أدلة استخدام الكيماوي.. سريان حزمة عقوبات أمريكية إضافية على سلطة بورتسودان

رغم ضجيج تصريحات النفي الصادرة عن سلطة بورتسودان وقائد الجيش عبدالفتاح البرهان، حول عدم استخدام أسلحة كيميائية، فقد فشل رسمياً خلال مهلة قانونية منحته له الولايات المتحدة الأمريكية لاستيفاء شروط رفع الإجراءات العقابية بشأن وقائع استخدام «غاز الكلور المميت» خلال الصراع الدائر هناك، وهو ما دفع واشنطن لفرض حزمة عقوبات إضافية ثانية يبدأ سرياتها اليوم الاثنين 20 يوليو/ تموز 2026.وأعلنت الخارجية الأمريكية حزمة ثانية من العقوبات ضد سلطة بورتسودان، بعد أن خلصت إلى أنها «استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024» في انتهاك لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية التي انضم إليها السودان عام 1999، وذلك بأمر مباشر من البرهان.أدلة موثقة على الاتهاماتفي يناير/كانون الثاني، أوردت صحيفة نيويورك تايمز أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في حادثين. ونقلت عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن هذا السلاح يبدو أنه غاز الكلور الذي يمكن أن يسبب ألماً شديداً في الجهاز التنفسي والموت، وأن ذلك تم بموافقة مباشرة من البرهان.وفي تحقيق نُشر في أكتوبر/ تشرين الأول، أفادت وسيلة إعلام فرنسية بأن طائرات للجيش السوداني ألقت برميلين من غاز الكلور في سبتمبر/ أيلول 2024 بالقرب من مصفاة نفطية شمال الخرطوم. واعتمد التحقيق على بيانات مفتوحة المصدر، ولقطات من وسائل التواصل الاجتماعي، وآراء خمسة خبراء.ونشرت وزارة الخارجية الأمريكية، الجمعة، في السجل الفيدرالي القرار الرسمي المتعلق بالعقوبات المفروضة على السودان، وهو أعلى درجات الإقرار القانوني داخل الولايات المتحدة، إذ يحول العقوبات من إعلان سياسي إلى إجراءات ملزمة لجميع مؤسسات ووكالات الحكومة الأمريكية.وعندما أعلنت أمريكا فرضت عقوبات على البرهان وفي عام 2025 قالت إنه «تحت قيادته تضمنت تكتيكات الحرب التي يتبعها الجيش السوداني قصفاً عشوائياً للبنية التحتية المدنية، وهجمات على المدارس والأسواق والمستشفيات، وعمليات إعدام خارج نطاق القضاء». واعتبرت أن استخدام الأسلحة الكيميائية تجاوزاً لحدود أخرى في السودان.ما خطورة استخدام الكلور؟وقال العديد من المسؤولين الأمريكيين آنذاك إن الهجمات بالأسلحة الكيميائية كانت عاملاً رئيسياً في العقوبات ضد البرهان. وقال مسؤولان مطلعان على الأمر إنه عند استخدام الكلور كسلاح، يمكن أن يسبب ضرراً دائماً للأنسجة في جسم الإنسان، وفي الأماكن المغلقة، يمكن أن يحل محل الهواء، مما يؤدي إلى الاختناق والموت.وأفاد اثنان من المسؤولين الأمريكيين، بأن المعرفة ببرنامج الأسلحة الكيميائية في السودان كانت محصورة في مجموعة صغيرة داخل الجيش السوداني. لكن من الواضح أن الجنرال البرهان أذن باستخدامها، حسب قولهما.وقائع لا يمكن تجاهلهاورغم نفي سلطة بورتسودان، فقد أكد مسؤولون أمريكيون بأن أدلة استخدام الأسلحة الكيميائية كانت مقنعة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها، وأفادوا بأن الولايات المتحدة رصدت العديد من اختبارات الأسلحة الكيميائية التي أجراها الجيش السوداني في عام 2025، بالإضافة إلى حادثتين في العام السابق له.كما ذكرت نيويورك تايمز آنذاك، بأن الولايات المتحدة حصلت على معلومات استخباراتية أفادت بأن الأسلحة الكيميائية كانت على وشك استخدامها مرة أخرى في شمال الخرطوم، حيث اندلعت معارك ضارية عام 2025.تم تحويل الكلور لأول مرة إلى سلاح خلال الحرب العالمية الأولى، ويحظر القانون الدولي استخدامه في القتال. وفي منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، جرى استخدامه في قنابل يدوية من قبل عناصر تنظيم داعش الإرهابي.ما هي العقوبات المفروضة على سلطة بورتسودان؟تقيد حزمة العقوبات الجديدة التي دخلت حيّز التنفيذ الاثنين، قدرة السودان في الحصول على التمويلات والصادرات الأمريكية، كما تحظر على شركات الطيران المملوكة للسودان استخدام المجال الجوي الأمريكي. فيما دخلت حزمة العقوبات الأولى حيّز التنفيذ في يونيو/ حزيران 2025، وهي تحظر تمويل السودان أو التصدير إليه. لكنها تُعفي المساعدات الإنسانية الطارئة من العقوبات حيث يعاني نحو 25 مليون شخص انعداماً للأمن الغذائي.وبحسب القرار الأمريكي فإن العقوبات الإضافية المفروضة على سلطة بورتسودان تشمل: إنهاء جميع أشكال المساعدات الخارجية الأمريكية للسودان، باستثناء المساعدات الإنسانية العاجلة، والغذاء، والمنتجات الزراعية، ووقف جميع مبيعات الأسلحة والخدمات الدفاعية الأمريكية، وإلغاء التراخيص الخاصة بتصدير المعدات العسكرية أو الخدمات المرتبطة بها، إلى جانب إنهاء جميع برامج التمويل العسكري الخارجي المقدمة للسودان.وتتضمن العقوبات رفض أي قروض، أو ضمانات، أو مساعدات مالية تقدمها الحكومة الأمريكية، بما في ذلك عبر بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، مع التزام الولايات المتحدة بمعارضة منح السودان أي قروض، أو دعم مالي، أو تقني من خلال المؤسسات المالية الدولية، باستثناء ما يتعلق بالمساعدات الإنسانية الأساسية.كذلك تفرض العقوبات قيوداً صارمة على تصدير السلع والتقنيات الأمريكية ذات الحساسية الأمنية إلى السودان، مع اعتماد سياسة ترخيص تقوم على مبدأ «افتراض الرفض» بالنسبة للمواد التي يمكن أن تسهم في تطوير القدرات العسكرية أو الأمنية.كما نص القرار على عدد محدود من الاستثناءات، وتشمل السماح، في حالات استثنائية، بمنح تراخيص تتعلق بسلامة الطيران المدني، والإبقاء على بعض الإعفاءات الخاصة بالشركات الأمريكية العاملة في الخارج وفق ضوابط محددة.كما يجيز القرار إصدار تراخيص فردية في حالات تُقدّر بأنها تخدم الأمن القومي الأمريكي، بما في ذلك بعض التعاملات المرتبطة بجهات غير حكومية. وأكدت وزارة الخارجية أن هذه الاستثناءات ذات نطاق ضيق، ولا تمس جوهر العقوبات أو تخفف من القيود الأساسية المفروضة على السودان، التي تظل سارية وملزمة بكامل آثارها.