون بل أن نتوقف أحيانا أمام جملة ونقول:

«حدث لي شيء يشبه هذا» أو «لم أنظر إلى نفسي من هذه الزاوية من قبل» وربما وهذا أكثر ما يرجى من كلام كهذا:

أن نقرأ شيئا عن الإنسان الآخر، ثم نكتشف بهدوء أننا كنا نقرأ عن أنفسنا طوال الوقت.

نعيش مع أنفسنا منذ اللحظة الأولى، ومع ذلك نشعر في أوقات كثيرة، وكأننا غرباء عن ذواتنا وآخر من يفهم ما يجري بداخلها.

نعرف أسماءنا، وأعمارنا، والأماكن التي عشنا فيها. نستطيع أن نحكي أين درسنا، ومن أحببنا، وما الأعمال التي مررنا بها، وما الخسارات التي غيرت فينا شيئاً لم يعد كما كان؛ لكن هذه المعرفة كلها لا تضمن أننا نعرف أنفسنا بما يكفي.

قد يعرف الإنسان سيرته كاملةً، ولكنه لا يعرف لماذا بقي سنوات في مكان يؤذيه، تارةً يغضب ويعرف أنه غضب؛ لكنه لا يعرف لماذا كان غضبه أكبر من الموقف الذي مر به بمراحل. يقول بأنه يسامح، ثم يكتشف بعد فترة أن شيئاً فيه ظل واقفاً عند الحادثة القديمة لا يبرحها.

يتحدث بثقة مفرطة عن شخصيته، ثم يأتي عليه ظرف واحد، فيرى من نفسه ما لم يكن قد أدخله في تعريفه عنها من قبل، وقد يظن أنه تجاوز الماضي تماماً حتى تفتح كلمات أغنية أو جملة عابرة مكاناً كان يعتقد أنه مغلق منذ زمن بعيد.

ربما لهذا تبدو معرفة النفس أغرب من معرفة أشياء أبعد عنا بكثير.

نستطيع أن نقف أمام مدينة، ونرسم خريطتها بدقة. أما الإنسان فلا يقف أمام نفسه، ويواجهها بهذه السهولة، فهو الذي ينظر، وهو نفسه الشيء الذي يحاول أن يراه في الوقت ذاته؛ ولهذا تختلط الرؤية بالرغبة، والذاكرة بالدفاع، والخوف بالتفسير حتى يصعب أن نعرف أين ينتهي أحدها ويبدأ الآخر.

نريد أحياناً أن نعرف الحقيقة عن أنفسنا لكننا نفضل أن تكون حقيقة نستطيع احتمالها، فنخفف تفصيلا هنا، أو نمنح دافعا اسماً ألطف هناك. نفسر بقاءنا بأنه وفاء مع أن شيئا من الخوف كان حاضراً في القرار.

نسمي الصمت حكمة، وقد يكون التعب هو الذي أسكتنا لا أكثر. نسمي التنازل طيبة ثم نكتشف متأخرين أننا لم نعد نعرف أين انتهى الآخرون، وأين بدأنا نحن.

وفي أحيان أخرى نظلم أنفسنا في الاتجاه المعاكس تماما.

نتعامل مع خطأ قديم واحد كأنه السيرة الذاتية كلها، فنجعل من لحضة خوف دليلا على أننا جبناء أو من خيبة واحدة برهانا على أننا لا نحسن معرفة الناس وقد يتحول الضمير من حيث نطلب منه أن يهذبنا إلى صوت لا يعرف إلا العقاب.

بين التبرئة الكاملة، والإدانة الكاملة تضيع مساحة واسعة يعيش فيها الإنسان الحقيقي؛ إنسان يتغير ويتناقض يعرف أحياناً ما يريد ويخاف منه في الوقت نفسه، يصمت لأنه نضج مرة، ويصمت لأنه خاف مرة أخرى، والفرق بينهما لا يظهر من الخارج أبدا. يبدو هادئًا بينما شيء في جسده يواصل الكلام، ويتذكر الماضي وهو يظن أن يستعيده كما كان مع أنه في الحقيقة يعيد بناءه من موقع الإنسان الذي أصبحه اليوم.