أثناء تصفحي منصة "فيس بوك"، ظهرت أمامي ضمن موجز الأخبار تدوينة لأحد الطلاب يقول فيها: "ممكن نحاول نوصل الكلام دا لأي حد مسؤول عندنا في الأكاديمية، بأن يتم تغيير اسم معاهدها العليا في مكتب التنسيق إلى أكاديمية (...) زي الأكاديمية (...) وغيرها من الأكاديميات، لأنها لا تقل أهمية عنهم، ودا هيعود في الآخر بالنفع علي كل الكليات سواء هندسة أو إعلام أو حاسبات وغيرها؛ لأنك هتستلم شهادتك ومكتوب فيها أكاديمية كذا وليست المعهد العالي، واللي كتير من الناس بيستهونوا بيه وبيقللوا منه.
والسطور العفوية السابقة تنفض الغبار عن صدع خفي في بنيان الثقة لدى شريحة عريضة من طلاب التعليم الخاص، حتى وإن كانت مؤسساتهم التعليمية مرموقة بالفعل؛ حيث يتسلل إليهم شعور وهمي بأن جهدهم الأكاديمي محكوم عليه بنقصان القيمة، بغض النظر عن جودة المناهج وغزارة الحصيلة المعرفية. وهو وهم يخالف الواقع الموضوعي الذي يؤكد سعي وزارة التعليم العالي المستمر لتحديث برامجها الدراسية بصروحها المختلفة، وتطويرها لتلبي احتياجات ميدان العمل في الداخل والخارج. غير أن تلك "الفوبيا" تأتي من حمى الأحكام المجتمعية الشكلية لا الموضوعية على الخريجين.وهذا الواقع المشوش هو ما دفع طالباً جامعياً رغماً عنه إلى حبس نفسه في إطار ضيق متمثل في مسمى جامعته أو أكاديميته أو معهده بسبب نظرة المجتمع المتقلبة، التي لا تزن الخريج بميزان الحقيقة؛ بل تكتفي بقراءة العناوين والأغلفة البرّاقة للشهادات، بينما لا ينحني ميدان العمل إلا لمن أتقن صنعته وملك زمام كفاءته. أما الاعتماد الكلي على اسم الأكاديمية وحدها فهو رهان خاسر، لأن الألقاب وحدها تذوب سريعاً أمام أول اختبار للقدرة المهنية.
وإذا أمعنا النظر في هذه الظاهرة علمياً، سنجد تفسيرها الجذري في "نظرية التقييم المعرفي" التي وضع أسسها عالما النفس إدوارد ديسي وريتشارد رايان كجزء من نظرية تقرير المصير. وتفسر لنا هذه النظرية كيف أن الضغوط المجتمعية والأحكام المعيارية الصارمة، مثل النظرة الدونية لمسمى إداري أو شهادة بعينها، تعمل كمؤثرات خارجية تحكم السيطرة على العقل، فتتحول مرجعيات تقدير الذات لدى الشاب من الاستقلالية الداخلية إلى الاعتماد على آراء الآخرين. هذا التحول يصيب الدافعية والإرادة بالشلل، ويجعل الطالب رهينةً لتقدير شكلي يختزل سنوات تعبه وجهده في بضعة حروف مطبوعة على ورقة، متناسياً أن سوق العمل الحديث لا يعترف بنص التنسيق، بل يعترف بمهارة العقل الذي يدير العمل.
والسؤال الذي يطرح نفسه حقاً في هذا السياق هو: ماذا بعد الشهادة وتخطي تلك العُقد الشكلية الدفينة لبعض الخريجين؟والإجابة، عزيزي الطالب وعزيزتي الطالبة بشقي التعليم العام والخاص، هي ضرورة تمكنكم من أدواتكم المعرفية والتقنية؛ مثل إجادة اللغة الإنجليزية المعتمدة عالمياً، بالتوازي مع لغات أخرى تفهمها الآلة التي يستخدمها يومياً المهندس والمحاسب والطبيب، وربما كل المهن، وأقصد هنا البرمجة والذكاء الاصطناعي وتطبيقاتهما بسوق العمل. كذلك يجب الحصول على دورات تدريبية مطلوبة مهنياً، وبالإضافة لما سبق، عليكم أن تؤهلوا أنفسكم للمقابلة الشخصية قبل خوضها طلباً للتوظيف، وإثبات أنكم قادرون عملياً على التكيف مع ظروف العمل وتطويره.