«أسبوع السينما اللبنانية»: بلد معلّق منذ نصف قرن!

في بيروت عام 1985، كانت سمر، ابنة الحرب، تهرب من الفوضى إلى الأفلام المصرية على شاشة التلفزيون. بعد أربعين عاماً، تعود سمر إلى الشاشة الكبيرة في نسخة مرمّمة، لتفتتح «أسبوع السينما اللبنانية» الذي تنظّمه وزارة الثقافة و«السينماتيك اللبنانية» بدءاً من اليوم حتى تشرين الأول (أكتوبر) تحت عنوان «لبنان من زمن إلى آخر». خمسة أفلام، من ثمانينيات القرن الماضي إلى عشرينيات القرن الحالي، تُعرض مجاناً في تسع صالات موزعة على بيروت والمتن والشوف والجنوب والشمال. في بلد أهمل أرشيفه السينمائي، وتركه للحروب والرطوبة والنسيان، أو لخزائن أوروبية بعيدة، تبدو استعادة الذاكرة البصرية فعلاً سياسياً.

جوسلين صعب: بيروت بين الوثائقي والروائي

تبدأ الرحلة مع جوسلين صعب، المراسلة التي وثّقت الحرب بكاميرتها منذ سنواتها الأولى، قبل أن تنتقل إلى الروائي في «غزل البنات» (1985). عنوان يحيل إلى الكلاسيكية المصرية. عرف الفيلم أيضاً باسم «حياة معلّقة»، وهو الاسم الأصدق. تلتقي سمر (هالة بسام) بكريم (جاك فيبر)، الرسّام المعتزل في شقته في بيروت الغربية، الواثق بأنّ حيّه سيحميه. علاقة غير متوقّعة بين جيلين تنمو بين الأنقاض. يحمل الفيلم أثر لغة صعب التوثيقية. مدينة حقيقية مدمّرة تؤدي دورها في حكاية متخيلة، وأهل يواصلون العيش كأن الخراب ديكور يومي.

«البحر أمامكم» لإيلي داغر

غسان سلهب: حرب ترفض أن تنتهي

بعد ثلاثة عشر عاماً، كانت الحرب قد «انتهت». في «أشباح بيروت» (1998)، مشى غسان سلهب في أرض لم يجرؤ أحد على دخولها بعد. مستنقع متعفن لحرب ترفض إعلان نهايتها. الحرب في الفيلم حاضر معلّق، حالة لا تنتهي من التداعيات. يعود خليل (عوني قواس) إلى بيروت بعدما دبّر موته قبل نحو عشر سنوات، فيستقبله رفاقه بمزيج من الشك والقلق والذعر الوجودي. عودته اضطراب في توازن المدينة الهش، وكلّ لقاء معه تذكير بأنّ الماضي في بيروت ينتظر اللحظة المناسبة ليفرض نفسه من جديد. يقحم سلهب في السرد شذرات من حوارات صادقة مع ممثليه، فيصير كلّ واحد منهم شاهداً وشبحاً في آن. والنتيجة موقف أخلاقي يرفض غضّ النظر، ويكشف هشاشة أيّ رواية «رسمية» عن الحرب.

من حلم الفضاء إلى حصار الجنوب

تعود جوانا حاجي توما وخليل جريج إلى زمن سبق الحرب. في «النادي اللبناني للصواريخ» (2012)، يستعيدان مغامرة منسية. في مطلع الستينيات، في خضم الحرب الباردة وذروة المدّ القومي العربي، انطلقت مجموعة من الطلاب والباحثين اللبنانيين في مغامرة غير متوقّعة، هي الانضمام إلى سباق الفضاء. حلم علمي لفت الأنظار لفترة وجيزة، ثم طواه النسيان. يتعامل المخرجان مع الذاكرة كعادتهما، بصفتها عمليّة مجزّأة، غير مكتملة عمداً، تسلّط الضوء على الفجوات والصمت والمحو في الذاكرة الجماعية.

وفي «جدار الصوت» (2019)، يعود أحمد غصين إلى العدوان الإسرائيلي في تموز 2006. خلال هدنة معلنة، يغادر مروان (كرم غصين) بيروت إلى الجنوب بحثاً عن والده الذي يرفض مغادرة القرية. يصل فيجد أصدقاء أبيه. تنتهي الهدنة، ويعلق الجميع في منزل واحد، فيما الجنود الإسرائيليون في الطابق العلوي. بشجاعة وحدّة، تخلّى غصين عن مكوّنات فيلم الحرب، وركز على الإنسان وعلى الخوف. جعل الحرب ضجيجاً وغباراً وخطى أعداء ومروحيات، وعدواً يملأ الفيلم من دون أن يأخذ مكانه في الكادر. حرب لا نرى منها شيئاً، لكنّها تسكننا. أن يُعرض الفيلم في صيدا، بوّابة الجنوب الذي تدور فيه الحكاية، أمرٌ له معناه في بلد لم يخرج جنوبه من الحرب يوماً.

«أشباح بيروت» (1998) لغسان سلهب

إيلي داغر: مدينة بلا أفق

يختتم إيلي داغر الرحلة بـ«البحر أمامكم» (2021). تعود جنى (منال عيسى) من باريس إلى بيت أهلها، فتجد مدينةً غطّت المباني فيها كلّ شيء، حتى البحر، ومستقبلاً يزداد ضبابيّة. صوّر داغر فيلمه قبل انفجار 4 آب 2020، لكن كلّ شيء فيه يشبه بيروت وسكّانها بعده. ميلانكوليا تبتلع الشخصيات والمدينة وتبتلعنا، والبحر، الرمز الأكبر في الفيلم، يقف هناك كمستقبل مليء بالرعب. ترتدي بيروت وجنى قناع اللامبالاة، محاصرتين بذكريات الماضي ولوم الذات، عاجزتين عن المضيّ قُدماً.

من «حياة معلّقة» عند صعب، إلى الحاضر المعلّق عند سلهب، إلى مروان العالق في بيت يحاصره الاحتلال، وجنى العالقة بين باريس وبيروت، تتكرّر الكلمة نفسها على مدى أربعين عاماً: التعليق. تغيّرت الكاميرات واللغات والأدوات، والبلد ما يزال معلّقاً. في هذه الأفلام نستطيع أن نرى كيف حاول كلّ جيل أن يصوّر الحرب بطريقته، وكيف بقيت السينما، من تلفزيون سمر إلى صالات صيدا وأميون وطرابلس، المكان الذي نتنفس فيه قليلاً.

«أسبوع السينما اللبنانية»: بدءاً من اليوم حتى 30 تشرين الأول — الدخول مجاني — بيروت (متروبوليس، المكتبة الوطنية، متحف سرسق)، الفريكه (أوكورا)، الباروك (فارمفيل)، صيدا (مسرح إشبيليا، مركز معروف سعد)، أميون (CLAC)، طرابلس (مرسح). يفتتح الأسبوع بعرض «غزل البنات» في المكتبة الوطنية في الصنائع، الساعة السادسة من مساء اليوم مع تقديمٍ خاص من القيّمين على ترميمه.