أجــدادنـــا المهنـدســـون
هي لوحة ليست مجرد توثيق بصري، بل هي قصيدة لونية تتغنى بعظمة الإرث العمراني العربي الجنوبي. تحتاج هذه اللوحة لوصف بليغ ينصفها كتحفة فنية للفنان الرائد سعود القحطاني، بعنوان (أجدادنا المهندسون) حيث تعانق الأرض كبرياء السماء. في هذه اللوحة لا يرسم الفنان مجرد بيوتٍ حجرية، بل يستحضر عبقرية البقاء التي سكنت سواعد الأجداد. بضربات فرشاة جريئة وألوانٍ تنبض بحرارة الذاكرة، تتحول الحصون والمباني إلى كائناتٍ حية تتنفس وسط تدرجات لونية تحاكي شموخ الجبال وصفاء الأفق الجبلي الجنوبي. من دلالات العمل الكتلة والفراغ، تبرز المباني ككيانات هندسية صلبة تعكس الأصالة، حيث اختار القحطاني زاوية رؤية «منظور» تمنح العمارة التقليدية هيبة القلاع والحصون والمنازل، مؤكداً أن العمارة لم تكن مجرد مأوى، بل كانت هوية وتحدياً للطبيعة وجزءًا ممثّلًا لكيان الإنسان. في لغة الألوان مزيج بين الألوان الترابية الدافئة ودرجات الأبيض في الأفق، يخلق حالة من التناغم بين حجر الأرض وسعة أفق الطموح. إنها احتفالية بصرية بالضوء الذي يسقط على الحواف، ليبرز تفاصيل الشرفات التي صاغها الأجداد بحسٍ هندسي فطري. في الامتداد التاريخي، وجود هذه اللوحة في معرض بدايات بالمتحف الوطني السعودي، يضعنا أمام وقفة إجلال لجيل الرواد؛ فالقحطاني هنا لا يؤرخ للمكان فحسب، بل يؤرخ للجمال الكامن في جذورنا، محولاً التراث من ماضٍ صامت إلى فنٍ يتكلم. ختامًا، أجدادنا المهندسون هي رسالة حب بصرية، تذكرنا بأن الحداثة التي نعيشها اليوم ليست سوى ثمرة لتلك الجذور الراسخة التي شيدها مهندسون لم يدرسوا في الجامعات ولم تتاح لهم المساطر والمثلثات والمنقلة والفرجار، بل تعلموا الهندسة من قلب الصحراء وشموخ الجبال. فنان وناقد أكاديمي