إن الشريعة لم تُعنَ بحراسة الجوارح فحسب، بل أحاطت القلوب بسياج من الحكمة؛ إذ القلوب مهبط الخواطر، ومبدأ الإرادات، ومنها تنبثق الأعمال وتتشكل المصائر. وقد جاءت نصوص الوحي عنايةً بإصلاح الظاهر والباطن معًا؛ لأن صلاح القلب أصل لصلاح العمل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».
ومن أجل ذلك لم تقتصر الشريعة على تحريم المقاصد الفاسدة، بل شرعت من الآداب والضوابط ما يحفظ القلوب من أسباب الانحراف، ويحفظ الأعراض من مواطن الريبة، ويصون النفوس من التعلق المذموم قبل وقوعه.
وهذا من كمال رحمة الله بعباده؛ فإنه سبحانه أعلم بطبيعة النفوس، وأدرى بما يصلحها وما يفسدها. والأصل في التعاملات التي تدعو إليها الحاجات والمصالح المشروعة الجواز إذا انضبطت بضوابط الشرع، ومن ذلك ما يكون في ميادين العمل والتعليم وسائر وجوه التعاون المباح بين الرجال والنساء.
غير أن الحكمة تقتضي الحذر من التوسع فيما زاد على قدر الحاجة مما قد يكون سببًا للتعلق أو الفتنة؛ فإن القلوب تتقلب، والنفوس تضعف وتقوى. فالمرأة العفيفة، ذات العقل الراجح والخلق الكريم، تعلم أن الزمالة أمر اقتضته مصلحة مشروعة، لا رابطة يُسترسل معها في فضول الأحاديث، ولا ميدان تُبذل فيه الخصوصيات، ولا باب تُستدرج عبره المشاعر من حيث لا يشعر المرء.
ولذلك تقف عند حدود الحاجة وقوف من يعرف قدر نفسه ويعلم طبيعة القلب، فتُحسن الخطاب من غير تكلف، وتؤدي ما عليها من الحقوق من غير انبساط يفضي إلى تعلق أو ريبة، وتحفظ مسافة الوقار التي بها تُصان الهيبة وتُحفظ الكرامة.
وقد أشار القرآن إلى هذا الأدب الرفيع في قوله تعالى:
{ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}.
وإن كانت الآية خطابًا لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فقد ذكر أهل التفسير أن نساء الأمة تبع لهن في هذا الأدب؛ إذ لم يُنهَ عن أصل الكلام، وإنما عن الخضوع بالقول على وجه يستميل القلب ويوقظ الطمع، وأُمر بالقول المعروف الذي تُؤدَّى به الحاجة في أدب ووقار. وكذلك الرجل صاحب الدين والمروءة لا يجعل من الزمالة ذريعة إلى اقتحام الخصوصيات، ولا يتخذ من تكرار اللقاءات وسيلة إلى استجلاب الأنس واستنبات التعلق، بل يحفظ بصره ولسانه وقلبه، ويعامل زميلته معاملة من يعلم أن القلوب ليست بمنأى عن التأثر، وأن المشاعر قد تتسلل إلى النفس على مهل إذا غابت المراقبة وضعفت المجاهدة.
ولهذا أمر الله تعالى بغض الأبصار، فقال سبحانه:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}، ثم قال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}. فإن النظر باب من أبواب التأثر، وكم كان أول التعلق نظرة أُطلقت، أو التفاتة تكررت، أو متابعة استُرسل معها حتى وجدت طريقها إلى القلب.
ثم جاء التحذير الرباني البليغ بقوله تعالى:
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}.
فتأمل كيف جاء النهي عن القربان، وفي ذلك دلالة على العناية باجتناب الطرق والأسباب المفضية إلى الحرام. وليس المقصود منع كل تعامل أو تواصل تقتضيه المصالح المشروعة، وإنما ضبطه بما يمنع الفتنة ويحفظ القلوب والأعراض. وجاءت السنة مؤكدة لهذا المعنى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء»، وقال : «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان».
