يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة حساسة مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل استمرار الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز وعدم عودة حركة إمدادات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية. وتزداد أهمية هذه التطورات مع ارتفاع الطلب الموسمي على التدفئة والكهرباء، وتراجع قدرة الأسواق على امتصاص صدمات جديدة في الإمدادات، خصوصاً إذا طال أمد الأزمة أو اتسع نطاقها ليشمل مزيداً من منشآت الطاقة وخطوط النقل البحري.
تكمن خطورة الوضع في أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر لتصدير النفط من منطقة الخليج، بل يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة العالمية. فقد عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية خلال عام 2025، بما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية. وهذا الحجم يجعل أي اضطراب ممتد في حركة الملاحة عاملاً مؤثراً في توازن العرض والطلب، حتى مع وجود مسارات بديلة وقدرات محدودة لنقل جزء من الإمدادات بعيداً عن المضيق.
تبدو أوروبا من أكثر الاقتصادات عرضة لتداعيات الأزمة مع اقتراب الشتاء، ليس بالضرورة بسبب اعتمادها المباشر على النفط المار عبر مضيق هرمز، وإنما نتيجة ارتباط سوق الطاقة الأوروبية بالسوق العالمية، خصوصاً سوق الغاز الطبيعي المسال.
فأي انخفاض في صادرات الغاز المسال من الخليج يرفع المنافسة بين المشترين الأوروبيين والآسيويين على الشحنات المتاحة، وقد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى حتى في الدول التي تحصل على معظم إمداداتها من مصادر أخرى. وتزداد حساسية الوضع الأوروبي مع محدودية المخزون المتاح مقارنة بالمستويات المعتادة في هذا الوقت من العام، الأمر الذي يجعل تكلفة إعادة تعبئة المخزونات وتأمين الإمدادات خلال الأشهر الباردة عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه الأسعار.
تشير بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون بين منظمي الطاقة إلى أن مخزونات الغاز الأوروبية أنهت شتاء 2025 - 2026 عند مستويات تقل عن 30 %، فيما قد يفرض استمرار تعطل الإمدادات القطرية حتى نهاية عام 2026 عجزاً إضافياً في سوق الغاز العالمية يقدّر بنحو 26 مليار متر مكعب.
وهنا تتضح طبيعة المخاطر: إذا جاء الشتاء بارداً وامتدت الاضطرابات، فقد تجد الشركات الأوروبية نفسها مضطرة إلى دفع أسعار أعلى للحصول على الغاز اللازم للتدفئة وتوليد الكهرباء وتشغيل المصانع. وستنعكس هذه التكاليف على قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الصناعات الكيميائية والمعادن والأسمدة، وقد تؤثر في هوامش أرباح الشركات وقدرتها التنافسية.
كما أن ارتفاع فواتير الطاقة يضغط على القوة الشرائية للأسر، ويحد من الإنفاق الاستهلاكي، في حين يواجه البنك المركزي الأوروبي معادلة صعبة بين احتواء التضخم والمحافظة على النشاط الاقتصادي. فارتفاع أسعار الطاقة قد يعيد الضغوط التضخمية، ويقلص مساحة التيسير النقدي إذا استمر لفترة طويلة، ما يعني أن تكلفة الأزمة قد تتجاوز فاتورة الوقود لتصل إلى الاستثمار والائتمان والنمو.
ومع ذلك، لا يعني هذا السيناريو أن أوروبا تتجه حتماً إلى أزمة مماثلة لأزمة الطاقة في عامي 2022 و2023؛ إذ تعتمد النتيجة على مدة الاضطراب، ودرجات الحرارة، وتوافر الشحنات البديلة، وقدرة الدول على إدارة الطلب. لكن المؤكد أن استمرار الأزمة يجعل الاقتصاد الأوروبي أكثر حساسية لأي صدمة إضافية.
الولايات المتحدة.. مستفيد من صادرات الطاقة ومتضرر من ارتفاع الأسعار
المكاسب لا تعني أن الاقتصاد الأمريكي بمنأى عن التداعيات. فارتفاع أسعار النفط ينعكس على تكلفة البنزين والديزل ووقود الطائرات والنقل والشحن، ويزيد النفقات التشغيلية لعدد واسع من الشركات. كما أن ارتفاع أسعار الغاز عالمياً قد يعزز جاذبية الصادرات الأمريكية، لكنه يضع ضغوطاً على المشترين المحليين في حدود ما تسمح به آليات السوق وتكاليف النقل والبنية التحتية.
