أسامة الواصلي لـ«عكاظ»: أسوأ خسائر الثقافة كتاب جيد لم يظهر !

الكاتب الباحث في الأدب والفكر أسامة بن يحيى الواصلي واحد من الأسماء الشبابيّة الناشطة في مشهدنا الثقافي، علاقته بالنقد ليست مجرد قراءة للنص من زاوية نظرية جاهزة، ولا ممارسة تستمد مشروعيتها من سلطة الناقد وحدها، علاقته بالنقد اختبار مزدوج للنص الذي نقرأه، وللأدوات التي نقرأه بها.تساؤلاته في النقد تبدأ من حساسيته النقدية تجاه ما يراه من مجاملة، أو استسهال في إطلاق الأحكام، أو هيمنة للاسم على النص، أو تحويل المناهج إلى قوالب تسبق العمل الأدبي ولا تنبثق منه.في هذا الحوار، نتنقّل مع الواصلي من علاقته الأولى بالنقد والأسئلة التي قادته إليه، ومن أثر الفلسفة والمنطق والقراءة خارج الأدب في تكوين عينه النقدية إلى «حق النص وسلطة المنهج» مشروعه النقدي، ورهانه على «نقد النقد»، لأنّه يراه ضرورة لمراجعة الأدوات التي استقرت في الممارسة النقدية العربية.ونذهب مع الواصلي إلى أبعد من ذلك، إلى مساءلة مفهوم الحياد نفسه، واقتراحه «الإنصاف المنضبط» بدلًا من الحياد الكامل.ولأنّ الحوار اتّسع من النص إلى المشهد الثقافي فقد توقّفنا مع الواصلي عند أثر المجاملة في صناعة ذاكرة أدبية زائفة، وعند علاقة الجوائز والفعاليات بالحركة الإبداعية، وعند الفجوة بين سرعة التحوّلات التي يشهدها الأدب السعودي وبطء التراكم النقدي القادر على تفسيرها. كما ناقشنا معه شروط انتقال الأدب السعودي من مجرد التعريف به إلى إنتاج أسئلته النقدية الخاصة، ووضع استقلال الناقد أمام سؤال المؤسسة الثقافية: كيف يمكن دعم المعرفة من دون شراء نتائجها؟!... فإلى نصّ الحوار:• دعنا نبدأ من علاقتك بالنقد، كيف بدأت؟•• ربما بدأت مع الأسئلة التي تجر إلى النقد، وهي من قبيل: لماذا نعد هذا جميلًا؟ وكيف يتحوّل الذوق إلى حكم؟ ولماذا يقرأ ناقدان النص نفسه ثم يخرجان منه بنتيجتين متباعدتين؟ وقد ساعدتني الفلسفة والمنطق في هذا المسار، ثم اتسعت القراءة في النقد القديم بما فيه من قضايا الشعر والبلاغة والموازنة وتعليل الأحكام وغيرها، وبعدها جاء النقد الحديث والنظريات النقدية وتطبيقاتها وهو مسار أُجلّه، ومع اتساع هذه القراءات بدأ يتضح لي أن المشكلة ليست دائمًا في النص أو النظرية ولكن كثيرًا ما تكون في الطريقة التي يلتقيان بها وأحسب أن هنا مربط خلاف كثير من المتعاطين مع النقد، فصار يلح عليّ سؤال آخر ظل حاضرًا بعد ذلك في كل قراءة تقريبًا: ما الذي كشفه الناقد في النص فعلًا وما الذي جاء به معه ثم رآه فيه؟ وذاك لأن النظرية تبدو متماسكة ما دامت في فضائها المجرد، لكن حين تدخل إلى نص بعينه يتم اختبارها؛ وهناك تظهر حدودها وتنكشف قدرة الناقد على استعمالها من غير أن يجعل النص تابعًا لها.