وهذه النصوص لا تُفهم على أنها اتهام للرجال أو النساء، ولا أنها دعوة إلى إساءة الظن بالناس؛ فالأصل في المسلم والمسلمة السلامة والاستقامة، ولكنها تربية على معرفة طبيعة النفس البشرية، وتنبيه إلى أن الوقاية من أسباب الفتنة من تمام الحكمة وحسن البصيرة. والمتأمل في أحوال الناس يجد أن بعض العلاقات التي تبدأ في إطار الحاجة أو الزمالة قد تنقلب مع الزمن إلى تعلق غير محمود إذا غابت الضوابط أو ضعف سلطان المراقبة. وليس الخطر دائمًا في معصية تقع فجأة؛ بل قد يبدأ الأمر بخطوات يسيرة لا يُلقى لها بال، ثم تتتابع حتى يصبح القلب مشغولًا بما لم يكن منشغلًا به من قبل.
فقد يبدأ الأمر بكلمة يأنس بها السامع، أو باهتمام زائد يتكرر، أو باسترسال في الحديث يتجاوز مقتضى الحاجة، ثم تنشأ ألفة تستوحش النفس من فقدها، ويجد المرء نفسه ينتظر اللقاء أو الرسالة أو الخبر أكثر مما ينبغي. وهناك يدرك أن الأمر قد تجاوز حد الزمالة إلى مساحة أخرى لم يكن يقصد الوصول إليها.
وإذا أحس الإنسان من قلبه ميلًا بدأ يتجاوز حدوده المشروعة، أو وجد من نفسه التفاتًا يتكرر وانشغالًا يزداد، فالحكمة في المبادرة إلى العلاج قبل استفحال الأمر؛ فإن معالجة التعلق في بداياته أيسر من معالجته بعد تمكنه. ومن أنفع ما يعين على ذلك تقليل الأسباب التي تغذيه؛ فيقتصر المرء من الحديث على قدر الحاجة، ويترك فضول المؤانسة واسترسال المخالطة، ويحذر من تتبع الأخبار وترقب الرسائل والبحث عن المناسبات التي يتجدد فيها الاتصال من غير حاجة؛ فإن هذه الأمور، وإن بدت صغيرة في ظاهرها، قد ترسخ التعلق وتقوي حضوره في القلب.
وليصبر المرء على ما قد يجده في أول الأمر من مشقة؛ فإن ألم المجاهدة العابر أهون من عناء التعلق إذا استحكم. ومن أعظم ما يُداوى به القلب أن يُشغل بما هو أنفع وأبقى؛ فإن القلوب لا تُترك فراغًا، وإنما تُصرف من محبوب إلى محبوب.
وكلما قوي أنس القلب بالله، وعمرت أوقاته بالطاعة، وشُغل بمعالي الأمور، كان أبعد عن الاسترسال مع التعلقات المذمومة، وأقرب إلى السكينة والطمأنينة. ولهذا كان ذكر الله، وتلاوة القرآن، وصحبة الصالحين، والانشغال بما ينفع في الدين والدنيا، من أعظم ما يعين المرء على حفظ قلبه وصرفه عما لا ينفعه. فإن كان الميل ميلًا صادقًا إلى من تصلح زوجةً أو زوجًا، وكان الطريق إلى ذلك ميسرًا، فليُطلب الأمر من بابه الذي شرعه الله؛ فإن الشريعة لم تأت بإلغاء المشاعر الفطرية، وإنما جاءت بتهذيبها وتوجيهها إلى الطريق المشروع الذي يحفظ الدين والكرامة والحقوق.
أما أن يبقى القلب معلقًا بالأماني، مترددًا بين الرجاء والحرمان، مسترسلًا مع الخواطر التي لا تنتهي إلى سبيل مشروع، فذلك مما يطيل العناء ولا يرفع سببه، ويزيد التعلق ولا يحقق مقصوده.
وليكثر العبد من سؤال الله الثبات وصلاح القلب؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»، ثم قال : «اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك».