في زاويةٍ منسية من المدينة، تقف مكتبة قديمة كأنها ذاكرةٌ حجرية، لا يزورها أحد، لكنها لا تكفّ عن استحضار الجميع. بابها الخشبي المتهالك لا يُغلق تمامًا، وكأنّه يترك شقًّا صغيرًا لتسرّب الحكايات… أو لمرور الأشباح. لم تكن الأشباح هنا على هيئة ظلالٍ بيضاء عابرة، ولا همساتٍ تُفزع العابرين، كانت من نوعٍ آخر؛ أشباحٍ من ورق، وأرواحٍ من حبر. كل كتابٍ مهمل على الرفوف يحمل طيف قارئٍ مرّ به يومًا، وكل صفحةٍ مطوية تُخفي أثر يدٍ توقفت عند فكرةٍ ثم رحلت. في الداخل، يسكن الصمت.. لكنه ليس صمتًا فارغًا، كان ممتلئًا بأصواتٍ قديمة. إذا أصغيت جيّدًا، تسمع ارتطام المعاني ببعضها، وتنهّدات الكُتّاب الذين لم يُنصت لهم أحد، وربما ضحكة قارئٍ وجد نفسه فجأة بين السطور. كانت الرفوف كأنها صفوف من الشهود، تحمل تاريخًا من الأسئلة أكثر مما تحمل من الإجابات. كتابٌ في زاويةٍ عليا، لم يُمسّ منذ سنوات، يراقب الغبار وهو يتكاثر عليه كزمنٍ بطيء، وآخر مفتوح عند صفحةٍ بعينها، كأنه لا يزال ينتظر من يُكمل القراءة. ثمة شيءٌ مهيب في هذا المكان؛ ليس الخوف، إنما إحساس جميل بأنك لست وحدك. أن كل من قرأ هنا، وكل من كتب، وكل من فكّر أو تردّد أو بكى أو ابتسم… لا يزال حاضرًا بطريقةٍ ما. فالمكتبة حفظت الأرواح في داخلها كما حفظت الكتب. أحدهم قال إن الكتب تموت إذا لم تُقرأ، لكن الحقيقة أن من يموت هو القارئ فينا، ذلك الذي كان يُصغي بدهشة، ويؤمن أن صفحةً واحدة قد تغيّر مسار حياة. أما الكتب، فهي تجيد الانتظار، وتعرف كيف تُخفي أشباحها في صبرٍ عميق. حين خرجتُ من المكتبة، لم أشعر أنني غادرتُها تمامًا. شيءٌ مني بقي هناك، بين رفٍّ ورفّ، بين جملةٍ لم تكتمل، وفكرةٍ لم تُفهم بعد. وربما، في يومٍ ما، سيأتي قارئٌ آخر، يفتح كتابًا قديمًا.. فيجدني. هناك، وفي كل مكتبة، قديمةً كانت أو حديثة، لا شيء يضيع حقًا. كل ما دُوِّن يبقى، وكل ما يُقرأ يترك أثرًا فينا.