وأظن أن في هذه الإجابة شيئًا مما يشغلني الآن؛ فلو سألتني بعد عام، فربما يتغيّر هذا الجزء منها.• ناقد أو تجربة قرائية تركت أثرًا في نظرتك للأدب؟•• التأثر حاصل بطبيعة الحال؛ بالشخصيات، وبالمناهج، وبطرائق التفكير، وحتى من يظن أنه نجا من ذلك يحمل في لغته وأسئلته شيئًا مما قرأه من قبل، وفي الحقيقة أن هذا السؤال يربكني كما أربكني السؤال الأول؛ لأنه يدفعني إلى الحديث عن نفسي بطريقة تقترب من الإعلان عن الذات، وأنا أميل إلى أن يستنتج القارئ مؤثراتي من أحكامي، ومن طريقة قراءتي، ومن الأسئلة التي تتكرر في كتابتي، لأن التأثر في ظني أوسع من أن يُرد إلى ناقد أو كتاب بعينه؛ فالقراءة الطويلة تصنع في الذهن طبقات لا نعرف دائمًا كيف تكونت، وقد يكون كتاب خالفناه أشد أثرًا من كتاب وافقناه، وقد يبقى سؤال واحد من كتاب كامل أطول عمرًا من جميع أجوبته. ومع السنوات اتسعت القراءة خارج الأدب وهذا غيّر معنى التأثر عندي؛ فبعض الأطروحات والمواضيع تمنحك عينًا جديدة ترى بها شيئًا كنت تمر عليه من قبل من غير أن تنتبه إليه، وأصدق جواب أستطيع قوله إن أكثر المؤثرات رسوخًا هي تلك التي تنسى أسماءها مع الوقت، وتبقى في العين التي نقرأ بها.• هل لديك اليوم مشروع نقدي؟•• من المسلَّمات عندي ألّا أفصح عن مشروع قبل أن يستوي؛ فالأفكار مشاع بين الناس ومن ظفر بها فليكتمها حتى يُنجز، ولكن سألمّح ولن أصرّح.فإن كنت تعني بالمشروع مشروعًا كتابيًّا، فنعم، أعمل على مشروع «حق النص وسلطة المنهج...» وأحسبه امتدادًا طبيعيًا لما شغلني في السنوات الماضية؛ فقد اعتاد النقد أن يسأل: أيّ منهج نطبّق؟ ثم ينتقل سريعًا إلى التطبيق، أما سؤالي فأسبق من ذلك قليلًا، وربما كان أشد إزعاجًا: مَن منح هذا المنهج حق الدخول إلى هذا النص أصلًا؟ ولماذا هذا المنهج دون سواه؟ وهل في النص من الشواهد والبنية ما يمنحه مشروعية الحضور، أم أن الناقد استدعاه لأن عنده منهجًا يبحث عن نص؟ وإن كنت تسأل عن مشروع عملي في الساحة الثقافية: فنعم أيضًا، يشغلني أن تصبح ممارسة «نقد النقد» جزءًا طبيعيًا من حياتنا الثقافية، لأنني أخشى على أي ساحة ثقافية لا تراجع نقادها من أن تتحوّل مع الزمن إلى معبد صغير تتكاثر فيه الأصنام ويطوف حول كل اسم مريدوه فتصبح مساءلة القول إساءة إلى قائله ومراجعة الناقد اعتداءً على منزلته.وأهمية نقد النقد تكمن في مساءلة العملية النقدية نفسها، ولأننا إذا أردنا إنتاج اتجاهات نقدية جديدة أو مناهج، أو نظريات تبحث في خصوصيتنا وتحاول حل مشكلاتنا الخاصة، علينا أن نسائل الأدوات أولًا ونختبر قدرتها وحدودها ثم نقترح ما يتجاوز قصورها. والحديث في هذا يطول.• قناعات الناقد، ألا يُخشى عليها أن تتحوّل إلى قيود تمنعه من اكتشاف جماليات جديدة؟