أحمد زكي يكتب: عبثية “الزهزهة” وعذاب “التحمل”.. حين تبيع الشاشات قصورًا وتطالبنا بإطفاء الأنوار!

ما زالت الكلمة حائرة بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم فاجعل كلمتك بسيطة حتى يفهم مقصدها وبين سخرية وجدية تأتي كلماتى كحقنة خفية فى وريد مقصدها..في الوقت الذي يغرق فيه الكثيرون في حسابات البقاء، ومطاردة رغيف العيش بـ "الجرام"، تفتح "كفة المحظوظين" أبوابها لرفاهية لا تعرف حدودًا ولا تراعي شعورًا. وبين عتمة الصابرين وأضواء "المنورين"، يبرز السؤال المر: كيف يرقص هؤلاء بملايينهم على أنغام أنفاس المتعبين؟ وماذا تبقى للكادحين سوى الصبر في زمن أصبح فيه فقرهم مجرد خلفية لشهرة غيرهم؟

لا تكتمل فصول هذه المأساة إلا بتلك الإعلانات المستفزة التي تملأ الشاشات ليل نهار، تروج لمشاريع عملاقة ومدن خيالية تُبنى بـ "التريليونات". هي مشاريع "مغلقة" لا تفتح أبوابها إلا لمن يملك، ولا تبيع سوى أحلامًا لا يطالها 90% من الشعب.

​المثير للسخرية السوداء هنا، هو أنك ترى الفنانين والمشاهير الذين يسكنون تلك القصور، يخرجون عليك في الفواصل الإعلانية بوجوه "واعظة" ليحدثوك عن ترشيد الطاقة وضرورة الاقتصاد فياستهلاك الكهرباء والماء!

​عجبًا لهذا المنطق؛ يبنون مدنًا تستهلك من الطاقة ما يكفي لإنارة محافظات كاملة، ثم يطلبون من "الغلبان" أن يطفئ لمبة بيته ليوفر "التحميل". هؤلاء هم الأسباب الحقيقية لهذا الغضب؛ فبينما تُنفق التريليونات على أسوار ومدن "الزهزهة"، يظل المواطن الكادح هو المطالب دائمًا بالتحمل، وهو الذي يدفع ثمن تلك الرفاهية من جهازه العصبي وقوت يومه، ليظل في النهاية مجرد "مشاهد" لأضواء لا تشرق أبدًا في شارعه.

إن هذه الإعلانات تفضح حالة من "التناقض الصارخ" في الخطاب؛ حيث تروج للترف الفاحش وتطالب بالتقشف في آن واحد. والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: أين مسؤولي الإعلام مما يحدث؟ وأين ذهبت أخلاق المهنة ومواثيق الشرف الإعلامي؟

​لقد أصبح الناس اليوم حبيسي بيوتهم، لا يملكون متنفسًا سوى تلك الشاشات، فبدلًا من أن تواسيهم أو تحترم معاناتهم، يتم التمادي في استفزازهم بوجبات دسمة من البذخ الفج. أين ما تعلمتموه عن "نفسية الجمهور" ومخاطبة الناس حسب حالهم؟ هل عميت الأبصار والبصائر لدرجة ألا تروا سوى "الماديات" التي أصبحت هي الحاكم والناهي؟

إن إصرار الإعلام على تصدير صور "الزهزهة" في وقت "العسرة" ليس مجرد سوء تقدير، بل هو طعنة في قلب الانتماء، وانهيار تام لكل القيم التي قامت عليها هذه المهنة. لقد تحولت الشاشة من نافذة للأمل إلى منصة للتعذيب المعنوي لكل مواطن كادح.

​إن المبالغة في عرض الرفاهية أمام المحرومين ليست ذكاءً تسويقيًا، بل هي شرخ عميق في جدار الثقة بين المواطن وإعلامه. ارحموا مشاعر الناس، وتذكروا أن الوطن ليس "تجمعًا سكنيًا" مغلقًا، بل هو شوارع وحارات يسكنها الصابرون الذين يستحقون الاحترام قبل أي شيء.تحياتى ومن عندياتى،،،،

عن الإعلام_فواصلهم فى الإعلانات قصور وواقعنا فى المشاهدة محصور.._المتخم بينصح الجائع بآداب المائدة.._أضواؤهم ساهرة وشموعنا حائرة.._يبيعون لنا الهواء ويسكنون هم الفضاء.._التقشف للمشاهد والترف للواعظ من داخل القصور.. إلى اللقاء،،،