في إطار ترسيخ مكانتها الرائدة عالميًا والتوسّع في فرص النمو المستقبلية، تواصل أرامكو السعودية تنفيذ استراتيجيتها على المدى البعيد، مرتكزة على قوة أعمالها المتكاملة وانضباطها في إدارة رأس المال، إضافة إلى استثماراتها الاستراتيجية في مشاريع الطاقة والبنية التحتية. ويعكس هذا النهج حرص الشركة على الجمع بين الريادة في أعمالها الحالية والاستثمار في مسارات النمو المختلفة، مع المحافظة على مرونتها وقدرتها على التكيّف مع المتغيرات.
نحو آفاق جديدة
تعكس التوجيهات الرأسمالية للشركة لعام 2026، التي تتراوح بين 50 و55 مليار دولار أمريكي، استمرار التركيز على الاستثمار في فرص النمو طويلة الأجل، مع الاستفادة من متانة المركز المالي والقدرة على التكيف مع تقلبات دورات السوق. ويأتي ذلك في إطار نهج يوازن بين تمويل المشاريع الاستراتيجية، والمحافظة على المرونة المالية، وتحقيق العوائد المستدامة للمساهمين.
وتمتلك أرامكو السعودية بنية تحتية قوية تضم مرافق ومنشآت ومعدات. وتشمل شبكة ضخمة من مرافق الزيت والغاز العملاقة ومصافي التكرير وخطوط الأنابيب، إضافةً إلى مرافق التخزين الاستراتيجي العالمية. كما تتميز أعمالها في مجالي الإنتاج والتصدير، حيث تملك الشركة خيارات تصديرية متعددة، إذ تصدر عبر الخليج العربي ، والبحر الأحمر، وكذلك البحر الأبيض المتوسط.
وبالنظر إلى قطاع النفط، يمضي مشروع زيادة إنتاج النفط الخام في حقل الظلوف وفق الجدول الزمني المستهدف لإنجازه في عام 2026. كما تدرس أرامكو السعودية، بالتنسيق مع وزارة الطاقة، خيارات تطوير مسارات إضافية لتصدير النفط الخام، إلى جانب فرص التوسّع في مرافق التخزين خارج المملكة. وتأتي هذه الجهود في إطار تعزيز مرونة منظومة الإمداد وتنويع خيارات التصدير والحد من تأثير التحديات على تدفقات الطاقة العالمية؛ بما يدعم موثوقية الإمدادات وأمن الطاقة العالمي.
وفي قطاع التقنية، تعكس الشراكة الاستراتيجية مع صندوق الاستثمارات العامة للاستحواذ على حصة أقلية مؤثرة في شركة هيوماين، توجهًا منها نحو استكشاف فرص جديدة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويستهدف هذا التوجه استغلال النمو المتوقع للطلب على الطاقة، الذي يحركه التوسّع العالمي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتواصل أرامكو السعودية العمل على استكشاف الفرص المرتبطة بهذا النمو، بما يتماشى مع خططها المستقبلية.
التوسّع في أعمال الغاز
تسعى أرامكو السعودية إلى تحقيق طموحات كبيرة في قطاع الغاز، حيث تستثمر بشكل مكثف بهدف زيادة الطاقة الإنتاجية لغاز البيع بنحو 80% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2021. ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز استقرار شبكة الكهرباء المحلية ودعم النمو الصناعي في المملكة، مع التأكيد على أن إحلال الغاز محل النفط في توليد الكهرباء سيمكنها من تعظيم صادرات النفط الخام بما يقارب المليون برميل يوميًا.
ومن المتوقع أن يصل إنتاج الشركة من الغاز وحده إلى ما يقارب 6 ملايين برميل من النفط المكافئ يوميًا خلال عام 2030، حيث يُعد مشروع الجافورة ركيزة أساسية في هذا النمو، إلى جانب مشاريع البنية التحتية الأخرى مثل معمل الغاز في تناقيب. ومن شأن هذا التوسّع المستمر في قطاع الغاز أن يعزز المركز المالي للشركة، مع توقعات بتوليد تدفقات نقدية تشغيلية إضافية تتراوح بين 12 إلى 15 مليار دولار أمريكي في عام 2030، بناءً على طلب السوق وأسعار السوائل.