وتبرز هنا مفارقة اقتصادية مهمة: قد تستفيد شركات إنتاج الطاقة من ارتفاع الأسعار، بينما تتحمل الأسر والشركات المستهلكة للطاقة جزءاً من التكلفة. كما أن زيادة الإنفاق على الوقود تقلل الأموال المتاحة للاستهلاك في قطاعات أخرى، وقد تضغط على ثقة المستهلكين وتؤثر في وتيرة النمو.
وعلى مستوى السياسة النقدية، فإن استمرار ارتفاع النفط والغاز قد يعقّد مهمة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فإذا انتقلت الزيادة إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، فقد يتباطأ تراجع التضخم، ويصبح خفض أسعار الفائدة أكثر صعوبة. أما إذا بقيت الزيادة مؤقتة ولم تنتقل بقوة إلى الأسعار الأساسية، فقد يكون أثرها النقدي محدوداً نسبياً.
وبالتالي، لا يمكن النظر إلى الولايات المتحدة بوصفها مستفيداً صافياً من الأزمة؛ فالمحصلة تتوقف على الموازنة بين مكاسب قطاع الطاقة وتكاليف الوقود والتضخم على بقية الاقتصاد.
أسعار النفط.. المخاطر لا تتعلق بحجم الإمدادات فقط
في سوق النفط، يتجاوز تأثير مضيق هرمز مسألة الكميات التي تعبره يومياً. فأسعار الخام تتأثر أيضاً بتكلفة التأمين البحري، وأجور الشحن، ومدة الرحلات، وحجم المخزونات التجارية، ومدى قدرة المنتجين على تعويض النقص في الإمدادات.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الصادرة في أكتوبر 2026 إلى أن متوسط سعر خام برنت الفوري بلغ نحو 114 دولاراً للبرميل في سبتمبر، مرتفعاً بنحو 23 دولاراً مقارنة بأغسطس. كما سجل السعر اليومي مستويات وصلت إلى 131 دولاراً خلال الشهر، عقب اضطرابات أصابت البنية التحتية النفطية ومسارات التصدير في المنطقة.
وتوضح هذه الأرقام مدى سرعة استجابة السوق عندما تتزامن المخاطر الجيوسياسية مع تعطل الإمدادات الفعلية. فالأسواق لا تنتظر بالضرورة حدوث نقص كامل حتى تعيد تسعير النفط؛ بل تبدأ في احتساب احتمالات النقص المستقبلي، خصوصاً عندما تكون البدائل غير كافية لتعويض الكميات المفقودة.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الأسعار ليس نتيجة حتمية لكل تصعيد. فضعف الطلب العالمي، وزيادة المخزونات، وعودة الإمدادات عبر المضيق، وتوسيع استخدام خطوط الأنابيب البديلة، كلها عوامل قد تحد من الارتفاع أو تدفع الأسعار إلى التراجع. لذلك فإن المسار المستقبلي للنفط سيتحدد بمدى استمرار التعطل الفعلي، لا بمجرد استمرار التوتر السياسي.
وتبقى قدرة خطوط الأنابيب البديلة على نقل النفط عاملاً مهماً، لكنها لا توفر حلاً كاملاً. فالسعودية والإمارات تمتلكان مسارات يمكنها تجاوز المضيق، إلا أن الطاقة المتاحة عبر هذه المسارات أقل من إجمالي التدفقات التي تمر عبره، كما أن أي اضطراب يصيب تلك المسارات قد يقلص هامش الأمان الذي تعتمد عليه الأسواق.
من النفط إلى التضخم.. كيف تنتقل الأزمة إلى الاقتصاد العالمي؟
تبدأ سلسلة التأثير من ارتفاع تكلفة الطاقة، ثم تنتقل إلى النقل والإنتاج والتوزيع، قبل أن تصل إلى أسعار السلع والخدمات. وتختلف قوة انتقال هذه الزيادة بحسب قدرة الشركات على تحمل التكاليف، ومستوى المنافسة، وحجم الطلب، والسياسات الحكومية المتبعة لاحتواء أثرها على المستهلكين.