لا تزال حدة التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية تتصاعد ، في ظل تعثر المفاوضات حول تنفيذ إتفاق المناطق التجريبية ، برفض إسرائيل الإنسحاب من القرى الجنوبية ، وفي المقابل رفض حزب الله تسليم السلاح.
بالتوازي ، أثارت تصريحات توم باراك المبعوث الأمريكي الخاص حول إقتراحه ضم لبنان إلى سوريا تحت مسمي وحدة بلاد الشام ، جدلاً واسعاً في بيروت ، وإعتبرته تهديداً مباشراً لسيادة لبنان وورقة ضغط لنزع سلاح حزب الله بالقوة . ومحاولة إشعال فتنة بين الشعبين السوري و اللبناني .
فبين نيران القصف الإسرائيلي في جنوب لبنان، والضغط السياسي الذي تقوم به أمريكا على لبنان ، وجد لبنان نفسه أمام خيارين أحلاهما مر ، إما الإستجابة لمطلب نزع سلاح حزب الله مقابل وعود بإعادة الإعمار والإنسحاب الإسرائيلي ، أو مواجهة سيناريو ملف بلاد الشام الذي لوّح به المبعوث الأمريكي توم باراك . فهل تنجح الدبلوماسية الأمريكية في فرض تسوية جديدة، أم أن المنطقة مقبلة على مزيد من التصعيد ؟
في الوقت الذي عاد فيه سكان بلدة زوطر الغربية لمنازلهم المدمرة بعد أشهر من النزوح ، ليتفقدوا ركام بيوتهم في أول إختبار حقيقي للإتفاق المدعوم أمريكياً . لكن فرحة العودة لم تكتمل .
فالقوات الإسرائيلية لا تزال تحتل مساحات واسعة من الجنوب ، والتصريحات الأمريكية عن مستقبل بلاد الشام زادت من قلق اللبنانيين على كيان دولتهم . بين الألغام والأنقاض ، يبحث الجنوب اللبناني عن أمان لم يأت .
اللوبي الصهيوامريكي لن يهدأ وسيظل يعمل علي عدم إستقرار منطقة الشرق الأوسط ، لطالما خلق نزاعات وصراعات لتظل البلدان العربية تعج بالخلافات ، وتظل تعاني من أزمات داخلية وخارجية لتعطي مظلة لتدخل القوي الصهيوامريكية في شؤونها والنيل من سيادتها .
تلك القوي تعمل بمبدأ إستراتيجية الفرقة التي أرساها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في الستينات جون فوستر دالاس الذي أسس مبدأ فرق تسد . وهو حالنا كعرب اليوم .
في منتدي الدوحة وتحت شعار وهمي وهو ترسيخ العدالة بين الدول في نسخته الثالثة و العشرين والذي حضره ممثلون لأكثر من 150دولة منهم رؤساء وملوك ورؤساء مجالس وزراء ، لتدعيم مايسمي بالعدالة في ظل النظام العالمي الجديد ، وهي عدالة في إعتقادي تتعلق بمفهوم عدالة السيطرة للدول الكبري علي مقاليد وخيرات الأوضاع في البلدان وخاصة العربية .
من المضحكات المبكيات أن يخرج من بين رحم شعار المنتدي طرح الفكرة الشيطانية للصهيوامريكية عن طريق توم باراك المبعوث الأمريكي في سوريا وهو صديق مقرب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و من أصول لبنانية ومنفذ جيد لمؤامرات اللوبي الصهيوني تجاه العرب .
في كلمته التي ألقاها خلال المنتدي طرح فيها ضرورة ضم لبنان لسوريا لأنهما يمثلان حضارة واحدة ، و للحفاظ علي لبنان من أخطار التدخلات الخارجية . ويقصد بارك بتلك العبارة إيران و اليمن وحزب الله . باراك بالطبع لم يتحدث من رغبته ، هي أطروحات تطلقها الإدارة الأمريكية علي لسان ممثليها ، لبيان ردة الفعل . وبالطبع كما قال باراك بعد ذلك ، هي رغبة للرئيس ترامب .
هكذا تسعي القوي الصهيوامريكية لبث الفرقة بين البلدان العربية في منطقة الشرق الأوسط لتظل تسيطر بقوة نفوذها علي التدخل و التواجد الرسمي علي أراضينا ، بدعوي نشر السلام وهي المتأمرة لنشر الصراعات و الفساد و الإفساد بين الشعوب .
الرفض اللبناني للمقترح جاء علي لسان نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني وأكد أن ذلك يؤدي لمزيد من الصراعات التي تعيشها لبنان بدافع الحفاظ علي الهوية اللبنانية بينها وبين الإدارة السورية . أيضا ندد حزب الله اللبناني عن طريق أمينه العام نعيم قاسم في إحتفال نظمته وحدة العمل النسائي بالحزب بالتدخل في الشؤون اللبنانية و أكد علي أن الحزب يسعي للحفاظ علي إستقلال لبنان .
سوريا التي إحتلت لبنان لأكثر من ثلاثين عاما منذ عام 1975 عقب نشوب الحروب الأهلية ، دخلت عن طريق قواتها المدعومة بفصائل فلسطينية تابعة لها لإحتلال لبنان ، والعمل علي إعادة ضم بعض الأراضي لسوريا الكبري ، ثم مالبتث أن تخلصت منها بعد محاولة ٱقامة كيان فلسطيني خاص علي بعض المناطق اللبنانية ، وهو ملف كبير يحتاج لمقالات أخري سوف اتناوله فيما بعد .
عندما جاء الجنرال ميشيل عون رئيسا لمجلس الوزراء اللبناني في أواخر الثمانينات حدثت فتنة طائفية بصناعة سورية لكون الجنرال مسيحي بينما ماتم الإتفاق عليه أن يكون رئيس الوزراء مسلم سني ورفض كثير من الوزراء الإنضمام لحكومة الجنرال عون .
وعاشت لبنان في حرب أهلية بصنيعه سورية أودت لتشكيل حكومة عسكرية برئاسة الجنرال عون في بيروت الشرقية وحكومة أخري في بيروت الغربية برئاسة سليم الحص المدعوم من العراق ، وذلك للتصدي لقوات حزب البعث السوري في لبنان ، الذي حافظ علي قواته ومطالبته بعودة الأراضي اللبنانية لسوريا .
تلك فتن زرعتها القوي الصهيوامريكية و روتها بدماء أبناء الشعوب العربية ، لتظل الخلافات قائمة ، بينما تكون هي أمنه ، ويكون هناك إستغلال الصراع للتدخل و الإنقضاض علي قوي الدولتين في غفله منهما أو تحت بصرهما ، كما حدث مؤخرا في سوريا ولبنان بدعوي تأمين حدود الأراضي المحتلة من إمكانية الإعتداء مستقبلا علي أمنها .
من المؤكد أن الإستقطاب الأمريكي لسوريا مؤخرا ، الذي جاء برغبة وسعي الرئيس السوري أحمد الشرع لضمان بقائه علي رأس السلطة ، سيكون له نتائج إيجابية علي القيادة السورية التي أعادت في لقائها بالإدارة الأمريكية مؤخرا عودة سلطة بلاد الشام أو سوريا الكبري إلي الجمهورية السورية لضمان أمن المنطقة وأيضا ضمان أمن إسرائيل بعد توقيع إتفاق سلام يضمن أمن البلدين ، تلك الأراضي التي فرقتها إتفاقية سايكوس بيكو عقب سقوط الإمبراطورية العثمانية .
تاريخيا كانت الأراضي اللبنانية جزءا من الأراضي السورية التي كانت تسمي بلاد الشام وتضم سوريا ، الأردن ، فلسطين ، لبنان . ثم عقب الحرب العالمية الأولي و سقوط الإمبراطورية العثمانية تم توزيع الكعك العربي لتنال كل دولة قطعة من خيرات الأراضي العربية لتنهش خيراتها .
وتم توقيع إتفاقية سايكس بيكو عام 1916 بين بريطانيا وممثلها مارك سايكس وهو سياسي خبير بشؤون الشرق الأوسط ، وبين فرنسا وممثلها فرانسوا جورج بيكو وهو دبلوماسي فرنسي خبير أيضا بشؤون الشرق الأوسط . وسميت الإتفاقية بإسم من كلا منهما .
عقب توقيع إتفاقية سايكس بيكو تم تقسيم الدول العربية بين بريطانيا وفرنسا لتنهش خيراتها وتكون ذريعة للتواجد في منطقة الشرق الأوسط ولتحقيق مبدأ أن تكون الدول العربية سوقا لمنتجات الدول الغربية . وأيضا للسيطرة علي كنوز حقول الغاز التي ظهرت في شرق البحر المتوسط بين سوريا ولبنان وغزة وبالطبع كان اللوبي الصهيوني يختفي تحت عباءة الدولتين .
مخاطر ما تقترحه الصهيوامريكية عن طريق مبعوثها لسوريا توم باراك من ضم لبنان إلي سوريا كثيرة جدا ، بداية من الرفض الشعبي اللبناني للحفاظ علي هويته وما يتبعه من نزاعات سواء سياسية و إقتصادية في التطبيق .