أسرار لم تأكلها النيران.. كيف وصلت المواد النووية إلى سوريا؟

طوت سوريا رسمياً واحدة من أكثر الصفحات غموضاً في تاريخها الحديث، وذلك بعد إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على لسان مديرها العام رافاييل غروسي، العثور على «بضعة أطنان» من المواد النووية في موقع غير معلن يعود لحقبة النظام السابق.هذا الكشف، الذي جاء بمبادرة طوعية من الحكومة السورية الجديدة وإعلان وزير خارجيتها أسعد الشيباني وضع المواد تحت الضمانات الدولية، يسلط الضوء مجدداً على القصة الكاملة للبرنامج النووي السوري: كيف بدأ في الظلام؟ من أين جاءت مواده؟ وكيف انتهى بضربة قاضية؟كيف بدأت سوريا تحولها النووي سراً؟في البدايات، كان الحضور النووي في سوريا يقتصر على أنشطة مدنية وعملية محدودة وشفافة، ففي تسعينات القرن الماضي امتلكت دمشق مفاعلاً بحثياً صغيراً جداً (بقدرة 30 كيلوواط) اشترته آنذاك من الصين، واستخدمته في مركز «دير الحجر» لأغراض البحث العلمي تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.لكن طموحات النظام السابق اتجهت في أوائل الألفية نحو مسار سري شديد الخطورة، إذ بدأ التحول السري عندما قررت دمشق بناء مفاعل إنتاجي غير معلن في منطقة نائية بصحراء دير الزور، عُرف لاحقاً باسم موقع «الكبر».ولضمان السرية المطلقة، تم تجنب التصميم المعماري التقليدي للمنشآت النووية، فلم تبن قباب ضخمة، بل تم تغليف المفاعل بهياكل خارجية تجعله يبدو كأي مستودع أو منشأة زراعية عادية لتمويه أقمار التجسس الصناعية.كان الهدف الاستراتيجي بناء مفاعل يعمل باليورانيوم الطبيعي والغرافيت، ويكون قادراً في النهاية على إنتاج «البلتنيوم» الذي يمكن استخدامه في أغراض عسكرية.كيف وصلت هذه المواد والتقنيات إلى سوريا؟بناء منشأة بهذا الحجم تطلب شبكة توريد دولية معقدة بعيداً عن أعين الرقابة، اعتمد النظام السوري بشكل رئيسي على التحالف السري مع كوريا الشمالية، حيث صُمم مفاعل «الكبر» ليكون نسخة شبه متطابقة عن مفاعل «يونغبيون» الكوري الشمالي، ولم يقتصر الأمر على التصميم، بل وصل إلى استقدام خبراء ومهندسين كوريين شماليين أقاموا في الموقع للإشراف على مراحل البناء الحساسة.أما بالنسبة للمواد النووية نفسها ومن ضمنها أطنان اليورانيوم الطبيعي المعالج التي أعلنت الوكالة الدولية عن تأمينها مؤخراً فقد دخلت الأراضي السورية عبر عمليات تهريب وتوريد خفية، استُخدمت شركات واجهة لاستيراد التقنيات ومعدات الاستخدام المزدوج تحت غطاء مشاريع مائية أو صناعية مدنية.كما أشارت التحقيقات الاستخباراتية اللاحقة إلى أن بعض هذه المواد والتقنيات تم جلبها عبر شبكات السوق السوداء النووية العالمية، وعبر شحنات بحرية وجوية مُوِّهت بعناية فائقة لتجاوز قوانين التصدير الدولية.كيف انتهى المشروع ؟ظل المفاعل ينمو في الخفاء لسنوات، لكن النهاية بدأت تتشكل في مارس 2007، عندما حقق جهاز «الموساد» الإسرائيلي اختراقاً استخباراتياً نوعياً عندما تمكن عملاؤه من نسخ محتويات الحاسوب المحمول الخاص برئيس الهيئة العامة للطاقة الذرية السورية أثناء وجوده في العاصمة النمساوية فيينا.كشفت الصور عالية الدقة داخل الحاسوب عن الهيكل الداخلي للمفاعل، وأظهرت مسؤولين سوريين جنباً إلى جنب مع كبار خبراء البرنامج النووي الكوري الشمالي.لتأكيد هذه المعلومات، أرسلت إسرائيل فرق استطلاع خاصة تسللت إلى محيط الموقع في دير الزور وجمعت عينات من التربة أثبتت وجود آثار لمواد نووية.ومع التأكد من أن المفاعل شارف على العمل وبدء التشغيل الفعلي، اتخذت إسرائيل قراراً بتدميره في عملية بالغة السرية عُرفت باسم عملية البستان.ضربة قاصمةوفي ليلة 5-6 سبتمبر2007، انطلقت ثماني مقاتلات إسرائيلية من طرازي F-15 و F-16 متسللة عبر الحدود البحرية والبرية. باستخدام تقنيات حرب إلكترونية متطورة جداً، تمكنت الطائرات من شلّ وإعماء رادارات الدفاع الجوي السوري بالكامل دون إثارة انتباه المشغلين.وفي تمام الساعة 12:40، ألقت المقاتلات نحو 17 طناً من القنابل الذكية الخارقة للتحصينات على المفاعل، لتسوي المبنى الرئيسي وقلبه النووي بالأرض في ثوانٍ معدودة قبل أن يدخل إليه الوقود النووي الفعّال.سارع النظام السوري حينها إلى جرف الموقع بالكامل وإخفاء معالمه وإنكار طبيعته لعقدين من الزمن.ولكن اليوم، وبعد تسليم الحكومة السورية الجديدة ما تبقى من أطنان المواد النووية غير المعلنة للوكالة الدولية للطاقة الذرية لتخضع لضماناتها، يُسدل الستار نهائياً على إرث هذا المشروع السري، لتبدأ دمشق حقبة جديدة من الشفافية والتطبيقات السلمية للطاقة الذرية.