أفريقيا بين تراجع الحروب وتحديات الأمن والاستقرار

رغم تراجع الحروب الأهلية واسعة النطاق في أجزاء من أفريقيا، لا يزال الأمن في القارة يواجه تحديات معقدة، تتداخل فيها الصراعات المحلية والعنف المسلح وضعف مؤسسات الدولة والتوترات السياسية والاقتصادية. لذلك، فإن فهم الأمن الأفريقي يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من غياب الحرب، إلى طبيعة الاستقرار وقدرة الدول والمجتمعات على مواجهة مصادر العنف والهشاشة. هذا ما أكده مايكل أوهانلون، الخبير الأمريكي في شؤون الدفاع والاستراتيجية والأمن القومي، في تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنتريست" الأمريكية. ويقول أوهانلون إنه مع انقضاء الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، يجدر بنا أن نتساءل عما إذا كانت أفريقيا قد أصبحت أكثر أمناً أو استقراراً. وما الخطوات التالية التي قد يكون من الحكمة اتخاذها لمساعدة بلدانها، التي يزيد عدد سكانها على مليار نسمة، على الانتقال إلى المستوى التالي من الأمن؟ ومع توقع أن تحدث نسبة كبيرة من نمو سكان العالم خلال نصف القرن المقبل في القارة الأفريقية، فإن هذه الأسئلة لا تكتسب أهمية بالنسبة لمواطني القارة اليوم فحسب، بل بالنسبة للمصير الأوسع للبشرية أيضاً. وفي حين أن أفريقيا تواجه بالتأكيد نصيبها من التحديات، فمن المفيد تقديم صورة متوازنة من خلال الإشارة إلى بعض الأخبار الجيدة بشأن القارة. فلا تزال الحروب بين الدول نادرة، ولا توجد صراعات مستمرة مباشرة بين الدول. وقد نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لأفريقيا ككل بنسبة 4.2% في عام 2025. ولا تزال معظم الدول الأفريقية فقيرة، لكنها تتحرك في الاتجاه الصحيح. وعلى الرغم من أن الديمقراطية الحقيقية لا تزال أمامها مسافة طويلة لتقطعها في القارة، فإن منظمة "فريدوم هاوس" تصنف، اعتبارا من عام 2026، 23 دولة من أصل 54 دولة ذات سيادة على أنها "حرة" أو "حرة جزئياً". وهذا أفضل بكثير مما كان عليه الحال، على سبيل المثال، في أواخر القرن العشرين. ويقول أوهانلون إنه بالانتقال إلى قضايا واتجاهات أمنية أكثر تحديداً، فلنركز أولاً على نحو اثنتي عشرة دولة رئيسية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى . ولا يخوض عدد لا بأس به من هذه الدول أي حروب أهلية كبيرة مستمرة. وتشمل هذه المجموعة الأولى كينيا وتنزانيا وجنوب أفريقيا وأنجولا وغانا وكوت ديفوار والسنغال. ثم هناك دول تشهد صراعات محدودة ومحلية. وتشمل هذه الدول إثيوبيا (التي انتهى الصراع في إقليم تيجراي فيها عام 2022)، وموزمبيق والكاميرون. ومن بين هذه القائمة الطويلة، لا تزال جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا والسودان وحدها غارقة حقاً في أعمال عنف واسعة النطاق ومستمرة. وهذه ثلاث دول بارزة، لكن النقطة الأوسع هي أنه ينبغي النظر إلى أفريقيا باعتبارها قارة يسودها السلام في معظمها، وليس قارة تعيش في معظمها حالة حرب. وبالطبع، لا يعني أي من ذلك أن كل شيء على ما يرام. لذلك، من المفيد التوقف عند تلك القائمة الأولى قبل المضي قدماً، إذ إن عبارة "لا توجد حرب أهلية كبيرة ومستمرة" لا تعني بالضرورة أن البلد "آمن". فقد تجعل بيانات الصراعات على المستوى الوطني بلداً ما يبدو مستقراً، في حين يمر قدر كبير من العنف المحلي اليومي دون أن يحظى بالانتباه. ويتساءل أوهانلون لماذا تنعم بعض الدول بالسلام، حتى لو كانت قد عانت هي نفسها من حرب أهلية في السابق؟ ويقول إنه بالطبع، فإن شعوب تلك الدول وقادتها يستحقون الفضل الأكبر عندما ينتهي الصراع. لكن المجتمع الدولي له أيضاً دور. وغالباً ما تكون الوساطة، إلى جانب حفظ السلام أو عمليات دعم السلام، جزءاً من الحل. ويقول أوهانلون إن الخبر الجيد هو أنه، على مدى عقود من الممارسة في مجال الوساطة في الصراعات، وكذلك حفظ السلام الدولي، أصبح العالم عموماً، وكذلك الدول والمنظمات الأفريقية على وجه الخصوص، أفضل في الحد من العنف. أما الخبر السيئ فهو أننا يبدو أننا بدأنا نشعر بالتعب من بذل هذا الجهد، ربما لأن الصراعات المستمرة تبدو عصية على الحل. وقد تراجع عدد عمليات السلام وحجمها في أفريقيا في الآونة الأخيرة، رغم عدم وجود اتجاه نحو مزيد من الأمن والسلامة في القارة. ويميل حفظ السلام إلى النجاح فقط في ظل ظروف معينة. وتكون فعاليته أكبر عندما يعزز تسوية اختارتها الأطراف بالفعل، بدلاً من أن يحل محل تسوية لم توافق عليها الأطراف المتحاربة بشكل كامل قط. وتميل العمليات إلى ممارسة نفوذها من خلال الإقناع والمراقبة والوعد بتقديم المساعدات أو منح مكانة دبلوماسية، بدلاً من فرض إرادتها بالقوة، نظراً لأن معظم البعثات لا تمتلك قوة حقيقية تذكر. ومع ذلك، لا توجد بعثة بمنأى عن مخاطر المعرقلين، إذ يمكن لطرف يستفيد من استمرار القتال أن يقوض عملية جيدة الإدارة، بغض النظر عن تصميمها. ومع ذلك، يظل تصميم البعثات وتنفيذها أمرين مهمين، إذ نجحت تاريخياً البعثات القائمة على مراعاة السياق، أي المصممة بما يتناسب مع الظروف السياسية الخاصة بكل دولة، كما حدث في ناميبيا والسلفادور وكمبوديا. أما تلك التي نُشرت من دون قبول محلي حقيقي، مثل رواندا قبل الإبادة الجماعية أو الكونغو اليوم، فقد وجدت أن المراقبة لم تكن قادرة على تعويض غياب سلام لم يكن يؤيده سوى عدد قليل من الأطراف حقاً أو يريده. كما أن البعثات التي ساعدت في بناء المؤسسات وإجراء الإصلاحات السياسية، مثل إنشاء المحاكم والشرطة وترتيبات تقاسم السلطة، كانت تميل أيضاً إلى تحقيق نتائج أفضل تاريخياً. ويقول أوهانلون إنه على مدى السنوات الخمس الماضية، كان الاتجاه العام يشهد تراجعاً بطيئاً. ونتيجة لذلك، انخفضت ميزانية الأمم المتحدة إلى 5.1 مليار دولار، أي بتراجع قدره 10% عن الفترة السابقة. ويشير خفض الميزانية الإجمالية للمنظمة بنسبة 15% إلى 3.2 مليار دولار هذا العام، بوضوح، إلى أن الأمم المتحدة تحتاج إلى الدعم الدولي الآن أكثر من أي وقت مضى. وقد أدى ذلك إلى تقليص أعداد الموظفين والموارد، في خضم فترة مضطربة من الصراعات العالمية. وعلاوة على ذلك، وبينما تتعاون الدول الأفريقية أحياناً بفاعلية في محاولة إنهاء الصراعات وبناء سلام جديد، فإن تنافساتها تؤدي أحياناً إلى دعمها لأطراف متعارضة أو انحيازها إلى جانب معين في بعض الحروب، مما يؤدي إلى تأجيج العنف وإدامته. وتقدم بيانات الأفراد أيضاً معلومات مهمة. وبالنسبة إلى هذه البعثات، لا تتوافر بيانات موثوقة عن القوات والأفراد إلا اعتبارا من عام 2010 فصاعداً، وهي الفترة التي كانت فيها كل واحدة من عمليات الأمم المتحدة