أعطِ القوسَ باريها.. كيف تتحول تجاوزات الصلاحيات إلى خسائر مالية ومخاطر تعاقدية؟ – علي محمد أحمد  فقيهي

لا تُقاس كفاءة المنظمات بقدرتها على إنجاز الأعمال في وقت قياسي فحسب، بل بمدى قدرتها على تحقيق أهدافها ضمن منظومة مؤسسية توازن بين سرعة الإنجاز، وكفاءة الإنفاق، وسلامة القرارات، والالتزام بالسياسات والصلاحيات المعتمدة. فنجاح أي منظمة لا يتحقق بمجرد إتمام الأعمال، وإنما بالطريقة التي تُدار بها مواردها، وتُتخذ من خلالها قراراتها، وتُحمى بها مصالحها المالية والتعاقدية.

ومن هذا المنطلق، تؤدي إدارة المشتريات والعقود دورًا محوريًا يتجاوز إصدار أوامر الشراء وإبرام العقود؛ فهي إحدى الأدوات الأساسية لضبط الإنفاق، وتعزيز المنافسة، وإدارة العلاقات التجارية مع الموردين، وتحقيق أفضل قيمة ممكنة مقابل الموارد المالية التي تنفقها المنظمة.

غير أن بعض الممارسات داخل بيئات العمل تكشف عن فجوة بين السياسات المعتمدة والتطبيق الفعلي لها، حين يبادر موظفون من إدارات مختلفة إلى التواصل المباشر مع الموردين، ومناقشة الأسعار ونطاق الأعمال وشروط التنفيذ، وربما الاتفاق المبدئي على تفاصيل تجارية، قبل الرجوع إلى إدارة المشتريات والعقود أو الحصول على الموافقات اللازمة.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تُحال الطلبات لاحقًا إلى إدارة المشتريات لاستكمال الإجراءات النظامية، بعد أن تكون القرارات التجارية المؤثرة قد اتُّخذت بالفعل، وأصبح تعديلها أو إعادة التفاوض بشأنها أكثر صعوبة.

وهنا لا تكمن الإشكالية في مجرد التواصل مع المورد، إذ قد تقتضي طبيعة الأعمال إجراء مناقشات فنية متخصصة، وإنما في تجاوز الحدود الفاصلة بين التنسيق الفني المشروع واتخاذ القرارات التجارية والتعاقدية التي تخضع لصلاحيات محددة.

فما يبدو اختصارًا للإجراءات قد يتحول إلى تكلفة مالية، أو ضعف في المنافسة، أو التزام تعاقدي لم يكن محسوبًا.

تستثمر المنظمات في إعداد سياسات المشتريات، وبناء مصفوفات الصلاحيات، وتطوير إجراءات المنافسة والتفاوض والاعتماد؛ بهدف تنظيم المسؤوليات، وضبط القرارات، وتقليل المخاطر المرتبطة بالإنفاق والتعاقد.

لكن وجود هذه الأدوات لا يضمن وحده فاعليتها، ما لم تتحول إلى ممارسات ملزمة تنعكس على القرارات اليومية.

فحين يتمكن موظف من توجيه مورد للبدء في تنفيذ أعمال قبل استكمال الموافقات، أو الاتفاق معه على أسعار وشروط خارج الصلاحيات، ثم تُحال النتائج إلى الجهات المختصة لمعالجتها، فإن الخلل لا يعود محصورًا في تصرف فردي، بل يمتد إلى فاعلية منظومة الحوكمة نفسها.

وتتعدد الأسباب التي تدفع بعض الموظفين إلى تجاوز إجراءات المشتريات. فقد يعتقد الموظف أن إلمامه بالجوانب الفنية للمشروع يؤهله لإدارة العلاقة التجارية مع المورد، أو يرى أن الإجراءات المعتمدة تستغرق وقتًا لا يتناسب مع متطلبات الإنجاز. وقد تنشأ الممارسة نتيجة الاعتياد على مورد بعينه، أو القناعة المسبقة بقدرته على التنفيذ، أو ضعف الوعي بحدود الصلاحيات والمسؤوليات.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أثر القصور المحتمل في خدمات المشتريات، سواء بسبب بطء الإجراءات، أو ضعف التواصل، أو غياب المشاركة المبكرة في التخطيط للاحتياجات.

إلا أن استمرار هذه الممارسات، ولا سيما عندما تحظى بتسامح إداري متكرر، يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بالثقافة التنظيمية والمساءلة؛ إذ تتحول الاستثناءات تدريجيًا إلى ممارسات معتادة، وتتراجع قيمة السياسات أمام ضغوط الإنجاز.

ولذلك، فإن معالجة المشكلة تتطلب النظر إلى مسؤولية جميع الأطراف، لا الاكتفاء بتوجيه اللوم إلى الموظف الذي تجاوز الإجراءات.

من أكثر الآثار التي قد لا تظهر بصورة مباشرة عند تجاوز إدارة المشتريات إضعاف الموقف التفاوضي للمنظمة أمام الموردين.

