أحمد عبد الوهاب يكتب: فــي اليوم العالمـي للمعلم، طلابنا… الأثر الذي يبقى في القلب

​قبل أعوام، بمناسبة اليوم العالمي للمعلم تشرفتُ بلقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بقصر الحصن بأبوظبي، وتحدث سموه عن تأثره بمعلميه منذ وقت الطفولة. ثم منذ يومين أراه ينشر صورة له وقت طفولته مقترنة بنصٍّ كتبه بخط يده إهداءً لمعلمه عام 71، أي منذ أكثر من خمسة وخمسين عامًا؛ فمرت السنون ولا يزال أثر المعلم باقيًا.

ثم في أكثر من مناسبة تعليمية تذكر معالي عائشة ميران، المدير العام لهيئة المعرفة والتنمية البشرية، أنها لا تزال تتذكر معلمات اللغة العربية في مدرسة طفولتها. تِلْكَ المعاني كلها تبين أن المعلم أثرٌ يدوم مهما مضى العمر.

واليوم بعد قرابة عشرين عامًا لي في التربية والتعليم بين مصر والإمارات بين العمل الجامعي والمدرسي، أجزم أن أكبر وأصدق دافع لي في هذه المهنة هو حب طلابي، والأثر الذي يتركونه في قلبي قبل أن أتركه فيهم.

ندرك جميعا أنه لا تخلو أي مهنة من تحديات، ولكن في تلك اللحظات تحديدًا، كانت نظرات طلابي، وامتنانهم، وكلماتهم الصادقة، كفيلة بأن تمنحني دافعًا جديدًا لأواصل بثبات، وأمضي بقلب أكثر قوة.

سألني يوما أحد الزملاء كيف أستطعت ان تحقق تقديرات متميزة مع طلابك لسنوات طويلة فكانت إجابتي بوضوح أن قلب طلابي أولا كان هو السر الأول وبعدها ياتي أسباب أخرى.

لا أنسى كيف يركض طلاب المرحلة الأولى نحوي عند دخولي صفوفهم، بأيدٍ صغيرة تحمل فرحًا خالصًا، وقلوب بيضاء تضيء يومي بابتسامة واحدة. أصبحت هذه اللحظات جزءًا عزيزًا من ذاكرتي؛ لأنها تذكرني دائمًا بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان وراءه ليس فقط ما علّمه، بل ما أحدثه من أثر إنساني في النفوس.

ولمن يدرك رسالة التعليم، يعلم أن الروابط الإنسانية والوجدانية المتزنة ليست أمرًا هامشيًا في العملية التعليمية، بل هي من ركائزها الأساسية. فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحترام والاهتمام يكون أكثر استعدادًا للتعلم، وأكثر قدرة على بناء الثقة والتفاعل.

طلابنا مختلفون كالألوان؛ لا يشبه أحدهم الآخر، وأحبهم جميعًا كما هم باختلافهم. فهذا المجتهد الذي يبهرني بتفانيه، وهذا الخلوق الذي تأسرني أخلاقه، وذاك المشاغب الذي تخفي شقاوته قلبًا مفعمًا بالبراءة. وهناك من يجاهد رغم الصعوبات، فأراه بعين التقدير قبل أن أراه بعين التقييم، مدركًا أن نضال الطفل في طلب العلم لا يقل نبلًا عن سعينا نحن في بناء حياتنا.

أحمد الله كثيرًا على محبتي للأطفال ومحبتهم لي، لكنني تعلمت مع الوقت أن الحب وحده لا يكفي؛ فهو يحتاج إلى صبر ممتد، وفهم عميق لاحتياجات الطلاب النفسية والتعليمية، ومهارات تُكتسب بالخبرة والتجربة. فالحب الصادق وحده حين يتحول إلى ممارسة تربوية واعية، يجعل العلاقة بين المعلم وطالبه صحية ومتزنة ومستدامة.

وطلابنا أذكياء؛ يدركون من يحترمهم ويحبهم بصدق، حتى وإن خاطبهم أحيانًا بحزم لما فيه مصلحتهم. فالطفل يستطيع أن يميز بدقة بين الحزم الذي يحميه والقسوة التي تؤذيه، وبين النقد البناء الذي يساعده على النمو والانتقاد الذي يقلل منه. وهنا يأتي دور الاحترام المتبادل ليخلق مساحة آمنة للحوار والتفهم.

وقلوب طلابنا كريمة؛ يردّون الود بالود وزيادة. أحيانًا تكفي ابتسامة صغيرة لمحو تعب يوم كامل، أو كلمة عفوية لتخفف عناء الطريق.

لا أنسى كلمات بسيطة قالها طلابي بقلوبهم قبل ألسنتهم، فحملت في داخلي معاني عميقة:

قد تبدو هذه الكلمات عابرة لمن يسمعها، لكنها بالنسبة إلى المعلم رسائل محبة لا تُقدّر بثمن، تتحول مع مرور الوقت إلى طاقة خفية تغذي الشغف والعطاء.

ربما لا يتذكر بعض الطلاب، بعد فترة طويلة، كل ما شرحه لهم معلمهم، ولا كل الكلمات التي كتبها على السبورة، لكنه سيظل يتذكر حتمًا كيف شعر في وجوده:

هل شعر أن هناك من يراه ويفهمه ويمنحه فرصا للخطأ ثم التعلم بصدر رحب؟

هنا تكمن أجمل حقائق التربية وأعمقها: أننا لا نعلّم الطلاب فقط، بل نترك فيهم شيئًا منا، ويتركون فينا شيئًا منهم.

كل لحظة مع طلابي تمنحني أملًا جديدًا بأن التعليم ليس مجرد مهنة نمارسها، بل رسالة نبيلة نحياها كل يوم.

وأحمد الله أن طلابي لم يخذلوني يومًا، وأسأله أن يمنحني مزيدًا من القوة والشغف لأتطور أكثر، فأكون لهم كما كانوا لي: سندًا، وأثرًا، ونورًا.

في اليوم العالمي للمعلم، لا أحتفل فقط بما قدمته لطلابي، بل أحتفل أيضًا بما منحوني إياه؛ لأن أجمل ما في التعليم أن الأثر لا يسير في اتجاه واحد.