أجاثا كريستي وصناعة الإثارة في الحقيقة والخيال – عبدالله العولقي

شعرت السيدة أجاثا كريستي بشيءٍ من القلق تجاه مستقبل أسرتها، فزوجها السيد أرتشيبالد كريستي ينوي التخلي عنها، وها هو الآن يعرض عليها فكرة الطلاق! وفي هذه اللحظات الصعبة، أحست بأوجاعٍ نفسيةٍ كادت أن تغتال روحها المضطربة؛ فالكاتبة الإنجليزية التي تسحر القراء برواياتها البوليسية عاجزة عن الحفاظ على بيتها مستقرًا ومتماسكًا. وفي مساء أحد الأيام، وحينما عمّ الهدوء أرجاء المدينة، قررت الهرب من بيتها، ولكن إلى أين؟ ربما إلى المجهول الذي كان ينتظرها، وربما إلى مكانٍ يجلب لها السكينة التي كانت بأمسّ الحاجة إليها!

ولكنها عندما قررت الفرار من بيتها، تساءلت في نفسها عن مصير ابنتها الصغيرة، وهكذا حاولت أن تلجم عواطفها وتغالب دموعها المتساقطة على خديها، وهنا قررت أن تقتحم غرفتها وتنحني لتقبّل رأسها بحرصٍ شديد حتى لا توقظها. بعد ذلك أخذت نفسًا عميقًا، وأغلقت باب منزلها، وشغّلت سيارتها لتنطلق نحو بلدة يوركشاير!

في اليوم التالي، عثرت الشرطة البريطانية على السيارة وقد هوت من أحد المنحدرات وارتطمت بالأرض أسفل الوادي، وكانت المفاجأة أن السيدة أجاثا كريستي غير موجودة في المكان! وهنا بدأت تحقيقات الشرطة تأخذ طابع الجدية، وشرعت القضية تتحول إلى قضية رأي عام، بعدما أشعلت الصحافة الإنجليزية الحديث عن حيثيات الاختفاء وملابساته؛ فالقضية هنا تتعلق بأشهر كاتبة في الأدب الإنجليزي الحديث. وحينها كتب بعض الكتّاب ساخرًا: الكاتبة التي أدهشت القراء بطرائق كشف الجرائم تختفي في ظروفٍ غامضة، والشرطة عاجزة عن اكتشاف سر اختفائها!

وهكذا بدأت القضية تأخذ أبعادًا مختلفة في بريطانيا، وكانت الشكوك تتجه نحو زوجها الذي ينوي طلاقها والزواج من امرأة أخرى! وهكذا تم استدعاؤه والتحقيق معه، ولكن الزوج أخبرهم أنه لا يعلم أي شيءٍ عن الموضوع، بل إنه تفاجأ، مثل غيره، بملابسات اختفائها! ولكن المحقق واجهه بصرامة بأنه يعلم أن نقاشًا حادًا قد اندلع بينهما تلك الليلة، فأجاب الزوج بأن هذا الحديث صحيح تمامًا، وأن الشجار العنيف قد احتد بينهما حينما أعلمها بنيته الطلاق منها! وقد انتهى حينما اتفق الطرفان على أن يفترقا بضعة أيام حتى يتسنى لكل منهما أن يفكر بهدوء بمفرده.

جاء في تقرير الشرطة أن الكاتبة قد تركت ملاحظتين: الأولى أنها أخبرت سكرتيرتها بأنها ذاهبة إلى بلدة يوركشاير، والثانية رسالة إلى رئيس الشرطة تفيد بأنها تخشى أن يقع لها مكروه! وهكذا ظل اللغز قائمًا، ومما زاد الأمر إثارة أن الصحافة أججت القضية في مختلف أنحاء إنجلترا. لقد كانت أصابع الاتهام تتجه مرةً بعد أخرى نحو الزوج، الذي حاول بكل ما أوتي من حيلة أن يثبت براءته من هذه الملابسات العجيبة! ولكنه، في لحظة ما، انفجر في وجه المحقق ساخطًا وهو يقول:

* هل تتهمني بأن لي يدًا في اختفاء زوجتي؟ هل تتهمني بقتل زوجتي؟ ألا تظن أنه من السذاجة والغباء أن أحاول ألمس بحياة زوجتي في مثل هذه الظروف؟ ربما لم أكن زوجًا وفيًا، ولكنني لست مجرمًا، ورغم خلافاتنا حول العديد من الأمور، فإنني لم أتمنَّ قط أن تموت أو أن يحدث لها أي سوء! إنها أم ابنتي!

بعد أن ثبتت براءة الزوج، انتشر آلاف من رجال الشرطة لتمشيط المنطقة المحيطة بالمكان الذي عُثر فيه على السيارة. ولأول مرة في تاريخ بريطانيا استُعملت طائرات للبحث عن جثة قد تكون طافية فوق مياه أحد السدود في ضواحي المنطقة، لكن تلك الجهود تلاشت وذهبت في مهب الريح. ومن المفارقات العجيبة أن الطبيب والكاتب الشهير آرثر كونان دويل، مبتكر شخصية «شرلوك هولمز»، قد انخرط بنفسه في عملية البحث عن الكاتبة الشهيرة، ورغم عبقريته في فهم سلوك الجريمة، فإنه عجز أيضًا عن الكشف عن مكان أجاثا كريستي!