فالمفاوضات التجارية لا تعتمد على السعر المعروض وحده، وإنما تتأثر بمستوى المنافسة، وتوافر البدائل، وحجم المعلومات المتاحة لكل طرف، ومدى قدرة المشتري على المفاضلة بين العروض.

وعندما يتواصل موظف مع مورد محدد، ويطلعه على تفاصيل الميزانية أو الجدول الزمني أو الحاجة الملحّة للتنفيذ، أو يمنحه انطباعًا بأنه الخيار المفضل أو الوحيد، فقد تتغير طبيعة العلاقة التفاوضية لمصلحة المورد.

فالمورد الذي يدرك وجود منافسة حقيقية تكون لديه حوافز أقوى لتقديم أسعار وشروط تنافسية، بينما قد تتراجع هذه الحوافز إذا اعتقد أن اختيار المنظمة قد حُسم مسبقًا، وأن ما تبقى مجرد استكمال للإجراءات.

ولا يقتصر الأثر المحتمل على ارتفاع الأسعار أو انخفاض الخصومات، بل قد يمتد إلى شروط الدفع، ومدد التنفيذ، والضمانات، ومستويات الخدمة، وغيرها من العناصر التي تشكل القيمة الإجمالية للعقد.

وفي بعض الحالات، قد تجد إدارة المشتريات نفسها أمام عرض يصعب تحسينه، بعدما أصبح المورد مدركًا لحاجة المنظمة إليه، أو بعدما نشأ ارتباط فني أو زمني يجعل الانتقال إلى بديل آخر أكثر تكلفة.

ولا يعني ذلك افتراض سوء نية الموردين، فالسعي إلى تحقيق المصالح التجارية أمر طبيعي، لكن مسؤولية المنظمة تقتضي إدارة علاقاتها مع السوق بطريقة تحمي قدرتها التفاوضية وتضمن الاستخدام الأمثل لمواردها.

إن خسارة المنظمة لا تبدأ بالضرورة عندما تقبل سعرًا مرتفعًا، بل قد تبدأ عندما تفقد قدرتها على التفاوض قبل الوصول إلى مرحلة التسعير.

تزداد الإشكالية تعقيدًا عندما ينتقل التواصل غير المنظم مع الموردين من تبادل المعلومات إلى التأثير في صياغة متطلبات المنافسة نفسها.

فقد تتواصل إحدى الإدارات مع مورد محدد، وتناقش معه الحلول الفنية والتجارية، ثم تُعد نطاق الأعمال والمواصفات بناءً على تلك المناقشات، قبل إحالتها إلى إدارة المشتريات لطرح المنافسة.

وفي هذه الحالة، قد تبدو الإجراءات مكتملة من الناحية الشكلية، لكن ذلك لا يكفي لضمان عدالة المنافسة وفاعليتها.

فإذا كانت المواصفات مصممة بما يتوافق مع حل مورد بعينه دون مبرر فني موضوعي، أو امتلك أحد الموردين معلومات مؤثرة لم تتح للآخرين، فإن فرص المنافسة المتكافئة قد تتراجع، حتى وإن وُجهت الدعوة إلى أكثر من مورد.

والأشد إشكالًا أن تدخل الإدارة الطالبة المنافسة وهي مقتنعة مسبقًا بنتيجتها؛ إذ تصبح العروض المقدمة من الموردين الآخرين أقرب إلى استيفاء متطلب إجرائي منها إلى بدائل تخضع للمفاضلة الفعلية.

وهنا تفقد المنافسة غايتها الأساسية، وهي إتاحة الفرصة لاكتشاف الحلول الأنسب وتحقيق أفضل قيمة للمنظمة.

فالمنافسة الحقيقية لا تبدأ عند استلام العروض وفتحها، وإنما منذ تحديد الاحتياج، وصياغة المواصفات، ودراسة السوق، ووضع معايير التقييم بصورة موضوعية.

ومن ثم، فإن إشراك إدارة المشتريات والعقود منذ المراحل الأولى ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل ضمانة مهمة لحماية حياد المنافسة، وتوسيع البدائل المتاحة، والحد من القرارات التجارية المسبقة التي يصعب تصحيح آثارها لاحقًا.

الالتزامات المالية... أخطر ما قد تخلّفه التجاوزات

إذا كان ضعف المنافسة يؤدي إلى خسائر قد تظهر في الأسعار وشروط التعاقد، فإن إنشاء التزامات مالية خارج القنوات المعتمدة يمثل خطرًا أكثر تعقيدًا، لما قد يترتب عليه من مطالبات ونزاعات ومسؤوليات يصعب احتواؤها.

وقد تبدأ المشكلة بتصرف يبدو بسيطًا؛ كطلب خدمة عاجلة من مورد، أو توجيهه للبدء في التنفيذ، أو الموافقة على أعمال إضافية، أو التعهد بإصدار أمر شراء في وقت لاحق.