قال اللواء محمد الغزالي ، أحد أبطال حرب أكتوبر ، إن المعلومات تعتبر أحد أهم عناصر إدارة المعركة ، موضحًا أن إنشاء الاستطلاع الجوي جاء في أعقاب يونيو 1967 بهدف توفير معلومات دقيقة عن القوات الإسرائيلية وتحركاتها وقدراتها.
وأوضح اللواء الغزالي في تصريحات خاصة لوكالة أنباء الشرق الأوسط ، أن القوات الجوية المصرية نفذت في 14 و15 يوليو 1967 ، هجمة جوية مركزة على القوات الإسرائيلية التي نجحت في الوصول إلى شرق قناة السويس، وذلك بقيادة الفريق الراحل مدكور أبو العز، وبمشاركة عدد من الطيارين المصريين الذي يتمتعون بالكفاءة العالية.
وأضاف أن هذه الهجمة أظهرت قدرات الطيارين المصريين، رغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها القوات المسلحة بعد 1967 ، مشيرًا إلى أن الاستفادة الكاملة من نتائج تلك العملية كان من شأنها، بحسب تقديره، أن تغير بعض معطيات الموقف في ذلك الوقت.
وأشار اللواء الغزالي إلى أن القوات المسلحة أدركت عقب حرب 1967 أن أحد الأسباب الرئيسية لما حدث تمثل في نقص المعلومات عن العدو، ومن ثم جرى إنشاء الاستطلاع الجوي، الذي ضم مجموعة من أكفأ الطيارين والعناصر المتخصصة، بهدف اختراق مناطق العدو والحصول على المعلومات اللازمة عن قواته ومطاراته ومواقع تمركزه وتحركاته.
ولفت إلى أن عمليات الاستطلاع الجوي اعتمدت على وسائل متعددة، من بينها الاستطلاع بالنظر والتصوير الجوي بمختلف أنواعه، موضحًا أن بعض الطائرات كانت تحلق على ارتفاعات منخفضة للغاية، ما كان يستلزم استخدام طائرات أخرى لإعادة بث الاتصالات إلى مراكز القيادة.
وتابع أن عمليات التصوير الجوي كانت تشمل التصوير الرأسي والمائل، إلى جانب استخدام وسائل متخصصة مثل التصوير بالأشعة تحت الحمراء، ثم كانت الأفلام تخضع للمعالجة السريعة، ويقوم متخصصو قراءة الصور الجوية بتحليلها وتفسير ما تتضمنه من معلومات.
وأكد أن الهدف لم يكن مجرد الحصول على الصور، وإنما الوصول إلى الاستنتاجات التي تكشف ما وراء الصورة، من خلال تحليل طبيعة المواقع العسكرية وتجهيزاتها وأحجامها وأنماط استخدامها، بما يسمح بتكوين صورة متكاملة عن قدرات العدو وأساليب عمله.
وأوضح اللواء الغزالي أن المعلومات التي تم جمعها عن القوات الإسرائيلية شملت مختلف الجوانب المتعلقة بها، بما في ذلك أعداد الطائرات، والمطارات، والتدريب، وأساليب القتال، ونظم الإجازات، وطرق إعادة التزود بالوقود والتسليح، وغيرها من التفاصيل التي تساعد في بناء صورة دقيقة عن قدرات العدو.
وفيما يتعلق باستجواب الأسرى، قال اللواء محمد الغزالي إنه تلقى العديد من الدورات والتدريبات، من بينها دراسة اللغة العبرية لمدة عامين، وهو ما أهله للمشاركة في عمليات استجواب الأسرى خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
وأشار إلى أن عمليات استجواب الأسرى خلال حرب الاستنزاف أسهمت في تكوين قاعدة مهمة من المعلومات عن القوات الإسرائيلية، موضحًا أن عددًا كبيرًا من الأسرى تم استجوابهم، وأن المعلومات التي تم الحصول عليها جرى توظيفها في إعداد مواد ودراسات استفادت منها القوات الجوية وطيارو المقاتلات في التعرف على أساليب العدو ونقاط القوة والضعف في الطائرات الإسرائيلية.