•• لا ناقد بلا قناعات؛ لأن اختياره للسؤال نفسه ينطوي على تصور للجمال والمعنى والدليل، بيد أن الخطر كل الخطر حين تتحول القناعة من فرضية محتملة يدخل بها إلى النص إلى جهاز يمنعه من رؤية ما لا يوافقها، فكل قناعة نقدية عندي لها تاريخ صلاحية أمام النص، فإذا جاء نص عظيم واستطاع أن ينتج جمالًا لا تتسع له أدواتي، فالمشكلة في أدواتي لا في النص، وانقلها عني: النقد الذي لا يستطيع تعديل مقاييسه يتحوّل سريعًا إلى شرطة أدبية؛ يعرّف مسبقًا ما الذي يجوز أن يكون شعرًا أو رواية أو جمالًا، ثم يوزع التصاريح. ومع ذلك لا أؤيد الطرف المقابل الذي أتى بثالثة الأثافي فجعل الانفتاح ذريعة لإلغاء كل معيار، فالمرونة لا تعني أن كل شيء جائز بحال، لأن هناك شيئًا واحدًا لا أقبل التنازل عنه: الدليل، فالناقد يستطيع أن يغامر في التأويل كما يشاء، لكن عليه أن يبين الطريق الذي سار فيه من النص إلى النتيجة.• المجاملة في استقبال الأعمال الأدبية، هل تحوّلت إلى ظاهرة لها ما بعدها من تأثير على مستقبل الأدب؟•• المجاملة أخطر مما تبدو؛ لأنها تفسد جهاز القياس كله، فحين يصبح كل ديوان مدهشًا، وكل رواية استثنائية، وكل إصدار حدثًا، تفقد هذه الصفات قدرتها على التمييز، والخاسر الأكبر هو العمل الجيد؛ لأننا نسلبه اللغة التي يستحق أن يُمدح بها، فما الذي سنقوله لكتاب عظيم إذا كنا قد استهلكنا «العظيم» في 10 كتب متوسطة؟ المشكلة إذن معرفية وذوقية، وليست مسألة أخلاقية تخص صدق الناقد وحده. ثم إن المجاملة تصنع ذاكرة أدبية كاذبة، فقد يأتي باحث بعد سنوات إلى مواد الاستقبال فيجد الجميع روادًا ومجددين واستثنائيين وهذه لعمرُك جريمة في حق أنفسنا أولًا ثم في حق الأجيال اللاحقة.• كيف يمكن التوفيق بين التشجيع للمواهب الجديدة والمجاملة التي قد تفسد النص والذائقة؟•• بفصل حقّين هما حق الكاتب في التشجيع وحق النص في الحكم، ويمكن أن نحفظ للكاتب كرامته ونحفظ للنص حقيقته؛ فالموهبة الناشئة تحتاج إلى ناقد يكتشف موضع القوة فيها ويعيّن موضع النقص بدقة، وأسوأ ما نصنعه بكاتب شاب أن نقنعه مبكرًا بأنه وصل، عندها يتحول الثناء إلى هدم؛ ويبدأ الكاتب في حماية صورته التي صنعها المادحون، ويخشى التجريب، وربما صار كل نقد لاحق عنده اعتداءً على مكانة ظن أنها استقرت.وفي تراثنا مثال على هذا المعنى ففي «المكتّمات» وقد تناولتها في كتابي «المعارك الأدبية: جدلية البعث والفناء» كان الشاعر المبتدئ يقول قصيدته ثم يكتمها قبل أن يسمع حكم الناقد. ومن أظهر الأمثلة قصة الكميت مع الفرزدق حين قال قصيدته التي مطلعها:طَرِبتُ وما شوقًا إلى البيضِ أطرَبُولا لعبًا مني وذو الشيبِ يلعبُفكتمها، ثم ذهب بها إلى الفرزدق وقال له: إن كانت حسنة أمرتني بإذاعتها، وإن كانت قبيحة أمرتني بسترها. وظل الفرزدق يناقشه فيها حتى قال له: «أذع، أذع». وفي هذه القصة شيء نفتقده اليوم؛ فالتشجيع جاء بعد الاختبار والنقد، والمبدع نفسه كان يطلب حكمًا يطمئن إليه.