وهكذا ارتسم الذهول على محيا الجميع، وبدا أن القضية تتجه إلى طريق مسدود، لولا اتصال مفاجئ أعادها إلى وجهتها الصحيحة. فقد تلقت الشرطة مكالمة هاتفية مجهولة المصدر تفيد بأن سيدةً محترمةً تتوافق مواصفاتها مع صورة السيدة كريستي موجودة في أحد الفنادق، ولكنها فاقدة للذاكرة. وحينما وصلت الشرطة إلى الفندق، وجدت بالفعل السيدة كريستي، ولكن أفرادها لم يتمكنوا من الحديث معها حول ملابسات اختفائها!

فاستُدعيت مجموعة من الأطباء الذين شخصوا الحالة بأنها فقدان جزئي للذاكرة بسبب أزمة عصبية حادة! لقد كانت فكرة الطلاق وخراب بيتها الصغير وراء كل هذه المشكلة. وكان الناس يتساءلون عن مستقبل كاتبتهم المفضلة: فهل فقدان الذاكرة هذا مزمن أم مؤقت؟

أما الصحافة فقد استغلت الأمر مرةً أخرى، وبدأت تثير احتمال أن كل ما حدث لم يكن سوى دعاية تسويقية لرواياتها القادمة! بمعنى أن السيدة كريستي تحاول أن تصنع الإثارة في حياتها الواقعية كما صنعتها داخل رواياتها! أما الاحتمال الآخر فيتعلق بزوجها؛ فكل ما في الأمر أنها أرادت من وراء ذلك إيقاع الندم في نفس زوجها، وجعله يشعر بالتعاطف معها، لعله يتراجع عن قرار الطلاق!

بين هذا وذاك، فإن المحصلة أن ملكة الجريمة قد نظمت، بوعي أو من دون وعي، أنجح حملة دعائية عرفها تاريخ الأدب الإنساني! وفي كتاب «أجاثا كريستي: حياة غامضة»، ذكرت الكاتبة هيلين بايلاك أن مكانة أجاثا كريستي الأدبية قد تغيرت بعد حادثة الاختفاء بصورة كبيرة جدًا؛ فقد انتقلت بعدها إلى مصاف الكتّاب النجوم، فأصبحت كل تحركاتها محل اهتمام الإعلام البريطاني والأوروبي، وأصبح الناس يتابعون بشدة تفاصيل حياتها، فأقبلوا على أعمالها بشغف عارم. وبعد أن كانت رواياتها تبيع بضعة آلاف من النسخ، قفزت مبيعاتها إلى أرقام قياسية!

نعود إلى حادثة الاختفاء؛ فقد حاولت الشرطة أن تثبت حقيقة ما جرى، إلا أن الكاتبة الشهيرة أصرت على أقوالها حتى آخر يوم في حياتها، وأن الأمر لا يتعدى فقدان الذاكرة المؤقت! أما زوجها فقد نفذ قراره السابق ورحل عنها، وتزوج من السيدة التي رأى أنها أفضل له من تلك الكاتبة المستغرقة في صناعة الحبكة الروائية أكثر من اهتمامها به!

وهي أيضًا تزوجت بعده من السيد ماكس مالوان، عالم الآثار الشهير، الذي عاشت معه بقية حياتها، ورأته الزوج المناسب لها والمقدّر لموهبتها وكتابتها، بدلًا من ذلك الزوج الخائن! ولكنها أبقت اسمها القديم، الذي يحمل اسم زوجها الأول؛ إذ كان من الصعب تغييره بعدما أصبح علامةً تجاريةً في عالم التسويق الروائي.

بل إنها في زواجها الثاني أصبحت أكثر إبداعًا في كتاباتها، مستفيدةً من خبرتها السابقة في صيدليات المستشفيات، ودراستها السموم ووسائل القتل، لتصبح رواياتها أكثر دقة واحترافية من قبل! وقد جاء في كتاب «أجاثا كريستي واستخدام السموم» للكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف وظفت أجاثا كريستي في أعمالها البوليسية أنواعًا مختلفة من السموم المستخدمة في جرائم القتل بطريقة علمية صحيحة، فلم تكن مجرد أداة في الحبكة الدرامية فحسب، بل كانت أيضًا عنصرًا أساسيًا في بناء الألغاز وتشويق القارئ!

كما أن زوجها الثاني ساعدها في كتابة الروايات حينما كان يصطحبها معه في رحلات التنقيب عن الآثار، بل إنها كانت تقوم ببعض هذه الأعمال بنفسها حتى اكتسبت خبرة واسعة في هذا المجال، وقد وظفت كل هذه المعرفة بطريقة رائعة داخل رواياتها المثيرة.