أضاعوك وأي فتى أضاعوا؟ – ليلى أمين السيف

ثمة أناس لا تبدأ أعمارهم من يوم ولادتهم، بل من اليوم الذي فهموا فيه أن عليهم أن يربّوا أنفسهم بأنفسهم. في طفولة بعضهم لم تكن هناك يد ممتدة تمسح الخوف ولا صدر يتسع لأسئلتهم ولا أخوة يعرفون كيف يكونون سنداً ولا بيت يمنحهم ذلك الشعور البسيط بأن هناك من سيحمل عنهم بعض أعباء الحياة حين تضيق بهم السبل. فكبروا قبل أوانهم. تعلموا أن يخفوا حاجتهم ومشاعرهم وأن يسندوا أنفسهم بأنفسهم وأن يقولوا لا بأس في أوقات لم يكن فيها أي شيء على ما يرام.

ومضت بهم الحياة بأيامها وتقلباتها، بأفراحها وخيباتها وبمسؤولياتها التي وجدوا أنفسهم في مواجهتها وحدهم. فتعلّموا بالطريقة الأصعب: بالتجربة والخطأ، والسقوط ثم النهوض. وحين أصبح لهم أبناء، لم يورِّثوهم وجع طفولتهم؛ عوّضوهم ما افتقدوه من حنان وأمان وأعطوهم من الحب ما يكفيهم ومن التربية ما يهذّبهم ليعيشوا طفولتهم كما ينبغي دون أن يحملوهم هموماً قبل أوانها أو حتى يفسدوهم بالحب الذي حُرموا منه.

وما افتقدوه يوماً وجد صداه في علاقتهم بمن حولهم؛ كانوا سنداً للقريب، أوفياء للصديق، لا ينسون غائباً ولا يخذلون محتاجاً ويعطون من قلوبهم دون حساب. ولم يجعلوا ما مرّوا به ميزاناً يحاسبون به الناس؛ ظلّوا خيرين ولعل ما قاسوه في حياتهم لم يزدهم إلا رحمة وما مر بهم لم يزدهم جفاء، بل جعلهم ألين قلباً تجاه وجع الآخرين. غير أن العطاء حين يأتي بلا شرط ولا انتظار لمقابل قد يألفه الناس حتى يصبح شيئاً يتوقعونه وينسون أنه كان اختياراً من صاحبه لا واجباً عليه؛ فيغدو حضوره أمراً معتاداً وصبره شيئاً مفروغاً منه ووقوفه إلى جانبهم أمراً لا يحتاج إلى شكر. حتى إذا تعب مرة، أو احتاج إليهم كما احتاجوا إليه من قبل بدا لهم تغيره مفاجئاً؛ فلا يكلفون أنفسهم عناء السؤال عمَّا أوصله إلى ذلك، بل يلومونه لأنه لم يعد كما كان.

وهنا تأتي بعض أقسى دروس العمر؛ أن صلة الدم لا تضمن الفهم وأن طول الصداقة لا يضمن الوفاء وأن من وقفت معه كثيراً قد لا يسندك إن وقعت. وليس أقسى ما في ذلك أن تخسر ما أعطيت عن طيب خاطر. الأقسى أن تكتشف أنك كنت تمنح معنى كبيراً لعلاقة لم يكن الطرف الآخر يراها بالعمق نفسه.

ومع ذلك لا ينبغي للخذلان أن ينجح في مهمته الأخيرة؛ أن يحول الطيب إلى قاس والخيِّر إلى شرير. فالإنسان قد يتألم ممن أحب وقد يتغير بعد ما مر به لكن ذلك لا يعني أن يفقد ما كان فيه من خير، فالنضج ليس أن يتوقف عن العطاء وإنما أن يعرف أين يضع قلبه؛ أن يبقى وفياً دون أن يستبيحه أحد وكريماً دون أن يهدر نفسه وأن يعرف أن بعض الناس يُحفظ لهم الود لكن لا يعود لهم المكان نفسه. ولعل أقسى ما في الحكاية أنهم لم يخسروا إنساناً قاسياً، بل خذلوا من كان يعرف معنى الحاجة لأنه ذاقها. أضاعوا من كان يخفف الحمل قبل أن يُطلب منه ويستر الضعف ويمنح الخائف الأمان.

ولم تكن طيبته غفلة عن ما تكنه القلوب فقد كان يفهم ما لا يقال ويشعر بما تخفيه النفوس لكنه كان يتغافل عن علم لا يجهله فيترك للناس سترهم وللأيام كشفهم.

ويمضى، لا يحمل ثأراً ولا ينتظر اعتذاراً ولا يقف طويلاً عند باب أُغلق في وجهه. يمضى وفي داخله ذلك الشخص نفسه؛ الذي لم يجد يوماً من ينقذه فتعلم أن يكون عوناً لغيره. وربما لم ولن يعرف الذين أضاعوه ما الذي فقدوه يومها. فبعض الخسارات لا تصدر صوتاً حين تقع؛ لا يشعر بها المرء إلا حين يأتي يوم يحتاج فيه إلى ذلك الإنسان الصادق في مشاعره، فيبحثون عنه ولا يجدونه.

عندها فقط يُعرف أن بعض الغياب لا يترك فراغاً في المكان، بل في الحياة نفسها.