• هل أخفقت الحداثة الشعرية العربية في إنتاج معايير جمالية بديلة، أم أن النقد هو الذي عجز عن اكتشافها؟•• صيغة السؤال تحتاج أولًا إلى تفكيك لفظ «الحداثة» فقد كتبت سابقًا في مقالاتي عن خطأ تحويل التراث والحداثة إلى كتلتين صمّاوين؛ الحداثة الشعرية نفسها تجارب ومذاهب ودرجات ولا يصح أن نصدر عليها حكمًا واحدًا، وأرى أن المشكلة في بعض التنظير العربي للتجديد الشعري في أن العناية بتحرير القصيدة من بعض شروطها القديمة كانت أوضح من العناية بتحديد المعايير التي يُفرَّق بها بعد ذلك بين التجديد الجيد والكتابة الضعيفة، وهنا نشأ الخلط بين مشروعية الخروج على المألوف وجودة النص الناتج عنه؛ مع أن مخالفة القاعدة لا تمنح النص -في ذاتها- قيمة جمالية، وقد ناقشت هذه المسألة في حديثي عن أدونيس حينما عاد في سنواته الأخيرة إلى الشكوى من غياب المعايير فظهرت مفارقة شديدة الدلالة: المشروع الذي وسّع سلطة «المتحول» يحتاج في النهاية إلى معيار يفرّق داخل المتحول نفسه. فقصيدة النثر -مثلًا- ليست المتهمة وفيها نصوص بالغة الجمال؛ المشكلة في خطاب نقدي دافع طويلًا عن شرعية الشكل أكثر مما مارس الصرامة الكافية في فرز نماذجه، وأجد أن مهمتنا الآن أشق من الهدم والدفاع؛ لأنها تكمن في إعادة تأسيس المعيار بعد الحرية السائبة، والمعيار الذي أطلبه ينفذ إلى الطاقة الجمالية في النص؛ إلى توتره وكثافته وإيقاعه الداخلي وهندسته، وإلى قدرته على أن ينقل اللغة من مجرد الإخبار إلى الخلق. وهو في ذات الوقت يمنح كل شكل جمالي حدوده الخاصة التي تحفظ تميزه عن سواه، حتى تبقى الفروق بين الأشكال ذات معنى، وعندها يغدو التجديد امتحانًا في الجودة، وتفقد الجدة وحدها قدرتها على منح النص حصانة نقدية.• التحوّلات التي يشهدها الأدب السعودي، هل ترى أن الإنتاج النقدي يواكب حجم الإصدارات والفعاليات الأدبية؟•• الحق أن المؤسسات الثقافية السعودية أنجزت في سنوات قليلة مُعجزة بنائية لم نكن نتصورها في القريب العاجل، فنحن أمام تحولات تحتاج إلى نقد لا يكتفي بوصف ما وقع بعد وقوعه، لأنه إذا سبق الإعلام النقد صار الناقد معلّقًا على التحول لا شريكًا في فهمه، وهنا تقع المسؤولية على النقاد: هل ننتج لغة تفسيرية توازي هذا التحوّل؟ هل نصنع مفاهيم تخرج من تجربتنا ويمكن تداولها عربيًا وعالميًا؟ أرى أننا نشهد اليوم ازدهارًا في الحدث الثقافي يقابله نقص نسبي في التراكم التفسيري، ولا أعني بالطبع غياب النقد الجاد؛ فلدينا دراسات ونقاد مهمون، ولكن سرعة التحوّل أكبر من سرعة بناء المفاهيم التي تفسره.• هل أسهمت الجوائز والفعاليات الثقافية في صناعة حركة إبداعية مستدامة، أم أن أثرها ما زال بحاجة إلى دراسة وتقويم؟