أسئلة ما قبل النوم! – د. شاهر النهاري

هناك أوقات كثيرة نتحدث فيها مع الآخرين، وأوقات أقل، لا إرادية، نتحدث فيها مع أنفسنا، لكننا خلالها نعانق لحظات يومية حميمية ملهمة، تكاد أن تغشاها معاني القداسة في تركيبة حياة البشر قاطبة، مهما اختلفت أعمارهم وثقافاتهم وأحوالهم.

إنها تلك الدقائق التي تسبق النوم، للتنقل بين عالمين، عندما يخفت ضجيج العالم الخارجي، وتتضح النبضات، وتتراجع الأصوات من حولنا، وتُستعاد مشاغل النهار والحاضر، ليبقى الإنسان سابحًا في بحر لُجّي، وهو يستعيد ذاته ويفحصها في مواجهة أكثر الشخصيات قربًا منه، وأكثرها غموضًا أو عداءً في الوقت نفسه، والمتمثلة في نفسه أمام مرآة لا ترحم.

لحظات لا يحتاج العقل إلى دعوة كي يبدأ إدارة الحوار فيها؛ فما إن يستلقي الجسد وترتخي أجفانه حتى تبدأ الأسئلة التلقائية بالتوافد من كل صوب. بعضها بسيط وعابر، وبعضها عميق إلى حد يجعل صاحبه عاجزًا عن النوم.

أسئلة لا تنتمي إلى يوم واحد، ولا إلى عمق واحد، ولا إلى أسباب واحدة، بل إلى جزيئات رحلة عمر كاملة تبدأ منذ الطفولة، وترافق الإنسان حتى آخر أنفاس حياته.

فالطفل الصغير قد يتساءل قبل نومه عن فرط سعادته، أو سبب غضب والديه، أو معنى كلمة سمعها للمرة الأولى، أو سبب اختفاء شخص كان يحبه. يحاور ذاته وهو لا يدرك أنه يدشن علاقة طويلة مع تلك المحكمة الداخلية التي سترافقه بشدة مطرقتها طوال العمر.

ومع مرور السنوات تتبدل الموضوعات، لكن الآلية تبقى ذاتها. تتحول الأسئلة من ألعاب الطفولة إلى اختيارات الدراسة والعمل والحب، وهموم الزواج والطموح والخسارة والنجاح والخذلان والمصير، وكأن الأسئلة تكبر معنا وتعيد تشكيلنا.

والغريب أن هذه الأسئلة لا تطفو بقوتها في أثناء ازدحام النهار؛ فالإنسان يستطيع غالبًا أن يهرب منها بالعمل أو الترفيه أو الانشغال. لكن أمواج الليل قادرة، بفرادتها، على إزاحة الحواجز، وحين تختفي المشتتات، تخرج الأسئلة من أماكن اختبائها، وتجلس أمام صاحبها بهدوء وإصرار وتحدٍّ، كضيف يعرف أنه لا يمكن طرده.

لحظات يصبح الإنسان فيها متحايلًا ومحاميًا وقاضيًا ومتهمًا وشاهدًا في آن واحد. يعيد مراجعة نواياه وأحداث يومه، في دورة مراجعة لحسابات شراكة ضخمة، لكنه في الحقيقة يراجع حسابات روحه.

هل كان صادقًا؟ هل ظلم أحدًا؟ هل تنازل عن مبدأ يؤمن به؟ هل أضاع فرصة كان ينبغي اغتنامها؟ هل أسعد شخصًا يحتاج إلى تعاطف؟ وهل سار اليوم خطوة نحو الحياة التي يحلم بها، أم ابتعد عنها أكثر؟

ولعل القيمة الحقيقية لأسئلة ما قبل النوم أنها لا تهتم كثيرًا بما حققه الإنسان في نظر الآخرين، بل بما حققه في نظر نفسه!

فالعالم قد يصف شخصًا بالناجح، بينما يطارده شعور داخلي بالفشل، وقد ينظر إليه آخر باعتباره شخصًا تعيسًا، بينما ينام كل ليلة راضيًا عن ذاته. وبين التناقضات تكمن المسافة الشاسعة بين النجاح الخارجي والطمأنينة الداخلية، وبين ضجيج التصفيق وصمت الضمير.

وهكذا تختلف طبيعة هذه الأسئلة من شخص إلى آخر. فالمتفائل يسأل نفسه: كيف يمكن أن يجعل الغد أجمل من اليوم؟ بينما يسأل المتشائم نفسه: هل سيكون الغد أسوأ؟ والسعيد يبحث عن فرص جديدة للحياة، بينما يبحث الحزين عن أسباب جديدة للوجع.

أما المبدع، فغالبًا ما تتحول أسئلته إلى أبواب يفتحها على نهر المجهول؛ ولذلك تتوالد الأفكار المبهرة التي تغيّر العالم في ساعات هجعة الليل الهادئة أكثر مما تحضر في ساعات النشاط؛ فالليل يظل دائمًا صديقًا للخيال.