الست الجارية، وهي بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في جمهورية أفريقيا الوسطى، وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، وقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي، وبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، قائمة وتقدم تقارير بصورة منتظمة. وفي هذا الإطار، يتركز الانخفاض في أعداد الأفراد خلال السنوات القليلة الماضية في بعثة أو بعثتين أفريقيتين تتجهان تدريجياً إلى الانتهاء. وعلى وجه الخصوص، بلغ إجمالي قوام قوات الأمم المتحدة ذروته واستقر عند نحو 75 ألفاً و500 فرد خلال الفترة 2018-2023، ثم انخفض بشكل حاد إلى نحو 54 ألفاً و700 فرد بحلول 2024-2025، أي تراجع بنسبة 28% خلال عامين، مدفوعاً بشكل شبه كامل بانتهاء مهمة الأمم المتحدة في مالي والتقليص الكبير لبعثة الأمم المتحدة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. ويرى أوهانلون أنه لحسن الحظ، تجاوزت معظم أكبر دول أفريقيا الحاجة إلى هذا النوع من التدخل لمعالجة جميع مشكلاتها، وأصبحت تعتمد بدلاً من ذلك على أشكال أكثر محلية أو عسكرية من الدعم، من خلال السياسات الداخلية أو بمساعدة الاتحاد الأفريقي. لا يدعو أي من ذلك إلى تبني حل سحري بعينه. وإنما هو مجرد تذكير بأن حفظ السلام والتعاون متعدد الأطراف يظلان، حيث يستمر العنف، أداتين لهما سجل حافل في احتوائه، وأن هذه الأداة تُحرم تدريجياً في الوقت الراهن من الموارد الكافية، في الأماكن التي هي في أمس الحاجة إليها. واكد صحفي متخصص في الشؤون العسكرية: بعد سنوات من الهدوء، تطل القرصنة الصومالية برأسها من جديدواشنطن ، وقد استولى قراصنة صوماليون على ناقلة نفط قبالة ساحل اليمن يوم الخميس الماضي، مما ينذر بإعادة ظهور دراماتيكي لتهديد ظل إلى حد كبير خاملاً في منطقة القرن الأفريقي عقب حملة قادتها الولايات المتحدة في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بحسب ستافروس أتلامازوغلو المتخصص في الشؤون العسكرية. وقال أتلامازوغلو، وهو صحفي مخضرم في الشؤون الدفاعية، متخصص في العمليات الخاصة، وهو جندي سابق في الجيش اليوناني، يحمل شهادة بكالوريوس من جامعة جونز هوبكنز، وشهادة ماجستير من كلية الدراسات الدولية، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، إن مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة (يو كيه إم تي أوه)، وهي منظمة للأمن البحري تدعمها البحرية الملكية، تلقى تقريراً يوم الخميس الماضي بأن مجموعة من القراصنة قد استولوا على ناقلة نفط كانت تبحر قبالة ساحل اليمن. وتأتي عملية القرصنة التي تم تنفيذها بعد مرور ثلاثة أيام على عملية اختطاف مماثلة قرب ساحل أرض بونتلاند في شمال الصومال، مما يشير إلى بداية توجه أوسع نطاقاً. ووفقاً لمركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة، وجهت الناقلة سيمول، والمعروفة أيضاً باسم سيبو 1، إشارة استغاثة يوم الخميس بالتوقيت المحلي تخطر فيها السلطات بأن هناك سفينة غير مصرح لها تقترب منها. وأفاد مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة في بيان عبر وسائل الإعلام "بأن ناقلة وجهت نداء استغاثة عبر القناة 16 للاستغاثات والنداءات الدولية، بينما كانت تبحر غرب خليج عدن". ووقع الحادث