•• أسهمت بلا شك في توسيع المجال الثقافي ورفعت فرص الظهور والاعتراف والمنافسة، لكن ينبغي أن نفرق بين «الحيوية» و«الاستدامة المعرفية» فقد تنجح فعالية نجاحًا باهرًا في يومها، وقد تصنع جائزة ضوءًا كثيفًا حول كتاب، ثم يبقى السؤال الحقيقي: ثم ماذا؟• ما الذي ينقص الأدب السعودي ليحظى بحضور أوسع في الدراسات النقدية العربية والعالمية؟•• كثيرًا ما نتحدث وكأن النص السعودي مطالب أن يثبت جدارته بينما الخلل قد يقع في «نظام العبور» الذي ينقل النص من محليته إلى دوائر القراءة الأوسع؛ فالأدب لا يصل إلى العالم وحده، وبين الكاتب والقارئ البعيد سلسلة بنتُ سُليسلة من تحرير ونقد وترجمة وإعلام وأرشفة وقاعدة بيانات تجعل المادة قابلة للوصول، فنحن أحوج ما نكون إلى الانتقال من التعريف بالأدب السعودي إلى إنتاج أسئلة من داخله؛ الدراسات الكبرى لا تعيش على عبارة «لدينا أدب جيد»؛ ولكن على مشكلات قابلة للمقارنة: المدينة وتحولاتها، الصحراء، النفط وأثره الاجتماعي، الطفرة، تحوّلات الأسرة، علاقة المحلي بالعالمي، اللغة، المكان، الهوية، الجسد، السلطة، الذاكرة، وعندما ينتج الأدب السعودي أسئلته النقدية ويجد من يترجمها معرفيًا، سيخرج من خانة «أدب بلد ينبغي التعريف به» إلى مادة لا يمكن للباحث في الأدب العربي الحديث تجاوزها. خذ مثلًا تجربة رجاء عالم مع رواية «طوق الحمام»؛ رواية شديدة الالتصاق بمكة، ثم فازت عام 2011 بالبوكر، فانتقلت من دائرة القراءة المحلية والعربية إلى مساحة أوسع من الاهتمام، وتُرجمت بعد ذلك إلى لغات عدة. وهنا نرى «نظام العبور» عمليًا: النص احتفظ بمكته كاملة، والجائزة لفتت إليه الأنظار، والترجمة حملته إلى قارئ آخر.• كيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تدعم النقد الجاد وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال الناقد؟•• الاستقلال يعني ببساطة أن نتيجة القراءة ليست جزءًا من عقد الدعم، تستطيع المؤسسة أن تمول البحث، وتفتح الأرشيف، وتمنح الباحث الوقت، وتؤسس المجلات، وتدعم الترجمة، وتوفر البيانات، ثم ترفع يدها عن الخاتمة، وأحب صياغة المسألة هكذا: المؤسسة تموّل شروط المعرفة، ولا تشتري نتيجتها.• هل الحياد النقدي مجرد افتراض نظري؟•• الحياد الكامل أقرب إلى الوهم؛ لأن الناقد يدخل النص بلغته وذائقته وتكوينه وأسئلته وما قرأه من قبل، والمفهوم الذي أفضله هو «الإنصاف المنضبط» فالموضوعية في النقد انضباط الذات بالدليل.• الإثارة والمعارك الأدبية، هل نحن بحاجة اليوم إلى استعادتها، أم نحن بحاجة إلى ابتكار أشكال جديدة لتنشيط هذا المشهد؟