وفي المقابل، قد تتحول هذه الأسئلة إلى عبء ثقيل إذا ما خرجت عن حدودها الطبيعية. فبعض البشر لا يستعيدون حياتهم ليتعلموا منها، بل ليعاقبوا أنفسهم بما اقترفوه فيها. يستعيدون الأخطاء ذاتها في كل ليلة حتى تصبح ذكرياتهم سجونًا متداخلة. يحملون صخورًا ضخمة فوق صدورهم، لا يستطيعون إسقاطها ولا زحزحتها إلى الأمام، فتضيق بهم الوسادة كما لو كانت جبلًا.

المشكلة ليست في الأسئلة نفسها، بل في الطريقة التي نستحضرها بها، ونستنسخها ونمررها ونعبر عنها. أسئلة يمكن أن تنتقل من فتح الأبواب إلى تلحيمها. أسئلة أقرب إلى مصابيح صغيرة توضع على جنبات الطريق المظلم، لكنها قد تتحول إلى سلاسل تقيّد الأقدام وتغلق القلب.

ومن المدهش أن الإنسان، مهما بلغ من قوة أو سلطة أو شهرة، ومهما كانت حالته النفسية، يعود في نهاية يومه إلى هذه الحالة الإنسانية منقادًا. فقبل النوم تتراجع الألقاب والمناصب والثروات إلى الخلف، ويبقى السؤال البسيط حاضرًا:

هل عشت هذا اليوم كما ينبغي؟ وهل كنت الشخص الذي أريد أن أكون؟

ربما لهذا السبب تبدو أسئلة ما قبل النوم واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية شفافية وصدقًا، فهي لا تخضع للمجاملات إن كانت الأنفس سليمة، ولا تعترف بالأقنعة إن صدقت مع ذاتها، ولا تهتم كثيرًا بما يقوله الناس إن امتلكت منطق العدالة. حوار صريح حر، أخير، يجريه الإنسان مع نفسه الواعية، قبل أن يسلّم خلاصة وعيه إلى شتات الذاكرة!

حراك عقلي بلاغي نفسي يمر، وقد ننسى بعض تلك الأسئلة مؤقتًا، لنتفاعل مع أخرى في معارك حياتنا القادمة. وقد يأتي يوم تضعف فيه الذاكرة وتخفت فيه التفاصيل، لكن أثر تلك الدقائق يبقى راسخًا في تكويننا. فهي التي تصنع مراجعاتنا الداخلية، وتشكل قناعاتنا، وتعيد رسم اتجاهاتنا، وتمنحنا فرصة يومية نادرة لصيانة الروح وتنقيتها.

إن أسئلة ما قبل النوم ليست نهاية اليوم فحسب، بل هي الجسر الذي نعبر عليه نحو اليوم التالي، وقد وُفّقنا أو أخفقنا في تغيير ما بأنفسنا.

إنها استراحة للنفس بعد عناء رحلة تتكرر يوميًا، ومرآة للضمير حين يخلو بنفسه ويصدق، وهي الصوت الخافت الذي يذكّرنا بأن الحياة ليست فقط ما نفعله في العلن، بل أيضًا ما نفكر فيه وننسجه في برزخ الأحلام، وما نبكيه بحسرة حين لا يبقى معنا أحد سوى أنفسنا؛ لنعرف من نكون حقًا.

هناك أوقات كثيرة نتحدث فيها مع الآخرين، وأوقات أقل، لا إرادية، نتحدث فيها مع أنفسنا، لكننا خلالها نعانق لحظات يومية حميمية ملهمة، تكاد أن تغشاها معاني القداسة في تركيبة حياة البشر قاطبة، مهما اختلفت أعمارهم وثقافاتهم وأحوالهم.

إنها تلك الدقائق التي تسبق النوم، للتنقل بين عالمين، عندما يخفت ضجيج العالم الخارجي، وتتضح النبضات، وتتراجع الأصوات من حولنا، وتُستعاد مشاغل النهار والحاضر، ليبقى الإنسان سابحًا في بحر لُجّي، وهو يستعيد ذاته ويفحصها في مواجهة أكثر الشخصيات قربًا منه، وأكثرها غموضًا أو عداءً في الوقت نفسه، والمتمثلة في نفسه أمام مرآة لا ترحم.

لحظات لا يحتاج العقل إلى دعوة كي يبدأ إدارة الحوار فيها؛ فما إن يستلقي الجسد وترتخي أجفانه حتى تبدأ الأسئلة التلقائية بالتوافد من كل صوب. بعضها بسيط وعابر، وبعضها عميق إلى حد يجعل صاحبه عاجزًا عن النوم.

أسئلة لا تنتمي إلى يوم واحد، ولا إلى عمق واحد، ولا إلى أسباب واحدة، بل إلى جزيئات رحلة عمر كاملة تبدأ منذ الطفولة، وترافق الإنسان حتى آخر أنفاس حياته.

فالطفل الصغير قد يتساءل قبل نومه عن فرط سعادته، أو سبب غضب والديه، أو معنى كلمة سمعها للمرة الأولى، أو سبب اختفاء شخص كان يحبه. يحاور ذاته وهو لا يدرك أنه يدشن علاقة طويلة مع تلك المحكمة الداخلية التي سترافقه بشدة مطرقتها طوال العمر.