في الثامن عشر من أكتوبر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأييده الكامل لبنيامين نتنياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية، وبعد أربعة أيام أكد البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لن تستأنف ضرب إيران قبل انتخابات الكونغرس في الثالث من نوفمبر، ثم خرج ترامب في الثالث والعشرين من أكتوبر متحدثًا عن قدرته على إنهاء الحرب سريعًا، لكنه ترك الباب مفتوحًا أمام خيار آخر يتمثل في السماح للصراع بالتراجع تدريجيًا، وبين هذه المواقف الثلاثة تتحدد واحدة من أكثر زوايا المشهد الأمريكي الإسرائيلي أهمية، فالتحالف الذي يجمع الرجلين في مواجهة إيران لا يلغي اختلاف حساباتهما بشأن توقيت استخدام القوة، ولا يجعل حاجة نتنياهو إلى دعم انتخابي مماثلة لحاجة ترامب إلى تجنب اضطراب جديد في الداخل الأمريكي.
وتزداد أهمية هذا الاختلاف قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، بعدما أظهرت الاستطلاعات الأخيرة أن معسكر نتنياهو لا يمتلك أغلبية مضمونة، في مقابل تقدم الديمقراطيين في نوايا التصويت الأمريكية وتراجع شعبية ترامب، فيما تحاول طهران الاستفادة من ضيق الوقت المتاح أمام الطرفين دون أن تكون بمنأى عن تكاليف استمرار الحرب.
وإذا كانت الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية قد حظيت بقراءات واسعة بشأن تشكيل الحكومات وموازين الكونغرس، فإن التطورات الأخيرة تفتح زاوية مختلفة، تتعلق بمن يستطيع التحكم في توقيت القرار العسكري والسياسي، ومن يملك القدرة على تأجيله، وما إذا كان انقضاء الاستحقاقات الانتخابية سيزيل أسباب التردد أم يكشف خلافات أعمق بشأن الأهداف والنتائج.
أولًا.. تأييد نتنياهو لا يعني الاتفاق على توقيت الحرب
لم يكن إعلان ترامب دعمه لنتنياهو في الثامن عشر من أكتوبر مجرد تعبير عن العلاقة الشخصية بينهما، فقد ربط الرئيس الأمريكي بقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية باستمرار التعاون العسكري في مواجهة إيران، وقدم نتنياهو باعتباره الشريك الذي تستطيع واشنطن الاعتماد عليه لاستكمال أهدافها، وهي رسالة انتخابية وأمنية في الوقت نفسه.
لكن المفارقة ظهرت في توقيت هذه الرسالة، إذ سبقتها مناقشات بشأن إمكان استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران قبل الاستحقاقين الانتخابيين، وفق روايات نقلت عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، بينما نفى البيت الأبيض بعض التفاصيل المتعلقة بهذه المناقشات، وأكد ترامب أنه لن يستأنف الضربات قبل انتخابات الثالث من نوفمبر.
وهناك فارق بين الموقفين، فترامب يستطيع دعم نتنياهو سياسيًا دون أن يلتزم بتوقيت عسكري يفضله رئيس الحكومة الإسرائيلية، كما يستطيع الاحتفاظ بخيار التصعيد دون استخدامه خلال الأيام الأخيرة من حملة انتخابية تتصدر فيها تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة اهتمامات الناخبين الأمريكيين.
ولا يكفي هذا الاختلاف للاستنتاج بوجود قطيعة بين الحليفين، لكنه يكشف أن الالتقاء حول الهدف الأمني لا يعني الاتفاق الكامل على وسائل تحقيقه أو موعد تنفيذه، فنتنياهو يتعامل مع إيران من موقع رئيس حكومة يخوض انتخابات عامة، بينما يتعامل ترامب معها من موقع رئيس لا يخوض انتخابات شخصية في نوفمبر، لكن حزبه يواجه اقتراعًا يؤثر في موازين السلطة التشريعية خلال العامين التاليين.
ويمنح هذا الفارق كل طرف حسابات سياسية مختلفة، إذ يستطيع نتنياهو توظيف علاقته بترامب في التأكيد على قدرته على إدارة التحالف مع واشنطن، بينما يتحمل ترامب المسؤولية السياسية أمام الناخب الأمريكي عن القرارات العسكرية والاقتصادية التي تتخذها إدارته، بما فيها النتائج المحتملة لأي جولة جديدة من المواجهة.