على بعد 156 ميلاً شرق ميناء المكلا اليمني. وبعد وقت قصير، أعلن مركز عمليات التجارة البحرية أنه "تلقى تأكيداً بأن ستة أشخاص مسلحين صعدوا إلى ظهر الناقلة وأنهم يسيطرون الآن على السفينة ويعيدون توجيهها صوب الصومال". وأضاف "السلطات تجري تحقيقاً. ويتم نصح السفن بأن تعبر بحذر وتبلغ عن أي نشاط مشبوه لمركز الأمن البحري." وتثير كلمة قرصان غالباً في الذهن صورة رجال مغامرين أخلاقهم منحطة، ويحتسون الخمور ويقتلون من أجل المتعة والكنوز في منطقة البحر الكاريبي. والمفهوم الشائع للقرصان – وهو رجل يرتدي رقعة عين ويجبر الناس على السير على لوح خشبي في مياه مليئة بأسماك القرش – ينطوي على تشابه ضئيل بقراصنة اليوم. ومع ذلك، فإن الفعل الأساسي نفسه قائم: حيث يقتحم رجال مسلحون على متن سفن بالقوة سفناً غير متوقعة ويستولون عليها مقابل الحصول على مال. وتتركز القرصنة الحديثة في المقام الأول في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبصفة خاصة الصومال التي أدى موقعها الجيوسياسي الحيوي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانعدام الحوكمة المستقرة، وسهولة الوصول إلى الأسلحة، إلى ظهور بيئة مثالية للقراصنة لازدهار نشاطهم. وتتألف جماعات القراصنة الصوماليين الأكثر شيوعاً من مجموعة من الرجال المسلحين بأسلحة خفيفة على متن قارب صغير مزود بمحرك قوي تفوق سرعته سرعة ناقلات النفط الكبيرة وغيرها من السفن التجارية. وتتمثل طريقة عمل القرصان المعاصر في الصعود إلى إحدى السفن التجارية، وأسر طاقمها، وإعادتها إلى المياه الآمنة، ثم احتجاز السفينة وطاقمها لطلب فدية. ورغم أن فرص بيع القراصنة لغنائمهم لأعلى سعر ضئيلة، إلا أن قيمة السفينة ومحتوياتها تقدر عادة بمئات الملايين من الدولارات، مما يجعل من الأجدى اقتصادياً للمالك دفع نسبة ضئيلة من هذا المبلغ مقابل الإفراج عنها بدلاً من المماطلة والمخاطرة بفقدانها بالكامل. كما أن القرصنة الناجحة قد تكون مربحة للغاية للمتورطين فيها. ووفقاً للبنك الدولي، هاجم قراصنة صوماليون أكثر من ألف سفينة بين عامي 2005 و2012، مما أسفر عن دفع قرابة 400 مليون دولار إجمالاً في صورة فديات (من قبيل المقارنة يبلغ متوسط الراتب الإجمالي في الصومال حوالي 3200 دولار.) وربما تكون أشهر عمليات القرصنة في السنوات الأخيرة هي عملية اختطاف سفينة الشحن "ميرسك ألاباما" عام 2009. فقد استولى أربعة قراصنة صوماليين على السفينة التي ترفع العلم الأمريكي، مما استدعى عملية إنقاذ واسعة النطاق للرهائن قادها الجيش الأمريكي. وفي نهاية المطاف، اضطرت فرقة العمليات الخاصة البحرية، المعروفة باسم فريق إس إي أيه إل 6 للتدخل لإنقاذ قبطان السفينة الأمريكي، الكابتن ريتشارد فيليبس. وبينما كان مفاوضو البحرية يستدرجون زعيم القراصنة إلى متن مدمرة صواريخ موجهة، قضى قناصة من قوات البحرية الخاصة على القراصنة الثلاثة المتبقين بطلقات متزامنة. وقد تم تجسيد هذه الحادثة لاحقاً في فيلم "كابتن فيليبس"، من بطولة توم هانكس في الدور الرئيسي. كما تُظهر حادثة ميرسك ألاباما، أن القرصنة يمكن أن تكون مربحة للغاية لحفنة من الأشخاص، لكن بالنسبة للكثيرين، تكون النتيجة النهائية زنزانة باردة أو ما هو أسوأ. ويبقى أن نرى ما سيكون عليه مصير خاطفي ناقلة النفط يوم الخميس الماضي.