وذكر أن من بين الأسرى الذين قام باستجوابهم خلال حرب الاستنزاف الطيار الإسرائيلي نسيم أشكنازي، موضحًا أن الاستجوابات أسهمت في الحصول على معلومات تتعلق بتمركزات القوات الإسرائيلية، ونظم الإجازات، وأوضاع الطيارين، وغيرها من التفاصيل المرتبطة بالقوات الجوية الإسرائيلية.
وأضاف أن المعلومات التي تم الحصول عليها من الأسرى لم تكن المصدر الوحيد للمعلومات، وإنما كانت جزءًا من منظومة متكاملة شملت ما توفره المخابرات الحربية والاستطلاع والمخابرات العامة، إلى جانب مصادر أخرى، وهو ما أسهم في بناء صورة أكثر دقة عن القوات الإسرائيلية.
وأكد أن المعلومات كانت، في تقديره، "العنصر الأهم في الحرب"، إذ لا يمكن إعداد خطة عسكرية من دون معرفة حجم قوات العدو وتمركزاته وقدراته وأسلحته وأساليب قتاله.
وأوضح اللواء الغزالي أن إعداد خطط العمليات للقوات الجوية قبل حرب أكتوبر اعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات التي وفرها الاستطلاع الجوي، خاصة ما يتعلق بمطارات العدو وتمركز طائراته ومواقع صواريخه وقدراته العسكرية.
وأشار إلى أن عملية إعداد الخطط تضمنت إجراء مقارنات بين القدرات المصرية والإسرائيلية، ليس فقط من حيث عدد الطائرات والأسلحة، وإنما أيضًا من حيث الكفاءة النوعية للطائرات وقدرة الطيارين على تنفيذ الطلعات الجوية، وسرعة إعادة التزود بالوقود والتسليح، وغيرها من العوامل المؤثرة في القدرة القتالية.
وأضاف اللواء الغزالي أن القوات المسلحة المصرية درست خصائص الطائرات الإسرائيلية المختلفة، ومنها طائرات "فانتوم" و"سكاي هوك" و"ميراج"، وحددت نقاط القوة والضعف لكل منها، بما يسمح بوضع خطط للتعامل معها وتجنب عناصر تفوقها واستغلال نقاط ضعفها.
ولفت إلى أن نتائج استجواب الأسرى كانت أحد مصادر المعرفة بهذه القدرات، مؤكدًا أن قيمة السلاح لا تتحدد فقط بفخامته أو إمكانياته الفنية، وإنما بكفاءة مستخدمه، إلى جانب الدافع والهدف الذي يخوض من أجله المعركة.
وتطرق اللواء الغزالي إلى إحدى الوقائع التي اعتبرها نموذجًا للبطولة خلال الحرب، موضحًا أن أحد طياري المروحيات المصريين واجه طائرة "فانتوم" إسرائيلية، رغم أن طائرته كانت مسلحة بصواريخ غير موجهة، فأطلق دفعة واحدة من الصواريخ على الطائرة الإسرائيلية وتمكن من إسقاطها.
وأكد أن مثل هذه النماذج من البطولات يجب أن تحظى بمزيد من الاهتمام، باعتبارها جزءًا من التاريخ العسكري المصري، مشددًا على أهمية تعريف الأجيال الجديدة بتضحيات وبطولات القوات المسلحة خلال الحروب.
وقال اللواء الغزالي إن البطولات التي شهدتها حرب أكتوبر لم تأتِ بصورة مفاجئة، وإنما كانت نتيجة تراكم طويل من العمليات والتجارب خلال حرب الاستنزاف، والتي أطلق عليها العسكريون مفهوم "تطعيم المعركة"، باعتبارها عمليات محدودة هدفت إلى اختبار رد فعل العدو وقياس قدراته واستعداداته.
وشدد على أن حرب أكتوبر كانت ثمرة سنوات طويلة من جمع المعلومات وتحليلها وتطوير القدرات والتدريب والعمليات المحدودة، مؤكدًا أن المعلومات المتراكمة عن العدو أسهمت بصورة مباشرة في بناء الخطط التي مهدت لتحقيق أهداف القوات المسلحة في حرب أكتوبر.