الجافورة يحوّل الطموحات إلى واقع
بدأت المرحلة الأولى للإنتاج بمشروع الجافورة في ديسمبر 2025، وتعمل الشركة على الحفاظ على مستويات مستقرة من إنتاج غاز البيع والمكثفات، مع استمرار زيادة الإنتاج تدريجيًا وفق الخطة المعتمدة. وتسير أعمال المرحلة الثانية وفق الجدول الزمني المحدد لاستكمالها في عام 2027، حيث من المتوقع أن يصل الإنتاج إلى مليارين قدم مكعبة قياسية يوميًا من غاز البيع، و420 مليون قدم مكعبة قياسية يوميًا من الإيثان، ونحو 630 ألف برميل يوميًا من سوائل الغاز والمكثفات بحلول عام 2030. ويُبرز المشروع غناه بسوائل الغاز والمكثفات ذات القيمة التجارية العالية.
أما بالنسبة للغاز المسال، فإن الشركة لديها حاليًا عدة مشاريع دولية في هذا المجال خارج المملكة، مثل مشروع ميد أوشن مع شركة EIG، وهي من أكبر المؤسسات الاستثمارية الرائدة في قطاعي الطاقة والبنية التحتية على الصعيد العالمي. ومع توفر كميات إضافية من الغاز خلال السنوات القادمة، ستتاح الفرصة لاستكشاف فرص جديدة، بما في ذلك إمكانية تصدير الغاز المسال إذا كان ذلك مجديًا اقتصاديًا.
مرونة مالية تدعم الثقة
تعكس النتائج المالية المعلنة لعام 2026 قوة المركز المالي لأرامكو السعودية، الذي يعد أحد أقوى المراكز المالية في القطاع بنسبة مديونية بلغت 6.2% في 30 يونيو 2026، مما يمنح الشركة القدرة على تمويل استثماراتها والمحافظة على مرونتها المالية. وتُظهر المقارنة على أساس سنوي لصافي الدخل المعدّل في الربعين الأول والثاني نموًا مقارنة بالفترتين المماثلتين من عام 2025، وهو ما يؤكد أهمية النظر إلى الأداء عبر فترات متعددة، وليس إلى نتائج ربع منفرد بمعزل عن سياقه.
وأعلن مجلس الإدارة عن توزيعات أرباح أساسية للربع الثاني من عام 2026 بقيمة 82.1 مليار ريال سعودي بزيادة قدرها 3.5% على أساس سنوي. ومن المنتظر أن توفر نتائج الربع الثالث، المقرر إعلانها في 3 نوفمبر 2026، قراءة أحدث لأداء الشركة المالي والتشغيلي، ومدى انعكاس استثماراتها ومبادراتها على مؤشرات الربحية والتدفقات النقدية. وستكون متابعة النتائج على أساس سنوي مهمة لفهم اتجاهات الأداء، مع مراعاة أثر أسعار الطاقة، وحجم المبيعات، وتكاليف التشغيل، والتغيرات في رأس المال العامل.
كما تُشكّل الاستثمارات طويلة الأجل، والانضباط المالي، والقدرة التشغيلية، ركائز أساسية تدعم الثقة في استراتيجية الشركة وآفاقها المستقبلية للنمو. ومع اقتراب إعلان النتائج، تبقى متانة الأعمال الجوهرية وتكاملها، والقدرة على إدارة رأس المال بكفاءة، من العوامل المهمة في خلق القيمة للمساهمين مع التزام الشركة بأولوياتها على المدى البعيد.
منظومة سلاسل الإمداد
ولا تقتصر قوة أرامكو السعودية على الجانب المالي فحسب، بل تتمثل إحدى أهم ركائز القوة في اعتمادها على محتوى محلي قوي للتصنيع والخدمات، إذ يعد هذا الاعتماد أداة استراتيجية لتقليل التكاليف، كما يضمن استمرارية العمليات في ظل التحديات العالمية، وخير مثال، برنامج "اكتفاء" والذي استطاعت الشركة من خلاله توفير أكثر من 90% من المواد المستخدمة في استعادة المرافق المتضررة واستئناف العمليات التشغيلية في مرافقها من السوق المحلي. مما قلل حجم الضرر وقلل إمكانية توفيرها من أسواق غير محلية في ظل اضطراب أسواق الشحن وارتفاع تكاليفها، ويُعد برنامج "اكتفاء" قصة نجاح أخرى لأرامكو السعودية، حيث أسهم في مضاعفة المحتوى المحلي من 35% وقت إطلاق البرنامج في 2015م إلى 70%، وأعلنت الشركة مؤخرًا عن طموح جديد للوصول إلى 75% بحلول عام 2030م.