أسماء عبدالعظيم تكتب: المحليات بين اللقطة والأثر

أسماء عبدالعظيم تكتب: المحليات بين اللقطة والأثر

ليست كل صورة أمام مدرسة إنجازًا، وليست كل جولة ميدانية مجرد لقطة عابرة.

ففي الإدارة المحلية، هناك فرق كبير بين أن نرى المشكلة وأن نمتلك القدرة على حلها، وبين أن نكتشف الخلل وأن نعرف كيف نمنع تكراره.

والإنصاف يقتضي أن نقول إن لدينا بالفعل نماذج مشرفة من المحافظين والقيادات المحلية، أثبتت أن العمل الجاد حين يقترن بالرؤية والمتابعة يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا يشعر به المواطن في حياته اليومية.

لكن نجاح بعض التجارب يفتح أمامنا سؤالًا أهم:كيف نحول التجارب الناجحة من نماذج فردية إلى منظومة عمل مستدامة؟

المحافظ في النهاية يعمل داخل منظومة لها إمكانيات وحدود، وميزانيات، وتشريعات، وأجهزة تنفيذية، ولذلك فإن تحميل شخص واحد مسؤولية كل مشكلة قد لا يكون هو الطريق الصحيح للحل.

قد يزور المحافظ مدرسة فيجد احتياجًا حقيقيًا، أو يدخل مستشفى فيلاحظ مشكلة، أو يرى طريقًا يحتاج إلى إصلاح. وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية: ليس فقط بتوجيه الملاحظة، وإنما بفتح ملف المشكلة، وتحديد أسبابها، والجهة المسؤولة عنها، ومصدر تمويل حلها، ثم وضع توقيت واضح للتنفيذ والمتابعة.

نحتاج إلى الانتقال من «الجولة» إلى «منظومة المتابعة»

يمكن أن تكون كل جولة ميدانية بداية لخطة عمل بسيطة:

مشكلة → مسؤول عنها → حل مقترح → مصدر تمويل → موعد للتنفيذ → متابعة → تقييم للنتيجة.

وبذلك لا تنتهي المشكلة بانتهاء الزيارة، ولا ينتهي الملف بانتهاء التصوير، وإنما تستمر المتابعة حتى يرى المواطن أثرًا حقيقيًا على الأرض.

من الممكن إنشاء منظومة إلكترونية مبسطة تستقبل شكاوى المواطنين وملاحظاتهم، وتُصنفها حسب الأولوية، وتحدد الجهة المسؤولة عن التعامل معها، مع وجود مؤشر واضح يبين ما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه وأسباب التأخير.

فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، بل هو شريك في تحسينها.

نجاح المحافظة لا يجب أن يقاس بعدد الجولات أو الاجتماعات فقط، وإنما بمؤشرات يشعر بها الناس:

هل تحسنت النظافة؟هل انخفض زمن الاستجابة للشكاوى؟هل تحسنت الخدمات؟هل أصبحت المدارس والمستشفيات أكثر كفاءة؟هل تم القضاء على أسباب المشكلة بدلًا من التعامل مع نتائجها فقط؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في قلب الإدارة المحلية الحديثة.

لا نحتاج إلى إلغاء ما هو قائم… بل إلى تطويره

لدينا كوادر وخبرات وتجارب ناجحة يمكن البناء عليها. وما نحتاجه هو ربط هذه الخبرات بمنظومة مؤسسية تجعل النجاح قابلًا للتكرار، بحيث لا يرتبط مستوى الأداء بشخص المسؤول وحده، وإنما يصبح جزءًا من طريقة عمل مستمرة.

كما نحتاج إلى تمكين القيادات المحلية من أدوات العمل الحقيقية، مع وضوح الاختصاصات، وسرعة اتخاذ القرار، وتوفير الموارد اللازمة، وفي المقابل وجود محاسبة عادلة على التقصير عندما تتوافر الإمكانيات والصلاحيات.

في النهاية، ليست القضية في أن يخرج المسؤول أمام الكاميرا، فالتوثيق جزء طبيعي من العمل العام، ومن حق المواطن أن يعرف ما تقوم به قياداته. وليست المشكلة في الجولات الميدانية، فهي واحدة من أهم أدوات اكتشاف الواقع والاقتراب من المواطن.

القضية الحقيقية هي أن تظل الكاميرا شاهدة على بداية العمل، لا أن تكون هي نهاية العمل.

أن تتحول الصورة إلى قرار، والقرار إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى نتيجة، والنتيجة إلى حياة أفضل لمواطن ينتظر منذ سنوات أن يرى شيئًا يتغير حوله.

فخلف كل ملاحظة في مدرسة طفل يحتاج إلى بيئة أفضل، وخلف كل مشكلة في مستشفى مريض يحتاج إلى خدمة تليق بإنسانيته، وخلف كل شكوى في قرية أو شارع أسرة تريد أن تعيش يومها بصورة أكثر أمانًا وكرامة.

وهنا تصبح الإدارة المحلية أكثر من مجرد ملفات وأختام واجتماعات… تصبح مسؤولية إنسانية قبل أن تكون مسؤولية وظيفية.

نحن لا نحتاج أن نبحث دائمًا عن المخطئ، بقدر ما نحتاج أن نبحث عن سبب المشكلة وطريق الحل.

ولا نحتاج إلى التقليل من تجربة ناجحة أو نقد مسؤول اجتهد، وإنما نحتاج إلى أن نتعلم من النماذج الناجحة، ونبني عليها، ونمنح القيادات الجادة الأدوات التي تساعدها على الإنجاز، ونضع في الوقت نفسه منظومة واضحة للمتابعة والمحاسبة.

فالمحافظ الناجح يستحق أن ندعمه، والقيادة المجتهدة تستحق أن نمكّنها، والموظف المقصر يجب أن يخضع للمساءلة، والمواطن يجب أن يكون حاضرًا في كل هذه المعادلة.

لأن مصر لا ينقصها المخلصون… وإنما تحتاج إلى أن تتكامل جهودهم داخل منظومة تجعل الإخلاص إنجازًا، والاجتهاد نتيجة، والقرار أثرًا.

وفي كل محافظة هناك حكايات نجاح تستحق أن تُروى، وقيادات تعمل في صمت، وموظفون يواصلون العمل رغم صعوبة الإمكانيات، ومواطنون يحلمون فقط بأن يجدوا خدمة أفضل.

فلنبحث عن هؤلاء، ولنمنحهم الضوء والدعم، ولنقِس نجاحنا بما يصل إلى المواطن لا بما يظهر في الصورة.

فالصور تُنسى… والجولات تنتهي… والمناصب تتغير…لكن الأثر الطيب الذي يتركه المسؤول في حياة الناس، يظل باقيًا حتى بعد أن يغادر مكتبه.

وهذه في النهاية هي قيمة الإدارة الحقيقية:أن يأتي المسؤول فيجد مكانًا يحتاج إلى إصلاح، ويغادره وقد ترك وراءه شيئًا أفضل مما وجده.

فليس المهم فقط أن نسأل: من كان هنا؟بل الأهم أن يسأل الناس بعد رحيله:“ماذا تغيّر لأنّه كان هنا؟”