ينكشف لبنان أكثر أمام المحصلة الإقليمية والدولية، وهو بات حلقة مهددة بين التلويح بحرب إسرائيلية بعد الانتخابات، والضغوط الأميركية على الدولة لمواجهة "حزب الله"، وبين التلويح الإيراني بإشعال جبهات المساندة ومنها جنوب لبنان. فيما يتفاقم المأزق الداخلي مع اختبار الحكومة في ملاحقة ملف المتفجرات في ضوء تصعيد "الحزب"، وأيضاً في رفض إسرائيل الانسحاب من مناطق تجريبية محتلة.
كل المؤشرات تدل حتى الآن على فشل المبادرات للتوصل إلى تسوية على المسار الإيراني، فوتيرة المخاوف تتصاعد لدى دول المنطقة من انفجار قريب، إذ أن المعلومات تشير إلى أن الحرب في حال اندلاعها ستبدأ بضربات أميركية لم تشهدها الحرب السابقة مع مشاركة إسرائيلية في حال تكليف بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة أو بقائه لتصريف الأعمال، فيما ستوسع إيران معركتها إلى دول عديدة، وتحريك وكلائها في المنطقة لإشعال الجبهات.
المخاوف بدأت تتصاعد في لبنان من احتمال شموله بالحرب في حال اتساعها، إذ تشير المعلومات وفق مصادر ديبلوماسية إلى أن لبنان في كل الاحوال لن يكون في منأى عن المعركة الكبرى، ولا عن الضغوط في حال التسوية، فإذا قررت طهران تحريك جبهات المساندة سيكون لبنان ساحة أولى للمواجهة مع إسرائيل. والأمر وفق المصادر يتعلق بحجم المواجهة، فكل الكلام الذي نقل عن الحزب بأنه لن يورط لبنان، إلا أن لا ضمانات حتى لحليفه الرئيس نبيه بري، طالما هو يتجهز ويعيد بناء قدراته بإشراف إيراني مباشر، وما نقل المتفجرات التي ضبطت في ضهر البيدر والبقاع، إلا عينة من شحنات سبقتها تحضيراً للمواجهة، بصرف النظر إذا بدأت بإسناد استباقي أو بحرب إسرائيلية مباغتة ضد بنية "حزب الله".
ومع استمرار رفض "حزب الله" قرارات الحكومة، تستمر إسرائيل بعملياتها وبالتفجيرات في القرى المحتلة، لتزيد الضغط على الدولة اللبنانية مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل من دون التوصل إلى تشكيل قوة بديلة، بما يترك الجنوب في حالة فراغ أمني، ولذا تشير التوقعات بعد الانتخابات الإسرائيلية إلى أن وتيرة العمليات سترتفع ضد "حزب الله"، مع ضغوط أميركية جديدة على الدولة اللبنانية لاتخاذ إجراءات حاسمة وعملية ضد الحزب، وهذه الضغوط التي بدأت بوادرها تظهر مع الحديث عن عقوبات محتملة على شخصيات وكيانات لبنانية عدة، تطلب من الدولة حسم قرارها بنزع سلاح الحزب ومنعه من التسلح وبناء وقدراته، وهو ما يتطابق مع المعلومات التي سربت من جلسة المفاوضات الأخيرة في تامبا، إذ أن الوفد الإسرائيلي طالب بغرفة مشتركة مع الجيش اللبناني الذي رفض التنسيق أو التحقق من إجراءاته وآدائه في مواجهة "حزب الله"، فيما الراعي الأميركي كان حاسماً بضرورة تنظيف المنطقة من أي وجود لـ"الحزب"، وتحمّل الجيش لمسؤولياته في نزع السلاح وتفكيك المنشآت، بالتوازي مع ضغوط لتجفيف المصادر المالية لـ"حزب الله" عبر إجراءات قضائية حاسمة.
تقف الدولة اللبنانية عاجزة أمام الضغوط التي تعكس استياءً أميركياً من تأخر الدولة في اتخاذ الإجراءات المناسبة، في الوقت الذي تتريث في تنفيذ قراراتها خوفاً من الصدام الداخلي، وتصر على الأميركيين للضغط على إسرائيل لتنفيذ انسحابات من مناطق تجريبية في الجنوب، فيما لا يترك "حزب الله" أي مناسبة للهجوم على الدولة ويزيد من عجزها أمام الخارج، أو في محاولاتها لتشكيل مظلة عربية ودولية واستثمار مبادرات لا تزال قائمة من دول عدة في المنطقة، لدعمها في المفاوضات وتطبيق قراراتها بحصر السلاح.
وأمام هذا الانسداد يبدو الوضع متجهاً نحو التصعيد، بفعل فشل التسوية في المنطقة، وما أنتجته أيضاً الانتخابات الإسرائيلية، التي سيعمل نتنياهو وفق المصادر الديبلوماسية على استغلال الثغرات في تشكيل الحكومة الإسرائيلية إلى أقصى حد وسيدفع الأمور إلى التصعيد في حرب على إيران، لن يكون لبنان بمنأى عنها.