•• لا تعنيني استعادة المعارك الأدبية بصورتها القديمة، وإنما يعنيني استعادة ما كانت تفعله بالفكرة؛ فالفكرة إذا وجدت من يعارضها اضطرت إلى كشف مقدماتها وإقامة حجتها، ولهذا ولدت مفاهيم نقدية كثيرة من رحم المعارك الأدبية، وهي في ظني لا تموت ما دام السؤال قائمًا وإن تغيّر ميدانها. وهذا الميدان انتقل اليوم إلى المنصة الرقمية ودخلت الخوارزمية في صناعة المعركة، وأصبحت تسهم في رفع قول وخفض آخر، وتمنح العبارة الأسرع والأشد إثارة فرصةً لا تملكها الحجة المتأنية بالقدر نفسه.• هل يمكن أن تتحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء نقدي جاد، أم أن طبيعتها تشجع الأحكام السريعة والاستقطاب؟•• المشكلة في المنصات الرقمية تكمن في أنها قصّرت المسافة بين الانفعال والنشر؛ ففي الكتب النقدية تؤدة، وفي الصحافة كان هناك محرر ووقت انتظار وصفحة ثابتة يمكن الرجوع إليها، أما اليوم فقد انتقلت سلطة البوابة إلى الخوارزمية القائمة على التفاعل، فتحول الأكثر ظهورًا إلى الأكثر «صحة» في وعي الجمهور. ومع ذلك من الظلم إنكار مكاسب المنصات؛ فقد كسرت احتكار المنبر وأعطت أصواتًا بعيدة قدرة على الظهور وجعلت القارئ طرفًا في الحوار وهذه الأخيرة يجب دراستها بتمعّن، وأميل إلى أن مستقبل النقد الرقمي يتركز في توزيع الوظائف: المنصة تثير السؤال وتكشفه، والمقال يبني الحجة، والبحث أو الكتاب يحفظ الذاكرة ويستوفي الدليل.• أيهما يزعجك أكثر: كاتب رديء يحظى بالشهرة، أم كاتب موهوب لا يجد من يلتفت إليه؟•• الثاني من غير تردد؛ فالكاتب الرديء المشهور يزعج الذائقة، لكن الزمن يملك وسائل قاسية في تصحيح قوائم الشهرة، أما الكاتب الموهوب الذي لا يجد فرصة فقد نخسره قبل أن يكتب ما كان قادرًا على كتابته، وأسوأ خسائر الثقافة كتاب جيد لم يظهر أصلًا.• صناعة الأسماء الأدبية عبر المنصات والفعاليات، هل تحولت لظاهرة، وما أثرها في استقلال الذائقة النقدية؟•• صناعة الأسماء ليست شيئًا جديدًا في الأوساط الأدبية والمعرفية وإن تبدلت وسائلها، ولهيمنة الاسم أثر بيّن في التلقي والحكم النقدي، ألا تذكُر قصة ابن الأعرابي مع أبي تمام وهي تختصر المسألة كلها؛ فقد روى أبو عمرو الطوسي أنه قرأ على ابن الأعرابي أرجوزة أبي تمام على أنها لبعض شعراء هذيل، ومنها:وعاذلٍ عذلتُه في عذلهفظن أني جاهلٌ من جهلهفلما أتمها قال ابن الأعرابي: أكتب لي هذه، ثم سأله: أحسنة هي؟ فقال: ما سمعت بأحسن منها. فلما أخبره أنها لأبي تمام قال: خرّق، خرّق.الذي تغير هو الاسم، وهذه من أدق الصور لسلطة الاسم في النقد: قد يسبق الكاتبُ نصَّه إلى ذهن القارئ، فيدخل النص محمّلًا بتاريخ صاحبه ومكانته وما استقر عنه من أحكام، والمنصات اليوم ضاعفت قدرة هذه الظاهرة؛ لأنها تستطيع أن تصنع حول الاسم حضورًا كثيفًا قبل أن يُختبر منجزه بما يكفي، ولهذا فإن استقلال الذائقة يعني أن يبقى النص قادرًا على أن يُحسن ولو كرهنا صاحبه وأن يضعف ولو أحببناه.