ولعلهم سيذكرونه يوماً لا لأنه كان كاملاً، بل لأنه كان من أولئك الذين يمرون في حياة الناس ثم يتركون فيها شيئاً من الخير لا يسهل تعويضه.

ثمة أناس لا تبدأ أعمارهم من يوم ولادتهم، بل من اليوم الذي فهموا فيه أن عليهم أن يربّوا أنفسهم بأنفسهم. في طفولة بعضهم لم تكن هناك يد ممتدة تمسح الخوف ولا صدر يتسع لأسئلتهم ولا أخوة يعرفون كيف يكونون سنداً ولا بيت يمنحهم ذلك الشعور البسيط بأن هناك من سيحمل عنهم بعض أعباء الحياة حين تضيق بهم السبل. فكبروا قبل أوانهم. تعلموا أن يخفوا حاجتهم ومشاعرهم وأن يسندوا أنفسهم بأنفسهم وأن يقولوا لا بأس في أوقات لم يكن فيها أي شيء على ما يرام.

ومضت بهم الحياة بأيامها وتقلباتها، بأفراحها وخيباتها وبمسؤولياتها التي وجدوا أنفسهم في مواجهتها وحدهم. فتعلّموا بالطريقة الأصعب: بالتجربة والخطأ، والسقوط ثم النهوض. وحين أصبح لهم أبناء، لم يورِّثوهم وجع طفولتهم؛ عوّضوهم ما افتقدوه من حنان وأمان وأعطوهم من الحب ما يكفيهم ومن التربية ما يهذّبهم ليعيشوا طفولتهم كما ينبغي دون أن يحملوهم هموماً قبل أوانها أو حتى يفسدوهم بالحب الذي حُرموا منه.

وما افتقدوه يوماً وجد صداه في علاقتهم بمن حولهم؛ كانوا سنداً للقريب، أوفياء للصديق، لا ينسون غائباً ولا يخذلون محتاجاً ويعطون من قلوبهم دون حساب. ولم يجعلوا ما مرّوا به ميزاناً يحاسبون به الناس؛ ظلّوا خيرين ولعل ما قاسوه في حياتهم لم يزدهم إلا رحمة وما مر بهم لم يزدهم جفاء، بل جعلهم ألين قلباً تجاه وجع الآخرين. غير أن العطاء حين يأتي بلا شرط ولا انتظار لمقابل قد يألفه الناس حتى يصبح شيئاً يتوقعونه وينسون أنه كان اختياراً من صاحبه لا واجباً عليه؛ فيغدو حضوره أمراً معتاداً وصبره شيئاً مفروغاً منه ووقوفه إلى جانبهم أمراً لا يحتاج إلى شكر. حتى إذا تعب مرة، أو احتاج إليهم كما احتاجوا إليه من قبل بدا لهم تغيره مفاجئاً؛ فلا يكلفون أنفسهم عناء السؤال عمَّا أوصله إلى ذلك، بل يلومونه لأنه لم يعد كما كان.

وهنا تأتي بعض أقسى دروس العمر؛ أن صلة الدم لا تضمن الفهم وأن طول الصداقة لا يضمن الوفاء وأن من وقفت معه كثيراً قد لا يسندك إن وقعت. وليس أقسى ما في ذلك أن تخسر ما أعطيت عن طيب خاطر. الأقسى أن تكتشف أنك كنت تمنح معنى كبيراً لعلاقة لم يكن الطرف الآخر يراها بالعمق نفسه.

ومع ذلك لا ينبغي للخذلان أن ينجح في مهمته الأخيرة؛ أن يحول الطيب إلى قاس والخيِّر إلى شرير. فالإنسان قد يتألم ممن أحب وقد يتغير بعد ما مر به لكن ذلك لا يعني أن يفقد ما كان فيه من خير، فالنضج ليس أن يتوقف عن العطاء وإنما أن يعرف أين يضع قلبه؛ أن يبقى وفياً دون أن يستبيحه أحد وكريماً دون أن يهدر نفسه وأن يعرف أن بعض الناس يُحفظ لهم الود لكن لا يعود لهم المكان نفسه. ولعل أقسى ما في الحكاية أنهم لم يخسروا إنساناً قاسياً، بل خذلوا من كان يعرف معنى الحاجة لأنه ذاقها. أضاعوا من كان يخفف الحمل قبل أن يُطلب منه ويستر الضعف ويمنح الخائف الأمان.

ولم تكن طيبته غفلة عن ما تكنه القلوب فقد كان يفهم ما لا يقال ويشعر بما تخفيه النفوس لكنه كان يتغافل عن علم لا يجهله فيترك للناس سترهم وللأيام كشفهم.

ويمضى، لا يحمل ثأراً ولا ينتظر اعتذاراً ولا يقف طويلاً عند باب أُغلق في وجهه. يمضى وفي داخله ذلك الشخص نفسه؛ الذي لم يجد يوماً من ينقذه فتعلم أن يكون عوناً لغيره. وربما لم ولن يعرف الذين أضاعوه ما الذي فقدوه يومها. فبعض الخسارات لا تصدر صوتاً حين تقع؛ لا يشعر بها المرء إلا حين يأتي يوم يحتاج فيه إلى ذلك الإنسان الصادق في مشاعره، فيبحثون عنه ولا يجدونه.

عندها فقط يُعرف أن بعض الغياب لا يترك فراغاً في المكان، بل في الحياة نفسها.