أسامة الواصلي لـ”المجلة”: المعارك الأدبية ظاهرة عميقة في بنية الثقافة العربية

أسامة الواصلي لـ"المجلة": المعارك الأدبية ظاهرة عميقة في بنية الثقافة العربية layout Fri, 07/03/2026 - 08:53 ثقافة ومجتمع في كتابه "المعارك الأدبية: جدلية البعث والفناء" الصادر أخيرا عن "منشورات ضفة"، يعود بنا الكاتب السعودي أسامة الواصلي إلى جذور وتفاصيل معارك وسجالات أدبية عرفها الأدب العربي منذ العصر الجاهلي، مرورا بالعصرين الأموي والعباسي، وصولا إلى عصر النهضة، كما يتطرق إلى المعارك التي شهدتها الساحة الأدبية والثقافية السعودية المعاصرة. هنا حوار حعه. رصدتم في الكتاب كوكبة من السجالات الأدبية السعودية التي شكلت الوعي الثقافي لأجيال. هل كانت هذه المعارك تاريخيا محركا حقيقيا للتحديث والتنوير، أم أنها في بعض الأوجه تحولت إلى خصومات شخصية استنزفت طاقة الحراك الثقافي وعطلت مشاريعه؟ الكتاب لا يتناول المعارك الأدبية السعودية وحدها، ولا يطمح إلى جمع السجالات كما تجمع الأخبار والطرائف، وإنما ينظر إلى المعارك الأدبية باعتبارها ظاهرة ممتدة في تاريخ الأدب من الجاهلية إلى عصر وسائل التواصل الاجتماعي. والحقيقة أن سؤال الأثر هو ما شغلني في الكتاب وليس تعداد الخصومات: ماذا فعلت هذه المعارك في الأدب ؟ أي فنون دفعتها إلى الظهور؟ وأي فنون ساهمت في أفولها حتى لم يعد يسمع بها؟ وكيف أسهمت في تأسيس مفاهيم ومناهج ونظريات نقدية، من المفاضلة والموازنة وعمود الشعر ونظرية النظم، إلى أسئلة الشكل والحداثة والذائقة والمعيار؟ أما عن المعارك السعودية تحديدا، فأظن أن الإنصاف يقتضي أن نراها على وجهين. لقد كانت في لحظات كثيرة محركا حقيقيا للتحديث، لأنها أخرجت الأدب من منطقة الاطمئنان إلى منطقة السؤال عبر اصطدامات كشفت هشاشة بعض المفاهيم، ودفعت الكتاب والنقاد إلى الدفاع عن تصوراتهم للقصيدة، والرواية، واللغة، والهوية، ووظيفة الأدب. تركي الحربي معركة الحداثة في السعودية صبغة عقدية وفكرية غلاف "لذة الكلمة" جماليات القراءة في كتاب "لذة الكلمة" لمحمد العباس انشغل الناقد السعودي محمد العباس بتحولات الكتابة الحديثة... معجب العدواني لـ"المجلة": الفنّ نتاج مجتمع يسوده التعاون معجب العدواني لـ"المجلة": الفنّ نتاج مجتمع يسوده التعاون يعتبر الناقد والأكاديمي السعودي الدكتور معجب سعيد العدواني... الناقد والمترجم د. سعد البازعي سعد البازعي لـ"المجلة": جائزة القلم الذهبي جديدة ومبتكرة لا أعرف لها شبيها أطلقت الهيئة العامة للترفيه في السعودية برئاسة المستشار... السعودية الكتابة النقد الادبي 02 يوليو , 2026 Region الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الثقافة تحتاج إلى توتر خلاق: شجاعة في النقد، وأخلاق تمنع المعركة من أن تتحول إلى ثأر صغير يلبس عباءة الأدب لكن ذلك لا يعني تبرئة كل معركة. فبعض الخصومات انحرفت من سؤال النص إلى سؤال الشخص، ومن مساءلة الفكرة إلى تصفية الحساب، ومن اختبار المنهج إلى صناعة المعسكرات، وهذا أمر طبيعي في تطور المسيرة الثقافية. فمرحلة صراع المدارس واصطدام التيارات الفكرية وشيطنة الآخر ليست بدعة خلقتها الثقافة السعودية، وأجدها واجبة الوجود في كل نهضة حقيقية، لذلك لا أرى المعارك