أزمة التمويل العربي والدولي لسوريا: انسداد الحلّ السياسي يعطّل إعادة الإعمار

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

لم يَعُد خافياً على أحد أنّ سوريا تُعاني شحاً حاداً في التمويل المحلي والعربي والدولي، إلى حدٍّ يجعلها عاجزةً عن الإقلاع بأيّ مشروع جادّ لإعادة الإعمار أو إعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة، بعد حربٍ امتدّت نحو خمسة عشر عاماً أتت على البشر والحجر، ودمّرت مدناً بأكملها، وأفرغت قطاعاتٍ إنتاجية من محتواها.

تُجمع التقديرات الصادرة عن مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، على أنّ كلفة إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 250 و400 مليار دولار، مع ترجيح رقمٍ وسطيّ يقارب 300 مليار. وهي كلفةٌ لا يمكن لسوريا تحمّلها منفردة، وتتطلّب خطةً زمنيةً تمتدّ لعقدٍ أو أكثر، بشراكات إقليمية ودولية واضحة.لكنّ ما قُدِّم فعلياً خلال أكثر من عام ونصف على التحوّل السياسي يبقى هزيلاً جداً؛ "لا يُغني ولا يُسمن" كما يُقال. لم تنطلق أيّ ورشة إعمار حقيقية، وكلّ ما أُنجز حتى الآن كان ثمرة مبادرات المجتمعات المحلية على مبدأ "ما حكّ جلدك مثل ظفرك". فمحطات توليد الكهرباء تعاني عجزاً بنيوياً عن تمويل صيانتها وإعادة تشغيلها، والمرافق الخدمية الأخرى تتحسّن ببطء السلحفاة، إن لم تكن متوقّفةً تماماً.

هنا يُطرَح السؤال المشروع: لماذا يستنكف الجميع عن تقديم الدعم اللائق لسوريا؟- دول الخليج منشغلة بتداعيات المواجهة الأميركية–الإيرانية وتبعاتها الأمنية والاقتصادية، ما يحدّ من شهيتها للدفع نحو ملفّ سوري لم يكتمل استقراره بعد.- الغرب يقدّم مساعداتٍ بالقطّارة، مشروطةً بمعايير سياسية وحقوقية لم تتحقّق بعد، وغالباً ما تُوجَّه نحو الإغاثة الإنسانية لا نحو إعادة الإعمار.- البنك وصندوق النقد الدوليان يبدوان خياراً نظرياً، لكنّ اللجوء إليهما يعني القبول بشروط تقشّفية قاسية تمسّ السيادة الاقتصادية، من دون ضمان حلّ جذري للأزمة.لا شكّ في أنّ سوريا حقّقت انفتاحاً سياسياً لافتاً واعترافاً عربياً ودولياً بالحكومة والنظام الجديد، تجلّى في عودة مقعد الجامعة العربية ورفع جزئي للعقوبات. غير أنّ هذا الاعتراف لم يُترجم بعد إلى مشاريع تنموية حقيقية على الأرض.والأخطر أنّ التفكير الاستثماري الحالي ينحصر – عند قلّة من المستثمرين – في مشاريع أبراج وفنادق ومولات ومطاعم، على حساب مشاريع البنية التحتية والإسكان والزراعة والصناعة التي تُعيد المهاجرين والنازحين وتُرمّم الاقتصاد المتآكل. فهؤلاء المستثمرون، وعلى قلّتهم، هاجسهم العائد السريع في قطاعات لا تمثّل أولويةً ملحّة للسوريين اليوم.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أنّ أطرافاً لا تريد لسوريا أن تستقرّ. إسرائيل، على وجه الخصوص، تواصل تمدّدها في الجنوب السوري وتُغذّي بؤر توتّر تهدف إلى إبقاء المنطقة هشّة. وبعض القوى المتطرفة، التي ترى في الدولة الوليدة تهديداً لمصالحها، لا همّ لها سوى ضرب الاستقرار.إنّ استهداف خطوط الغاز ومحطات التوليد ليس مجرّد تخريب عشوائي، بل هو ضربٌ متعمّد لأيّ إمكانية بأن تكون سوريا مستقبلاً حلقةَ وصلٍ لنقل الغاز إلى أوروبا عبر أراضيها؛ وهو سيناريو تطمح إليه أطرافٌ بعينها وتعمل على منع تحقّقه.لعلّ العامل الأثقل في إحجام المستثمرين والمموّلين هو أنّ المجتمع الدولي ما زال يرصد هشاشةً واضحةً في مسار السلم الأهلي والمشاركة السياسية. فبدل أن تسود لغة المصالحة، ما تزال أجواء الشحن الطائفي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي، وتُسجَّل يومياً عمليات تصفية حسابات – إمّا ضمن الفريق الواحد أو على خلفيات طائفية مقيتة. كلّ ذلك يجعل الآخر يُحجِم عن أيّ التزام مالي، لأنّ رأس المال، كما هو معروف، جبان.

من هنا، تدفّق المال العربي والدولي مرهونٌ بحلّ داخلي حقيقي يتضمّن حلّ أزمة السويداء عبر حوار وطني يضمن حقوق المكوّن الدرزي ومطالبه المشروعة ضمن وحدة الدولة؛ ومتابعة تنفيذ الاتفاقات مع قوّات سوريا الديموقراطية (قسد) بما يضمن اندماجها في مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانقسام في الشمال الشرقي؛ وتشكيل حكومة تشاركية حقيقية تمثّل جميع الأطياف السورية ولا تُقصي أحداً؛ وإطلاق مسار عدالة انتقالية شامل وشفّاف، يُنصِف الضحايا ويحاسب المنتهكين من جميع الأطراف؛ ولجم الخطاب الطائفي ومحاسبة كلّ من يروّج له أو يمارس انتهاكاً على خلفيته، بقوّة القانون لا بقوة السلاح.إن البيئة الملائمة والوضع الداخلي المستقرّ هما الكفيلان وحدهما بلجم كلّ انتهاك خارجي وداخلي، وفتح أبواب الدعم الحقيقي.سوريا أمام أيام صعبة. فكلّ تأخير في معالجة الملفات الداخلية العالقة يُعقّد الأمور ويكشف الوضع أكثر فأكثر. وأيُّ مراهنة على الدعم السياسي الخارجي وحده، من دون الالتفات الجادّ إلى الداخل وترتيب البيت السوري، ستكون وصفةً للتأزيم وتعقيد المشهد، لا وصفةً للإنقاذ.الكرة، في النهاية، في الملعب السوري، أوّلاً وأخيراً.