وتزداد دلالة ذلك مع تأكيد البيت الأبيض في الثاني والعشرين من أكتوبر عدم تنفيذ ضربات أمريكية قبل الانتخابات، بالتزامن مع تقارير عن إعداد خطط عسكرية مشتركة لعمليات يمكن تنفيذها بعد الاقتراع، وهي تقارير لم تتحول إلى إعلان رسمي بقرار الهجوم، لكنها توضح أن الاستعداد العسكري والقرار السياسي لا يسيران بالضرورة وفق جدول زمني واحد.
فالخطط العسكرية تمنح القيادة خيارات، ولا تعني اتخاذ قرار بتنفيذها، كما أن تأجيل العملية لا يساوي التخلي عنها، وبين الأمرين توجد مساحة تستخدم فيها الحكومات الوقت للتفاوض وجمع المعلومات وإعادة تقييم المخاطر، خصوصًا عندما تكون النتائج المحتملة للعملية أكبر من القدرة على ضبط آثارها.
ثانيًا.. الانتخابات تكشف حدود النفوذ المتبادل بين واشنطن وتل أبيب
في استطلاع للقناة الإسرائيلية الثانية عشرة عقب إعلان ترامب دعمه لنتنياهو، قال 64 % من المشاركين إن التأييد الأمريكي لن يغير اختيارهم الانتخابي، مقابل 12 % اعتبروا أنه يعزز ميلهم إلى الليكود، فيما رأى 17 % أنه يجعلهم أقل استعدادًا لدعم الحزب.
ولا تعني هذه الأرقام أن تدخل ترامب تسبب في خسارة انتخابية لنتنياهو، لأن الاستطلاع يقيس المواقف المعلنة من التأييد وليس التغير الفعلي في التصويت، لكنها تكشف حدود القدرة على تحويل العلاقة مع الرئيس الأمريكي إلى أصوات إضافية داخل إسرائيل، خاصة أن قطاعات من الناخبين تحكم على نتنياهو من خلال قضايا داخلية لا يستطيع التأييد الخارجي إزاحتها بالكامل.
ويمكن الاستنتاج من تلك النتيجة على مستويين، الأول يتعلق بالناخب الإسرائيلي الذي يميز بين تقديره للتحالف مع الولايات المتحدة وتقييمه لرئيس حكومته، والثاني يتعلق بالقيمة السياسية لدعم ترامب نفسه، إذ لا يبدو أن إعلان التأييد قادر بمفرده على تجاوز الانقسامات المتعلقة بإدارة الحرب والمسؤولية عن الإخفاقات الأمنية والاقتصاد والتحالفات الداخلية.
وتبرز هذه الحدود بصورة أوضح عند النظر إلى أحدث متوسطات الاستطلاعات الإسرائيلية، التي تمنح معسكر نتنياهو نحو 53 مقعدًا، مع تباعد واسع بين تقديرات المؤسسات المختلفة، بينما لا تمنح المعارضة اليهودية كذلك أغلبية مستقلة، وهي معطيات تجعل أي دعم خارجي عنصرًا ضمن معادلة انتخابية أوسع، وليس بديلًا عن متطلبات الحشد والتحالفات وثقة الناخبين.
أما في الولايات المتحدة، فقد سجل استطلاع «رويترز/ إبسوس» المنشور في التاسع عشر من أكتوبر تقدم الديمقراطيين بنسبة 47 % مقابل 35 % للجمهوريين بين الناخبين المسجلين، بالتزامن مع انخفاض الموافقة على أداء ترامب إلى 31 %، بينما أظهر استطلاع آخر منشور في الحادي والعشرين من أكتوبر موافقة 36 % مقابل معارضة 59 % بين الناخبين المرجح مشاركتهم.
وتشير هذه النتائج إلى بيئة انتخابية تختلف عن تلك التي يستطيع فيها الرئيس تقديم العملية العسكرية الخارجية باعتبارها إنجازًا سياسيًا دون مواجهة أسئلة داخلية حول تكلفتها، فقد أصبحت الحرب مع إيران مرتبطة في تقييم قطاعات من الناخبين بأسعار الوقود والاقتصاد ومدى وضوح أهداف الإدارة.
وهكذا تظهر مفارقة داخل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، فالرئيس الأمريكي يمنح نتنياهو دعمًا سياسيًا واضحًا، لكنه لا يستطيع ضمان أثر هذا الدعم على الناخب الإسرائيلي، بينما يسعى نتنياهو إلى استمرار التنسيق العسكري مع واشنطن دون أن يستطيع إلغاء الاعتبارات الانتخابية التي تحكم قرار الرئيس الأمريكي.
وهذا الاختلاف لا يلغي عمق التحالف، لكنه يجعل إدارة العلاقة في الأيام الأخيرة أكثر حساسية، لأن كل طرف يستطيع التأثير في حسابات الآخر دون أن يمتلك القدرة الكاملة على توجيه قراراته الداخلية.