الأدبية خيرا مطلقا ولا شرا محضا، فقيمتها تقاس بما تنتجه بعد انطفاء الصخب، إن تركت لنا مفهوما أدق أو ذائقة أوسع أو نصا أجود أو سؤالا نقديا أبقى، فهي جزء من حيوية الثقافة. أما إذا لم تترك إلا أسماء متخاصمة وندوبا شخصية، فهي حدث اجتماعي لافت، انطفأ بخفوت أضواء الحفلة، لا حدث أدبي مؤثر يبقى في الذاكرة. فالثقافة تحتاج إلى توتر خلاق: حدة في السؤال، ونزاهة في المنهج، وشجاعة في النقد، وأخلاق تمنع المعركة من أن تتحول إلى ثأر صغير يلبس عباءة الأدب. أسامة الوصلي المعارك الأدبية بين الأمس واليوم تحدثتم عن دور التاريخي للملاحق الثقافية والصحف في إدارة هذه المعارك والمناظرات. في ظل العصر الرقمي السريع حيث يتم الرد على الفكرة خلال اللقاء أو عقبه مباشرة، هل فقدت المعركة الأدبية رصانتها المنهجية وتحولت إلى شخصنة وتراشق بين جمهور هذا الكاتب أو ذاك في وسائل التواصل؟ فقدت المعركة الأدبية رصانتها لأنها فقدت جزءا من وسيطها القديم الذي كان يمنحها مهلتها وشكلها وهيبتها. كانت الصحف والملاحق الثقافية والمجلات تقوم بدور الميدان والحكم معا. تنشر الرأي، وتنتظر الرد، وتمنح الفكرة وقتا كي تصاغ، ووقتا آخر كي تقرأ، ثم تدخل المعركة إلى الذاكرة كنصوص لا مجرد انفعالات. أما في العصر الرقمي فقد تسارعت دورة الخصومة تسارعا مخيفا. أصبحت الفكرة تقال فيأتي الرد عليها قبل أن تبرد الجملة، ثم يدخل الجمهور قبل أن يكتمل الفهم، وهنا تمسي المعركة بين جماعات صغيرة تحرس أسماءها وتدافع عن رموزها وتخلط بين نقد النص وإهانة صاحبه. ومع هذا فإنني أجد أن الوسائط الرقمية وسعت ميدان القول، وكسرت احتكار المنابر، ومنحت أصواتا كثيرة حق المشاركة. الوسائط الرقمية وسعت ميدان القول، وكسرت احتكار المنابر، ومنحت أصواتا كثيرة حق المشاركة وهناك شكل أعمق من المعارك لا أظنه سينطفئ: أن يرد على الفكرة بكتاب وأن يواجه الكتاب بكتاب، وهذا المستوى من التدافع لا تحكمه سرعة المنصة، ولا ينتهي بانتهاء موجة التفاعل، لأنه متصل بسنة أعمق في الحياة والمعرفة، سنة التدافع التي تجعل الأفكار تختبر بعضها وتدفعها إلى البيان والمراجعة والتأسيس. غلاف "المعارك الأدبية جدلية البعث والفناء" حقل ألغام النبش في أرشيف السجالات الفكرية يشبه المشي في حقل ألغام، بسبب حساسية بعض الملفات أو ارتباطها بأسماء أدباء لا يزال الناس مختلفين حولهم. ما هي أبرز العقبات المنهجية أو الرقابية التي واجهتكم أثناء تتبع خيوط هذه المعارك؟ لعل السبب في أن العمل على كتاب "المعارك الأدبية: جدلية البعث والفناء" استغرق مني سنوات عدة، أنني لم أكن أتعامل مع المعارك كأرشيف خصومات ينبغي جمعه، ولكن كظاهرة عميقة في بنية الثقافة العربية، فالكتب التي سبقت، مثل كتاب أنور الجندي أو أحمد أمين وغيرهما، كانت غالبا تقف عند معارك العصر الحديث أو ترصد جانبا من السجالات، أما ما حاولت الاشتغال عليه فكان سؤالا آخر: ما أثر المعارك في الأدب العربي؟ كيف أنشأت فنونا؟ وكيف وأدت فنونا أخرى؟ وكيف أسهمت في توليد مناهج ونظريات وأسئلة نقدية؟ من هنا تبدأ العقبة الأولى: اتساع المادة اتساعا مرهقا. فإذا نظرنا إلى الأدب العربي في جذوره، وجدنا أن المعركة ليست طارئة عليه، تكاد تكون أصلا من أصول حركته. يكفي أن نتأمل سوق عكاظ وقد قيل إن اسمه من العكظ أي الدعك والمغالبة، فكأن الشعراء كانوا يلتقون فيه ليعكظ بعضهم بعضا. هذا التشعب جعل عدد المراجع والمصادر هائلا، فمراجع الكتاب بالمئات وبعض المعارك لم أجدها في متون الكتب ابتداء، وإنما اصطدتها من الحواشي والإشارات العابرة والأخبار الصغيرة التي تبدو في ظاهرها هامشية، ثم يتبين بعد تتبعها أنها باب واسع إلى معركة كاملة. والحق أن تتبع أثر المعركة عملية استقرائية شاقة. أنظر إلى الخصومة في لحظتها الأولى ثم أمضي معها أحيانا قرونا متنقلا بين عشرات الكتب لأرى ماذا بقي منها وماذا غيرت وأي أثر تركته في الذائقة أو المنهج أو الفن. كانت الرحلة شاقة بقدر ما كانت معرفية وممتعة، بدأت من الصحراء في الجاهلية وما قبلها ومن أخبار العرب البائدة، ثم انتقلت إلى مكة والمدينة في صدر الإسلام، ثم إلى الشام في العصر الأموي، والعراق في العصر العباسي، ثم الأندلس التي يتصورها بعض الناس ثقافة رخوة أو مترفة وهي في الحقيقة ثقافة شديدة الاحتدام، أحرقت فيها كتب، ونفي علماء، وحبس أدباء، وجلد شعراء، وقتل آخرون، ثم يأتي صراع الشعر والنثر، واللغة بين البصرة والكوفة، ومعارك اللفظ والمعنى، والقديم والمحدث، والمشرق والأندلس، والسرقات الشعرية، وبناء المنهج والنظرية، وصولا إلى عصر النهضة في مصر والشام، ثم المعارك الأدبية في المملكة العربية السعودية، ثم الفنون الشعبية مثل العرضة والعرضة الجنوبية والمحاورة التي أراها الوارثة الشرعية لفن النقائض، وصولا إلى عصر وسائل التواصل الاجتماعي. ليس كل صخب يصلح أن يكون معركة وليس كل خلاف بين اسمين كبيرين يستحق أن يدخل التاريخ النقدي أما العقبات الرقابية أو الحساسة فكانت موجودة بمعناها الأعمق: حساسية الأسماء، وحضور الأتباع، وخطورة أن تقترب من معركة لم تبرأ ذاكرة الناس منها بعد. لذلك كنت حريصا على أن أتعامل مع الخصومة كمادة معرفية لا مناسبة للانحياز، ولا يعنيني أن أنتصر لشخص على آخر. ولهذا تجاوزت بعض المعارك - لا خوفا منها – ولكن لأن أثرها لم يكن كافيا في بنية الكتاب، فليس كل صخب يصلح أن يكون معركة وليس كل خلاف بين اسمين كبيرين يستحق أن يدخل التاريخ النقدي. أصعب ما في هذا النوع من العمل أنك تمشي فعلا في حقل ألغام، ولكنها ألغام معرفية ومنهجية، فقد تخدعك شهرة المعركة فتظنها مؤثرة، ثم تكتشف أنها حدث اجتماعي لا غير، وقد تجد إشارة صغيرة في حاشية كتاب قديم، فإذا بها تقودك إلى أثر عميق في تاريخ الشعر أو النقد. لذلك كان الرهان في الكتاب أن أكتب وأبحث عن الأثر الذي صنعته المعارك في الأدب العربي لا تاريخ الخصومات. معارك تجسد روح العصر أفرد الكتاب مساحة كبيرة لمعارك الحداثة الأدبية في الثمانينات والتسعينات، لماذا اتخذت المعركة الأدبية في السعودية صبغة عقدية وفكرية تجاوزت حدود النص والشكل الشعري كالقصيدة العمودية والتفعيلة، وكيف تفسر تراجع هذه النقاشات في الساحة الثقافية السعودية؟ اتخذت معركة الحداثة في السعودية صبغة عقدية وفكرية لأن القصيدة قرئت على أنها علامة على تحول أوسع في معنى الإنسان، واللغة، والمرجعية، والسلطة الرمزية على المجتمع. لم يكن الخلاف الحقيقي بين عمود وتفعيلة ولا بين صورة قديمة وصورة جديدة. كان القلق من أن يحمل الشكل الجديد وراءه رؤية كاملة للعالم، لذلك خرج النقاش سريعا من سؤال الجودة الفنية إلى سؤال المرجعية: ماذا تريد هذه القصيدة؟ وأي وعي تقترحه؟ وأي صلة تقطعها أو تعيد بناءها؟ أما تراجع هذه النقاشات اليوم فله أكثر من سبب: تغير مركز الثقل الثقافي، وانكسار حدة المعسكرات القديمة، واتساع الفضاء الإبداعي، وانشغال الأجيال الجديدة بأسئلة أخرى. كما أن الحداثة نفسها لم تعد صدمة كما كانت، فقد انتقلت من منطقة الفزع إلى منطقة التداول، ومن التهمة إلى السجل الثقافي. لذلك أظن أن المعركة غيرت موضوعها ولباسها ولم تنته. ممثلون يؤدون عرضا خلال فعاليات مهرجان سوق عكاظ في الطائف، 2011 تنقلت المعارك في كتابك بين الأفراد (الرموز) والمؤسسات (كالنوادي الأدبية والجامعات). كيف تقرؤون موقف المؤسسة الثقافية الرسمية آنذاك؟ هل كانت تقف موقف المتفرج الذكي لإنعاش الساحة، أم أنها تدخلت بطرق غير مباشرة كانحياز في لحظات معينة لإعادة صوغ المشهد وتوجيهه؟ لا أظن أن المؤسسة الثقافية كانت متفرجا تماما، ولا لاعبا واحدا يحرك الخيوط كلها. كانت أقرب إلى ميزان يحاول الضبط. في لحظات كثيرة تركت السجال يتحرك لأنه كان يمنح الساحة حيوية ويدفع الأسماء والأفكار إلى الظهور. وفي لحظات أخرى تدخلت، تصريحا أو تلميحا، عبر المنبر، أو الإقصاء، أو الاحتواء، أو إعادة توزيع الشرعية الثقافية. بعض الحداثيين استبدلوا رمزا برمز، ومحظورا بمحظور، ووصاية بوصاية، ثم سموا ذلك تنويرا المؤسسة لا تتحرك دائما بقرار معلن، أحيانا يكفي أن تفتح بابا لاسم، أو تغلق نافذة في وجه آخر، حتى تعيد ترتيب المشهد كاملا. لذلك كان موقفها مركبا: إدارة للتوتر، واستثمار له، وخوف منه. تمثال الشاعر العربي أبي الطيب المتنبي عند مدخل شارع المتنبي في بغداد، 2010 عصر المتنبي ما هي المعركة الأدبية التي تمنيت مزامنتها والمشاركة فيها ضمن فريق يؤيد نظرية أو فكرة؟ لو أتيح لي أن أزامل معركة أدبية واحدة لاخترت معركة القديم والمحدث في العصر العباسي، لأدافع عن الفكرة التي تقول إن الأدب لا يحيا بالحراسة وحدها، ولا ينهض بالانفلات وحده.كنت سأقف مع حق أبي تمام و المتنبي وأضرابهما في المغامرة والابتكار وتوسيع طاقة اللغة، ومع حق التراث في ألا يعامل كجثة ينبغي دفنها كي يولد الجديد. تلك المعركة كانت من أنبل المعارك، لأنها كانت حول سؤال باق إلى اليوم: كيف نجدد دون أن نفقد العمق؟ وكيف نحفظ دون أن نتحول إلى حراس مقابر؟ أخيرا، شددت في بعض مقالاتك على أن بعض الحداثيين سلكوا مسلك المحافظين في فرض عناصرهم الحداثية، بل في دفاعهم عن بعض الكتاب كرمز تنويري، هل التشابه بين الفريقن جعلهما يصلان إلى طريق مسدود؟ بعض الحداثيين لم يهزموا المنطق المحافظ، ولكنهم استعاروه بلباس آخر، بمعنى أنهم استبدلوا رمزا برمز، ومحظورا بمحظور، ووصاية بوصاية، ثم سموا ذلك تنويرا، والمحافظ في المقابل لم يكن يخاف النص الجديد دائما، كان يخاف أن يفقد سلطته على تعريف المقبول والمرفوض. لهذا تشابه الفريقان في أعمق نقطة: كلاهما أراد أن يملك باب الثقافة، والباب حين يملكه حارس واحد – مهما كان اسمه – يتحول إلى مخرج طوارئ لا إلى أفق. 03 يوليو , 2026 story cover Off Label No label Promotion Article Off Show on issuepdf page Off